مرأة إيفوارية ضحية اتجار بالبشر في تونس. صورة لأدريانا فيدانو، نواة، 2018

يعرف القانون التونسي عدد 61  المؤرخ في 3 أوت 2016 الاتجار بالبشر في فصله الثاني بأنه

استقطاب أو تجنيد أشخاص أو نقلهم أو تنقيلهم أو تحويل وجهتهم أو ترحيلهم أو إيواءهم أو استقبالهم باستعمال القوة أو السلاح أو التهديد بهما أو غير ذلك من أشكال الإكراه أو الاختطاف أو الاحتيال أو الخداع أو استغلال حالة استضعاف أو استغلال نفوذ أو تسليم أو قبول مبالغ مالية أو مزايا أو عطايا أو وعود بعطايا لنيل موافقة شخص له سيطرة على شخص آخر وذلك بقصد الاستغلال أيا كانت صوره سواء من طرف مرتكب تلك الأفعال أو بوضعه على ذمة الغير لاستغلاله. ويشمل الاستغلال، استغلال بغاء الغير أو دعارته أو غيرها من أشكال الاستغلال الجنسي أو السخرة أو الخدمة قسرا أو الاسترقاق أو الممارسات الشبيهة بالرق أو الاستعباد أو التسول أو نزع الأعضاء أو الأنسجة أو الخلايا أو الأمشاج أو الأجنة أو جزء منها أو غيرها من أشكال الاستغلال الأخرى.

لكن يبقى السؤال مطروحا حول نجاعة هذه الترسانة القانونية وفاعليتها في مقاومة ظاهرة الاتجار بالبشر.

مؤشرات ظاهرة الاتجار بالبشر

وفي هذا الصدد ورغم وجود نص قانوني يجرم الاتجار بالبشر، إلا أن ضحايا هاته الجرائم ارتفعت بشكل كبير بين سنتي 2018 و2019 حيث أكدت رئيسة الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص روضة العبيدي مؤخرا أن الهيئة سجلت 1313 حالة اتجار بالبشر خلال سنة 2019 مسجلة بذلك ارتفاعا مقارنة بسنة 2018 حيث سجلت الهيئة 780 حالة. وأضافت روضة العبيدي، بأن الإحصائيات المسجلة تميزت بثلاثة خصائص على مستوى الضحايا، حيث أن نصفهم من النساء ونصفهم من الأطفال ونصفهم من الأجانب مشيرة إلى أن أغلب الضحايا الأجانب يتم استغلالهم في التشغيل القسري.

وفي نقس السياق أضافت رئيسة الهيئة أن أكثر من 83 بالمائة من قضايا الاتجار بالبشر تعلقت بالتشغيل القسري وتورط أكثر من 840 من الأشخاص في هذه القضايا نصفهم تقريبا من النساء.

وقد ميزت الهيئة العمل القسري على اعتباره أخطر بكثير من الاستغلال الاقتصادي في مفهومه الشامل حيث يتم فيه استعمال العنف والتهديد لإرغام الشخص على العمل. ولاحظت من ناحية أخرى أن إيسار الدين وهو تداين مبلغ مالي وسداده على فترة طويلة يعتبر شكلا من أشكال العبودية يتواجد ببعض المناطق المهمشة والأرياف التونسية مضيفة أن استغلال الأطفال في الجريمة المنظمة يعتبر أيضا من أشكال الاتجار بالبشر كما الأمر بالنسبة لمحاولة بيع مولود خارج إطار الزواج.

ولئن تحدث التقرير عن حالات الاستغلال الجنسي والاقتصادي وظاهرة تشغيل الأطفال واستغلالهم باعتبارها الظاهرة المنتشرة في الشارع التونسي، إلا أنه أكد في المقابل على أن أكثر من 90 بالمئة من الضحايا هم أجانب ويمكن تفسير هذا أن كل ما كانت الضحايا تعاني من وجودها في وضع قانوني غير سليم كلما كانت أكثر عرضة للاستغلال.

مدى نجاعة الوسائل الحمائية

إن مكافحة جريمة معينة لا يكون فقط بسن التشريعات، بل عن طريق أحكام إدانة تثبت فعالية ووجود هاته القوانين وهو ما سيشجع ضحايا الاتجار بالبشر على تقديم البلاغات. كما أن طبيعة جريمة الاتجار تحتّم التدخل السريع ويجب أن تكون ذا أولوية وتتطلب فصلا أسرع من ذلك المتعلق بقضايا الحق العام والقضايا العادية، والملاحظ هو بطء إجراءات التقاضي وقلة حالات الإدانة بموجب قانون مكافحة الاتجار وهو ما يساهم في تكريس ثقافة الإفلات من العقاب بالنسبة لمرتكبي جرائم الاتجار، ويثني المتقاضين عن التشكي وخلق بالتالي تأثير تحرري تجاه الجناة.

وتجدر الإشارة، إلى أن بمجرد دراسة قانون مكافحة الإتجار بالبشر، نلاحظ النقص الكبير في الإجراءات المتعلقة بالتدابير الوقاية، حيث أن المشرع في الفصل 46 لم يقتصر إلا على تكريس قدر من الحماية   القضائية للضحايا والشهود والمبلغين عن الجرائم. في حين أن هناك تدابير وقائية أخرى يمكن أن تحمي الضحايا من الانتهاكات. فهل من المقبول تقليل التدابير الوقائية؟ أليس من الضروري أو حتى الأساسي النظر في التدابير الأخرى المنصوص عليها في المادة 46؟

إن ملائمة التشريعات وإعادة النظر في الجرائم المشابهة للاتجار بالأشخاص أو التي تتطابق معها هو التناسق بين مختلف النصوص التشريعية وتمكين الهيئة الوطنية لمكافحة الاتجار بالأشخاص من الوارد المالية والبشرية اللازمة وتفعيل الدور المحوري الذي تلعبه في التنسيق ما بين مختلف الفاعلين في المنظومة القضائية، حتما سيساهم في الحد من هاته الجرائم. دون أن ننسى ضرورة تغير وسائل التعامل مع الضحية خلال المسار القضائي وخاصة من خلال الاستماع إليها لاسيّما وأنّ هذا التعامل يجب أن يأخذ بعين الاعتبار خصوصيتها وكذلك ضمان توفير المعلومة القانونية والمساعدة القضائية المستوجبة لضحية الاتجار.

إن تعزيز التحسيس بخطورة جريمة الاتجار بالأشخاص والعمل على تأطير وتكوين كل المتدخلين في المنظومة القضائية من شأنه أن يساهم بشكل فعال في التقليص من حجم هاته الجرائم وكذلك في تعزيز الاعتراف بضحايا الاتجار بالبشر وبمركزهم القانوني حتى يتم تمكينهم من الإحاطة والتعويض المستوجب لهم.