لماذا يتظاهر الناس و يعتصمون و يضربون عن الطعام؟ إنّهم ببساطة يحتجّون و يحوّلون بتلك الأشكال النضاليّة احتجاجهم إلى ضجيج الهدف منه لفت الانتباه من الداخل و الخارج ليقف الرأي العام عند مطالبهم فيفهمها و يتعاطف معها و يساند أصحابها و يدعمهم. و أفشل الاحتجاجات هي التي لا يسمع بها الناس و لا تحظى باهتمام وسائل الإعلام المحليّة و الدوليّة فتمرّ في صمت و لا تترك أثرا يذكر.

و اعتصام القصبة 3 حركة احتجاجيّة قيل إنّ المشاركين فيها لم يتجاوز بضع مئات، الأمر الذي دفع بعض المراقبين إلى الحكم عليها بالفشل، و لعلّه حكم متسرّع لأنّ الاعتصامات غالبا ما تتضخّم بمرور الوقت كما حصل في السابق،

و لكنّ الحكومة عن طريق وزارة الداخليّة قطعت الطريق أمام القصبة 3 و أجهضته بحجة عدم الترخيص و معارضة التجار الذين يشكون من الكساد و يخافون على مصالحهم. و تدخّل أعوان البوليس بقنابلهم و عصّيهم لتفريق المعتصمين و اعتقال الناشطين منهم في خطّة هدفها الرئيس وئد تلك الحركة التي كانت تسعى للإطاحة ببعض الرؤوس في الحكومة و في هيئة بن عاشور و تطالب بمحاكمة القتلة و المسؤولين عن الفساد. فهل نجحت الحكومة و هل فشل الاعتصام؟
واقع الأمر يكشف أنّ الاعتصام حقّق بفشله المزعوم أهدافه في وقت قياسيّ، و في ذلك كلّ النجاح لأنّه أربك عمل الحكومة و أجبر رئيسها على الخروج لتبرير ما حدث، و وضع وزارة الداخليّة في مأزق بسبب ما ارتكبته من عنف لم يستثن رجال الإعلام و زاد الطين بلّة ما وقع في المسجد القريب من القصبة و ما أثاره من ردود الأفعال و ما تبعه من التبريرات و الروايات الغريبة التي لا تُصدّق بسهولة كتلك التي تتحدّث عن شاربي الخمرة و العراة الذين دخلوا المسجد لتدنيسه فلاحقهم رجال الشرطة لتطهير بيت العبادة منهم!

و عموما ليس من السهل أن تنكر الحكومة الوضع المتأزّم الذي وصلت إليه و قد تسبّب في تداعيات خطيرة تجاوزت ضواحي العاصمة إلى عديد المدن شمالا و وسطا و جنوبا، لتعود أخبار الاعتداء على المقرات الرسميّة إلى الواجهة و تتوتّر العلاقة من جديد بين المواطنين و رجال الأمن الذين يُهاجَمون و تُحرَق مقرّاتُهم و تفتكّ أسلحتهم، و تتسبّب تلك الفوضى في سقوط شهيد جديد في مدينة سيدي بوزيد ذات الوضع الهشّ أصلا. فهل كان سيحدث كلّ ذلك في مدّة قصيرة لو تُرِك المعتصمون و شأنهم في القصبة و هم بضع مئات كما قيل لنا؟

الإجابة هي لا و بكلّ تأكيد، و هذا ما يدفعنا إلى الجزم بأنّ الحكومة أخطأت التقدير فانقلب الفشل الذي أرادته للمعتصمين إلى نجاح باهر لأنّه جلب لهم تعاطفا متعاظما و أدّى إلى بروز احتجاجات أخرى تطالب بإطلاق سراح المعتقلين منهم ، و دفع وسائل الإعلام المكتوبة و المرئيّة إلى تسليط الأضواء على مبادرتهم لتوجّه في تحليلاتها النقد اللاذع إلى ممارسات الحكومة، و قد نظّم رجال الصحافة في تونس وقفة غاضبة بسبب العنف الذي صار يطالهم من رجال البوليس فيعطّل سعيهم لتغطية الأحداث، و يدفعهم منطقيا إلى الوقوف في خندق المحتجين ما دام العنف يستهدفهم رغم ما قُدّم لهم من ضمانات و اعتذارات في المرّات السابقة. و قد رفعت نقابة الصحفيين قضيّة ضدّ وزير الداخلية ما يعكس حجم الخلاف و التوتّر بين الطرفين.

إنّ الهوّة تتسع يوما بعد يوم بين الحكومة و الأطراف الأخرى. و كلمة الأطراف هذه صارت كثيرة التداول في المدّة الأخيرة، نسمعها من الحكومة و هي تهاجم أعداءها من الذين “يريدون إفساد الانتخابات”، و نسمعها من ممثّلي الأحزاب و هم ينبّهون إلى الأخطار المحدقة بالثورة، و نسمعها من رجال الصحافة و هم يحلّلون الأوضاع المتأزّمة و يحدّدون المسؤولين عن تأزّمها. و لكنّنا لم نسمع أحدا يوضّح لنا هويّة تلك الأطراف تحديدا لا شبهة فيه.

و الطريف أنّ الخطاب الأخير للسيد الباجي قايد السبسي، وجّه شكوكه إلى تلك الأطراف فقال إنّ منها بعض الأحزاب التي لم تجهز للانتخابات و تخاف من نتيجتها. و الأحزاب في تونس أكثر من تسعين حزبا فمن يقصد رئيس الحكومة؟

ليس في خطابه إجابة واضحة و لكنّه على كلّ حال رمى بالكرة و بالمسؤوليّة إلى الأحزاب ذات التوجّه الإسلاميّ و اليساريّ على حدّ السواء، فسارع بعضها من هذا الشقّ و من ذاك إلى نفي أن تكون شكوك الوزير الأوّل موجّهة إليه، مما ينذر بأنّ الوفاق الذي قيل إنّه تحقّق بين الحكومة و الأحزاب حول الانتخابات موعدا و استحقاقا ضروريا قد يشهد تجاذبات جديدة من شأنها أن تخلق أزمة في العلاقة بين أطراف اللعبة السياسيّة.

أزمة في توقيت حرج قد تطيح ببعض الرؤوس في الحكومة أو في هيئة بن عاشور إرضاء و استرضاء، و قد تؤدّي إلى إقصاء تلك الأطراف التي تتّهم بأنّها تهدّد الانتقال الديمقراطيّ بعد تحديد دقيق لهويّتها. و للقارئ أن يحدّد إن أراد الانخراط في هذه المقاربة أيّهما المسعى لإنقاذ الثورة و أيهما المؤشّر الحقيقيّ للانقلاب عليها.