Tunisian_Revolutionمرت خمسة أعوام كاملة على اندلاع الثورة التونسية التي أطاحت بنظام بن علي ومهدت للربيع العربي فظهرت بشائره في مصر واليمن وسوريا وليبيا ومن سوء الحظ لم يكتب لأزهاره أن تتفتح ولم ينعم بالعيش طويلا إلا بأرض تونس. ولعل أبرزالأسباب التي أدت الى إخفاق هذه الدول في مسيراتها التحررية من دكتاتورية الانظمة الحاكمة تكمن في سوء تأطير ثوراتها أوغياب قياداتها أو تغييب الزعماء الذين كان لهم تأثير في توجيه أحداث ثوراتها.

انتصرت ثورة تونس في جانفي 2011 بعد أيام معدودات من قيام إنتفاضة شعبية أوقدها شباب أستنفر خفافا في ولاية سيدي بوزيد في الفترة بين 17 و24 ديسمبر 2010. وما فتئت الانتفاضة سلمية في بوادرها حتى غمرها الغضب لما سقط الشهداء الأوائل بمدن بوزيان والمكناسي والرقاب. وبحلول سنة 2011 أستنفر شباب تونس ثقالا في عديد المدن واكتسح الغضب الشديد شوارع المدن الداخلية وتركزت المواجهة بين قوات الأمن المدججة والشباب العاري الصدور في ولاية القصرين.

في ربوع القصرين تناظر الجيشان وكانت الحرب. تبدو في ظاهرها غير متكافئة وفي صالح قوات الأمن المسلحة ولكن الشباب العزل كانوا متسلحين بحب الكرامة والكرم، كان الشباب كريما في انتفاضته وأطعم اليتيم والمسكين وابن السبيل وكل الجائعين والمحرومين من الحرية، نصبت قدور الثورة في القصرين. بدأت قدور الثورة تغلي على أثافي جبال الشعانبي والسلوم وسمامة. وكأني بجيش الثورة قد استدرج جيش الأمن الى ميدان المعركة بالقصرين. على أثافي القصرين يكرم المرء أو يهان، في ربوع القصرين سيحسم أمر الثورة لا محالة. ككل مرة.

في القصرين وبالتحديد في مدينة سبيطلة غلبت الروم بعد معركة ليلية حامية الوطيس شنتها الجيوش العربية بقيادة العبادلة السبعة، وفي القصرين وبالتحديد في مخنق بولعابة حاول القائد الألماني رومل جاهدا أن يهزم الجيش الأمريكي في معركة ليلية لكنه سرعان ما انسحب غير ظافر ومؤذنا بهزيمة قريبة. وها هو التاريخ يعيد نفسه فتلتحم قوات الأمن مع شباب الثورة في القصرين. ولم يمض الأسبوع الأول من السنة الجديدة حتى حسم أمر المعركة يوم 8 جانفي ليلا 2011 بمدينة تالة أين دق نعش نظام بن علي وحمل سيرا على الأقدام عبر ثنيات مدن الشمال الغربي الى أن طلع البدر علينا يوم الجمعة 14 جانفي في العاصمة.

حسم الأمر في تالة. تالة مدينة عالية فيها عين جارية فيها سرر مرفوعة. هي المدينة التونسية التي تسجل أعلى ارتفاع على سطح البحر. وتالة شاهقة وعريقة في تاريخها النضالي ضد الرومان والعرب والبايات. من هذه المدينة الشهيدة تنطلق بشائر الانتصار الى العاصمة حسب تدرح زمني منظم خطط له من قبل. تدفق الانتصار كعارض ممطر ونزلت سيول النصر وغمر الغيث النافع كل البلاد وتنفست بلادنا رائحة الحرية والكرامة.

انسحبت قوات الأمن من المواجهة مع الشباب الثائر ابتداء من 9 جانفي، وتلقت قوات الجيش الأمر بالانتشار لحماية المنشـآت السيادية والحساسة وحماية المواطنين العزل في ولايات القصرين وسلياتة والكاف وجندوبة وباجة وبنزرت. وما لم تتحدث عنه وسائل الاعلام أو طمسته هو ما حدث في هذه المدن التي شهدث أحداثا خطيرة وعنيفة. ولم تهتم بها لأنه لم يسجل بها سقوط أي شهيد منذ ذلك اليوم وحتى 14 جانفي 2011. كما أن التعتيم الاعلامي طمس كل ما يحدث بعيدا عن العاصمة.

وما جرى طيلة الأيام الفاصلة بين 8 و14 جانفي جدير بالنظر والتحليل، ففي 9 جانفي كانت سليانة وبالتحديد مدينة مكثر مسرحا للأحداث الثورية من حرق ونهب في بعض المغازات التجارية والمراكز الأمنية. وفي 10 جانفي شهدت مدينة الكاف نفس السيناريو. وهذا ما لفت انتباه القيادة العسكرية الجهوية لمحاولة فهم وتحديد وجهة موجة العنف والحرق والنهب، وتم التوصل الى الاستنتاج الأول حيث أن هدف الموجة العنيفة سيكون يوم 11 جانفي في جندوبة، وصدق المنجم العسكري ولم يكذبه التحليل، ثم تنبأ بوصول العنف الى باجة يوم 12 و منزل بورقيبة يوم 13 جانفي 2011 وكان الأمر كذلك وكان هذا هو الأثر الأول والحجة البينة التي تثبت وجود مخطط لأحداث الثورة وبالتالي وجود زعيم خطط وبرمج لهذا التقدم المنظم.

وانطلاقا من هذا الأثر تمت مراقبة التحركات الثورية الشبابية وتم التوصل الى الأثر الثاني حيث كان المتظاهرون في كل المدن يلتقون في بداية النهار أما م المكتب الجهوي للاتحاد العام التونسي للشغل. وبعدما يكتمل نصاب الثائرين ينطلقون جماعات تجاه أهداف معينة تكون مختارة ولها نفس الأسم التجاري في كل المدن. وقد فسر البعض أن هذه المتاجر يمتلكها أشخاص يتعاملون مع الطرابلسية. ولم يتم نهب أو الحاق أي ضرر بالمحلات التجارية القريبة منها. وهذا ما يدعم الحجة التي تبين أن هذه التوصيات تكون صادرة عن قيادة موحدة وبمثابة تعليمات منبثقة عن زعيم.

أما الحجة الثالثة فهي مرتبطة بمناورة الهجوم الثوري والتي يمكن وصفها بمناورة الالتفاف فقد اختار جيش الثوار هجوما مجانبا ولم يسلك المواجهة المباشرة. إختار هجوم المدن الريقية المتاخمة للعاصمة قأضعف دفاعاتها الخارجية الى أن سقطت العاصمة بسهولة فائقة . ولعمري في هذا المناورة خبر واسع في فنون القتال والمواجهة والتي لا تصدر إلا عن قائد متمرس.

من الصعب أن يصدق العاقل ما تداولته وسائل الاعلام وكل الأحزاب السياسية من غياب زعيم أو فريق من الزعماء الذين قادوا أحداث الثورة التونسية المنتصرة. ولهم في ذلك مصالح جمة وأولها شرعية الالتفاف على الثورة، وقد تكون الثورة إلهاما من السماء أو تكون أمرا من الجبل أو من الأثافي.