Cartoon by Michel Kichka

بقلم عماد محنان – أستاذ جامعي من تونس

ولكن يبدو أنّ لكلّ مرحلة مفاجآتها؟ فمفاجأة المرحلة التّشاوريّة كانت موقف اليسار ومناورات بعض الأطراف بإحياء الرّوح المطلبيّة وتهييج القطاعات المهنيّة والدّفع إلى الإضراب في مرحلة يُحتاج فيها إلى صمّ الآذان عن اللّغط التّلقائي فضلا عن المفتعل المقصود، وذلك من أجل ترتيب الأجواء لتشاور مثمر.

كيف تخرج حركة النّهضة والأحزاب التي قبلت الانخراط معها في تشكيل الحكومة المقبلة من الحصار الخانق ذي الرّأسيْن : المقاطعة المطلقة للمشاورات ورفض المشاركة مبدئيّا وليس على قاعدة تفاهمات محدّدة، وتشنيج العصب الاقتصادي بواسطة تحريك النّقابات التي يعرف القاصي والدّاني اللّون الغالب عليها؟

هذا السّلوك التّعويضي ليس إلاّ وليد قراءة مغلوطة وعدم احترام مبالغ فيه لآمال الشّعب التّونسي ومن ورائه شعوب الأقطار العربيّة من الثّورة الرّائدة. ولنكشف معالم هذه القراءة أكثر نقول إنّها استيلاء على سلاح لمواجهة خصم لا يفترض فيه أن ترقى خصومته إلى درجة العداوة المعلنة. يوجد حوار ذاتي داخل طيف من اليسار رأى في حركة النّهضة حزبا دينيّا استولى على الدّين واستثمر الجوع الرّوحي ليعبّ من أصوات النّاخبين بعقليّة غريزيّة افتراسيّة كاسحة. ويجب الرّدّ عليه بتوظيف القوى العاملة في التّعطيل وهو ما يعني استثمار الجوع الماديّ لمواجهته وإسقاطه. يبحث اليسار عن حجر ثقيل يشجّ به رأس حركة النّهضة ومن يقترب منها في الطّرح أو يقبل مشاركتها. وترجمة للمثل التّونسي: إذا ما اختار بعض ألوان الطّيف اليساري أن “يحمل في يده حجرا” فما على الأطراف المقابلة إلاّ أن “تقرأ يس”.

بمعنى آخر لا تكون الحكمة في إنتاج ردّ فعل جديد مساو للأوّل في القوّة ومعاكس له في الاتّجاه. بل إنّ الذّكاء في هضم أزمة اليسار وطريقة تعاطيه مع إفرازات الواقع الجديد ضمن تحدّيات المرحلة. بعبارة أوضح يتمّ تبنّي أزمة اليسار التّونسي بوصفها قضيّة وطنيّة لا تقلّ أهميّة عن مشكليْ البطالة والتّنمية، وليس بوصفها مشكلة محصورة في طيف سياسي تلزمه وحده.

من الواضح أنّ هذا التّناول يوحي ظاهرا بمثاليّة لا يقبلها العقل السّياسي عموما فضلا عن العربي بمقتضى جنينيّة تجربته في الحكم الدّيمقراطي. وكيف لحركة النّهضة على سبيل الحصر أنْ تعامل طرفا يجابهها بالرّفض والإقصاء والتّعطيل بهذا التّفكير الإيجابي المثمر؟ فلو افترضنا في الظّرفيّة الحاليّة تبادلا للمواقع بين الطّرفييْن لما شكّ أحدٌ في أنّ اليسار سيعتبر فوزه السّاحق انتصارا للعقلانيّة على الفكر الغيبي وللوعي التّاريخي على الوهم الدّينيّ، ولذهب إلى اعتبار ذلك بداية خلاص مجتمعي وقطيعة مع مرحلة طويلة من الغيبوبة الحضاريّة.

ولكنّ هذه “المثاليّة” تكون عين الواقعيّة إذا ما أخذنا في الاعتبار، بعيدا حتّى عن التّفكير في مصلحة اليسار نفسه، المصلحة الوطنيّة العليا وحتّى المصالح الحزبيّة المختلفة. وذلك أنّها فعلا تسمح بتحصيل هاتيْن المصلحتيْن: يبرّر الأولى منهما البُعد الوطني السّامي في الأطراف التي فازت في الانتخابات استنادا إلى الشّرعيّتيْن القانونيّة والأخلاقيّة. وذلك أنّ احتضان اليسار في أزمته وإحباطه يكون إسنادا للشّريك السّياسي الذي من دونه لا يكون للدّيمقراطيّة التّشاركيّة معناها الأمثل. لنسمّها إذن المصلحة الوطنيّة العليا. ويبرّر المصلحة الثّانية اكتمال ملامح المشروع المجتمعي بإدماج رهان إعادة ترتيب البيت السّياسي التّونسي على قاعدة الحوار الدّيمقراطي والنّقاش الفكري المعمّق. بهذا تكون الأطراف الفائزة قد عبرت إلى سؤال الثّورة الثّقافيّة في المرحلة المناسبة وبالتّوازي مع التّصدّي للقضايا الأوليّة المباشرة كالقضايا المطلبيّة والإصلاحيّة إلخ. وبهذا تكون قدّمت الجواب عن السّؤال المشكّك في وضوح المشروع المجتمعي الذي تقدّمت به حركة النّهضة وسائر الأحزاب التي حظيت بالفوز في الانتخابات ووقعت قبول مشاركتها في تشكيل الحكومة. ولنسمّ هذا المصلحة الحزبيّة. من البداهة أن يكون اليسار التّونسي واقعيّا في عدم تفويت فرصتيْن تاريخيّتيْن الأولى للإصلاح والمراجعة والنّقد الذّاتي والثّانية للتّفاعل والمشاركة الحقيقيّة على قاعدة مراعاة المصلحة الوطنيّة.

كيف تتمّ دعوة اليسار إلى تحقيق هذه الغاية؟

من الواضح أنّ أزمة التّواصل بين حركة النّهضة وسائر الأحزاب الإسلاميّة من جهة واليسار التّونسي بكامل أطيافه وإن بدرجات متفاوتة، من جهة أخرى، هي أزمة تباين في الأسس الفكريّة. ولكنّ الوجه الأغلب على الأزمة في مرحلتها الرّاهنة هو المظهر النّفسي، عنينا انتشاء الفائز في مقابل إحباط المنهزم. ولا بدّ من أنْ تكون هنالك خطّة مدروسة بعناية لبناء ثقة مبدئيّا واستدراج اليسار إلى الحوار البنّاء. وفي اعتقادنا أنّ المرحليّة والمنهجيّة هما دعامتا التّفكير في هذا المضمار.

1- تفكيك أطروحة اليسار من خلال تبنّيها افتراضا.

أسفرت النّتائج الجزئيّة للانتخابات عن ردود فعل محبطة متشائمة من جانب بعض أطياف اليسار التّونسي ذهبت إلى حدّ اتّهام الشّعب في درجة وعيه. وهذا يجب أن يكون في تقديرنا أساس الدّعوة إلى الحوار بإعلان الاستعداد للتّحقيق في موضوعيّة هذا الاتّهام على قاعدة النّقاش الفكري العلني والنّزيه. وينبغي على حركة النّهضة وشركائها السّياسيّين أن يجاهروا بهذه الدّعوة وبصورة مكثّفة عبر وسائل الإعلام والقنوات الحزبيّة التّابعة لهم. هنا سيجد الطّرف الآخر نفسه في سياق الحوار دفاعا عن موقفه أو تفسيرا له بما لا يجعله في موقع الإساءة إلى الإرادة الشّعبيّة. وربّما برزت إحراجات أخرى تُجابه بها حركة النّهضة مثل توظيف المساجد في الدّعاية. وهو تبرير يفنّدهُ فوز حزب المؤتمر من أجل الجمهوريّة وحزب التّكتّل.

2- التّوسيط الحيادي

مراعاة لانسداد آفاق الحوار والتّواصل في المنظور القريب بين بعض أطياف اليسار وحركة النّهضة على الأساسيّن المبدئيّ الفكريّ والنّفسيّ معا، فإنّه من الصّواب توسيط أطراف مستقلّة من الوسط ومن الشّخصيّات المستقلّة المعتدلة اليساريّة أو القريبة من اليسار مثل السيّد مختار اليحياوي والسيّد جلبار نقّاش وأمّ زياد وآخرين وحتّى شخصيّات ذات ثقل تاريخي كأحمد المستيري وأحمد بن صالح في الدّعوة إلى الحوار بل في الحوار نفسه.

3- عرض الشّراكة

يجب تأسيس بادرة بناء الثّقة على قاعدة الرّغبة الحقيقيّة في تشريك اليسار في تشكيل الحكومة ودعوته إلى إعداد مشروع دستور لتمثيل جزء هامّ من الطّيف السّياسي التّونسي وعكس توجّهاته ورؤيته لدستور سيحتكم إليه كافّة أبناء الشّعب التّونسي بمختلف حساسياتهم وانتماءاتهم مع إعطاء ضمانات بالتّعامل مع هذا المشروع بكامل الجديّة والأخذ بالبنود التي تحظى بوفاق داخل المجلس الوطني التّأسيسي.

4- الإشهاد الشّعبي

بعد الإيفاء بمطلب علنيّة جلسات عمل المجلس الوطني التّأسيسي ضمانا للشّفافيّة، وضمانا لحقّ مختلف الأطراف السّياسيّة غير الممثّلة في التّفاعل مع سير أعماله، يسمح اتّباع هذه المراحل الثّلاث سابقة الذّكر بخلق حوار داخل اليسار نفسه متراوحة بين القبول والرّفض. ولكنّ المكسب الحقيقي من هذه البادرة هو توفير ارتياح وبعث رسائل مطمئنة للمتابع في الدّاخل والخارج وخصوصا المتسثمرين من معانيها انفتاح الأطراف المعنيّة بتشكيل الحكومة واتّصافها بالمرونة في الموقف. ودون هذا سيتسرّب الإحساس بعبثيّة الحراك السّياسي وعطالته. وهو ما لا يصبّ في صالح إنجاح الاستحقاقات المقبلة بحسب ما سيسفر عنه شكل الحكم الذي سيحدّده الدّستور الجديد. بل إنّ توخّي هذه البادرة، في نظرنا، سيكون بمثابة إشهاد للشّعب على صدق نوايا الأطراف الفائزة في تأسيس ديمقراطيّة تشاركيّة حقيقيّة.