هكذا إذا حفظت محكمة التعقيب ماء وجهها ولم تقم _ اليوم على الأقل _ بإهانة الحرية في تونس باسم الفضيلة ورعاية حقوق الله، وإلا لكان ذلك من باب دوس كرامة المسلم في أعز ما له، ألا وهي حريته، إذ هي أس عبوديته لله، عبودية إنسان طليق، لا عبودية مملوك لا حول له ولا قوة!

ولكن وإن قالت أعلى محكمة بالبلاد كلمتها في موضوع حرية الشبكة المعلوماتية بأن لم تقيدها لا محالة، فهي ولا شك لم تطلقها صراحة، إذ كان بإمكانها الاكتفاء بنقض الحكم دون إعادة القضية أمام محكمة الإستئناف بتركيبة أخرى تترك المجال مفتوحا لإعادة الأمور إلى نصابها؛ فأليس في هذا ما يكفي لأن نقول أن القناع سقط عن وجه النهضة أو أن حليمة عادت إلى عادتها القديمة؟

إذ لا شك أن قرار محمكة التعقيب، مهما قيل وسيقال عن حرية القضاء، هو سياسي الأبعاد قبل كل شيء، وهو _ إذا لم يقع تدارك الأمور حالا بأمر أو مرسوم يؤكد، مما لا يترك أي مجال للتلاعب بها، حرية الأنترنت وحق المواطن فيها _ نذير شؤم لمستقبل استحقاقات الثورة ولمفهوم الإسلام التونسي كإسلام تسامح قبل كل شيء! ذلك لأن هذا القرار، ما دام لم يستغل الفرصة المتاحة له للتأكيد على حرية المواطن التونسي في ارتياد شبكة الأنترنت وحقه المطلق في ذلك، ليس هدفه إلا ربح الوقت وتهدئة الخواطر لحين تسنح فرصة أفضل لاغتيال هذه الحرية، هذا المكسب الكبار من مكاسب ثورة الشعب التونسي.

لئن جاء هذا القرار بردا على حمى كل من أهمه مستقبل الحريات بتونس، فلم يكن سلاما عليها لأنه لا يحمي بما فيه الكفاية هذه الحريات من بنات الدهر، وهي كثيرة، في زحام المخاطر المحيطة بثورة الشعب التونسي. فبالإضافة إلى ما لاحظناه آنفا من أن القرار قضى بالإحالة بينما كان بإمكانه الإكتفاء بنقض الحكم المعقب عليه، فليس لنا بعد حيثياته التي من شأنها أن تنيرنا على مرجعيته. وليس من المستغرب أن عدم إذاعتها إلى الآن يؤشر على أنها ليست بحق في صالح حرية الأنترنت بتونس.

لذا، فإنه ليس من التسرع التساؤل من الآن عن حقيقة أمر قرار محكمة التعقيب هذا، أليس هو، بالنظر للجو المحتقن حاليا بالبلاد، من باب التسويف لا غير؟ وإن كان الأمر كذلك، فلا شك أنه من أخطر الأشياء إذ يؤكد تخوفات كل من يقول بأن النهضة هي حزب مراء وأن سياستها لا تقل خداعا عن سياسة غيرها. إلا أني _ حاليا على الأقل _ لا أقبل بمثل هذا الحكم المتسرع ولا أرى تصديقه. فأنا لا أحكم إلا على الأفعال، وضمان حرية الأنترنت بتونس من أفضل المواضيع للتدليل بالفعل على حسن النوايا.

لذا أرى لزاما عليّ التوجه لسادة النهضة لتذكيرهم بالتزاماتهم بإرساء ديمقراطية حقة بتونس. واعتمادا على منهج من المناهج المعمول بها في علم الاجتماع، لا أتردد في أن أهيب بهم بأن أقول : فلتهدم النهضة ما تبقى في نفسها من أصنام الطغيان، وما هو إلا طاغوت اليوم، لتبقى حقا ذاك الأمل الذي نحلم به لتونس، أمل غد أفضل تتناغم فيه الحريات، كل الحريات، مع أفضل ما في الأخلاقيات والآداب الإسلامية من تسامح ومحبة وحلم دون تغطرس ولا استبداد برأي! أليس الله يقول : {إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء }[القصص 56]؟

طبعا، عندما نورد هذا، فنحن لا نعني البتة الاستسلام للأمر الواقع، وترك الأمور على ما هي عليه، والنهضة ككل حزب سياسي جاءت ببرنامج ومن حقها العمل على تنفيذه بحذافيره وقد صوت عليه الشعب بأغلبيته. ولكن، لا غرو أن ليس في برنامج النهضة صراحة ما من شأنه التقليل من الحريات بتونس، بل هو يدعو (أو ربما يدّعي فقط، كما يؤكد البعض) إلى دعمها وترسيخها بالمجتمع التونسي. ولا شك أن تقزيم الشعب بالتقليل من حرياته ليس هو إلا اغتصابه في أعز ما يملكه : حريته!

. من المفيد التذكير بأن الهداية نوعان في الإسلام. فإلى جانب الأولى المشار إليها بالآية المذكورة، وهي هداية التوفيق للعمل وخلق الإيمان في القلب، التي هي من خاصيات الله وحده فلا يملكها غيره، هناك هداية الإرشاد والدلالة والبيان، وهذه هي التي بإمكان النهضة العمل بها ومن واجبها أيضا، بل ومن واجب كل مسلم مِـنّا جميعا! ولكن كيف يكون ذلك في مجتمعنا الذي نريده ديمقراطيا؟ هل يكون بالتسلط والتجبر مع انعدام كل حرية؟ أم يكون بالدعوة المسالمة والإجتهاد الفكري والتبيين العقلي والتربية المتسامحة، فنقوم بما أوجب الله علينا مع سؤاله دوما إصلاح نيتنا وتقويم أغلاطنا، كل ذلك في جو من الحرية التامة حتى تكون الموعظة بحق حسنة والإيمان بالله عن قناعة لأنه يأتي عن خيار حر، لا عن قهر وانعدام مسؤولية؟ فهل نريد لتونس إسلام قصّر لا مآخذ عليهم، أم نريده إسلام وعي ومسؤولية، إسلام الإنسان الراشد الذي حُمّل الأمانة لما فيه من عقل ورجاحة فكر يمكنانه من التوصل لوحده، دون وصاية أحد، للتفريق بين الحق والباطل، بين الصالح والطالح؟ الإجابة لا يتمارى فيها أحد راجح الفكر صادق النية؛ وبديهي أن ذلك لا يتوفر إلا في جو من الحرية التامة بلا قيود.

إن تربية الناشئة وحمايتها لهو من دورالأمهات والآباءأساسا، ولهم في ذلك ما يكفي من الآليات لدفع الأخطار التي يمكن أن تأتي عن طريق الأنترنت؛ مع الإشارة إلى أن هذه المخاطر ليست أكثر ولا أقل من أي خطر يتهدد الشبيبة يوميا من حوادث طريق أو شجار بين أبناء الحي أو تسلط صعلوك، وما إلى ذلك من مستجدات الحياة اليومية. فهل نحبس شبابنا بالبيوت ونمنعه من الخروج إلى الشارع حفاظا على سلامته؟

نعم، إن من مهام الدولة السهر على رعاية الناشئة وضمان مستقبلها، ولكن لا يكون ذلك بتقييد حريتها، بل بتمكينها من مقومات ذاتيتها، بالعودة مثلا إلى تدريس القرآن كأفضل مدخل للعربية حتى نمكّن الطفل من آلياته الذهنية الأساسية وهي أساسا القدرة على إستعمال لغته. على أن لا تكون تلك الدراسة من باب الدعوى الدينية المحضة، وإنما من الزاوية الثقافية للإسلام، فلا نقتصر على توجه ديني معين، فنعود إلى أفضل التفاسير للقرآن وأشمل الدراسات لعلومه، وقد ترك لنا السلف ما يندى له الجبين لعدم معرفة قيمته العلمية وتقدير حريته الفكرية والانتفاع بثرائه اللغوي والحضاري.

لذا، فأنا أرددها صراحة للإخوة في حركة النهضة وقد جمعتنا نظرة موضوعية للإسلام (أو هكذا كنت ولا زلت أعتقد) : عليكم، يا سادة النهضة، عدم ممارسة الحكم كما مارسه غيركم ممن اضطهدكم ونكل بكم، وإلا ستكون ممارستكم له من باب التشفي، ولن تدوم طويلا، لأن الشعب الذي صوت لكم اليوم لن يمنحكم الثقة مجددا، كما لن تقدروا على تكبيل رغبته في الانعتاق وتوق الحرية!

فلتكونوا دعاة ثورة روحية ترتكر على الحرية لا دعاة عودة إلى الوراء تفرز الفتنة وهي أشد من القتل. ولا غرو أن االفتة الكبرى اليوم هي فتنة التفريق بين مؤمني الدين الواحد أكثر منها الفرقة بين أبناء الشعب الواحد؛ فالتفرقة الأولى إجتماعية حضارية، وهذه سياسية؛ وإذا كانت الفرقة السياسية محبذة لما في تعدد الآراء من ثراء، فلا شك أن التفرقة بين أبناء دين واحد إلى متزمت ومتحرر، مع تسلط أحدهم على الآخر وقهره، لهو نسف لمستقبل الدين في هذه البلاد حيث نشأ حرا متسامحا لا فرقة بين معتنقيه ولا تفرقة.

فمن أوكد الواجبات اليوم أن لا يقع الخلط بين الدين والتوظيف السياسي كما حصل مع قناة نسمة في وقت غير بعيد إذ وظف الشعور الديني الساذج للتنديد بتصرف سياسي ألا وهو ركوب الثورة من طرف تلك القناة. فإن كان المنطلق من الصحة بمكان، فلم يكن التصرف كذلك. ولا يجب اليوم الخلط بين الدين والتوظيف الأخلاقي بادعاء حماية الناشئة من مخاطر الأنترنت بإعادة الرقابة على الشبكة لأن هناك وسائل عديدة ومتنوعة غير الرقابة لحماية الناشئة دون خنق الحريات، كما سبق تبيينه.

يقول الشيخ راشد الغنوشي في كتابه الأخير، بعد التأكيد على أن حزب النهضة تطور حثيثا لاستيعاب مستجدات الحداثة، أن هذا التطور «انضبط بحدود.. ما يطيقه منهج تفسير النص الإسلامي الذي تواطأ عليه المسلمون وخلاصته بأن التطور ينبغي أن يتم في إطار المعلوم من الدين بالضرورة، فما هو ثابت نصا يقينا، ما هو يقيني في مورده واضح معناه من النصوص لا نملك إلا التسليم.. يمكن أن لا نطبق بعضه الآن لأن ظروف التطبيق غير متوفرة، ولكننا لا نستطيع أن نحوّله عن اتجاهه.»

عندما يقول ذلك يحق لنا أن نتساءل : أين سلطة إعمال العقل إذا؟ وأين كونية الإسلام إذا تمسك بنمط من الحياة كما كانت في عهد الرسول؟ ألسنا بذلك نحاكي المسيحية في تأليه نبينا الذي يبقى إنسانا قبل كل شيء، فنأخذ بسنته حتى تلك التي كانت لا تخص إلا عهده؟ ألسنا نحاكي اليهودية في إزالة الرحمة عن الله، وهي أخص خاصياته، بإن نجعله يحكم حكما ليس فيه الصلاح والفائدة إلا لفترة وزمان؟ كيف ندّعي الإسلام إذا وديننا، كل ديننا، يدعونا إلى إعمال العقل وإلى العدل والإنصاف والتسامح، فيكتفي من المؤمن _ رغم أنف الجميع _ بالإقرار بتوحيد الله دون العمل بسائر الشعائر لكبير رحمته وسعة غفرانه؟

إنه من المتأكد اليوم إعادة النظر شموليا في معتقداتنا وجزئيا في مفهومنا للوحي ولقدسيته. فليس المقدس ما هو غير قابل للنمو والتطور، وهي سنة الله في حياة البشر، والوحي كلام الله للبشر، لأنه إذا كان كذلك أصبح صنما يعبد، وقد جاء الإسلام فأزال الأصنام. ولكن، يا ترى، هل أزال حقا كل الأصنام؟ ألم نحتفظ بداخل أنفسنا بأصنام خفية أو سرية؟

إن إقامة الوحي كنص لا يحق لنا المساس ببعضه، حتى وإن كان ذلك تطبيقا لنص آخر صريح يؤكد على ضرورة الأخذ بمقاصد الشريعة، لهو من باب عبادة الأصنام، وإن كانت معنوية، ولا عجب أن تكون كذلك في عصر المعلوماتية والافتراضية!

ولتقريب المعني الذي نبتغيه، لنذكّر بتعريف ما هو مقدس! ولنبدأ بتفسير عكسي بأن نقول أن المقدس ليس ذاك الشيء المحنط، الذي لا روح به، وإلا كان صنما لا ينفع ولايضر!

إن المقدس في لسان العرب هو المنزه عن العيوب والمطهّر من النقائص. أما أن نصرف التقديس كما يفعله اليوم كل من أخذ بحرفية النص فذلك من باب تقديس الأصنام، إذ يجعل من نص حرفي صنما له عوض المرور إلى روحه. إنه في تصرفه كذلك كمن لا يقبل بموت عزيز عليه ويحتفظ بجيفته، وقد عشنا ذلك حقا على أعلى المستوى السياسي الإسلامي!

إن السلفية اليوم وكل من يتمسك بالقدسية الحرفية للوحي بدعوى احترام قدسيته لهو في تصرفه هذا كالخليفة يزيد ابن عبد الملك مع جاريته حبابة رافضا دفنها ثلاث ليال طوال قبل أن يموت وجدا عليها بعد أربعين ليلة من فراقها.

نعم، هناك من يشكك في صدق مثل هذه الرواية ويرى أنها من دس الخصوم السياسيين؛ ولكن ليس ذلك بالمهم، إذ يبقى مغزى القصة في ضرورة الأخذ بالواقع المعاش والقبول به حتى وإن كانت الرغبة شديدة في تغييره. فلا صلاح في تغيير يعارض الطبيعة البشرية! وبما أن في هذه الطبيعة أساسا خاصية النقص والقابلية الدائمة للتطور، فليس من تقديس الله في شيء زعم أنه قرر في نصه الواضح الصريح الحكم الأمثل الصالح لكل زمان ومكان في حرفه وظاهره، وقد علّم الإنسان، باستعماله للنسخ، نسبية الأمور في ما يخص الحياة الدنيا. فالأزلية الحقة لهذا النص لا تكمن لما ظهر منه، إذ ما ظهر لا يعدو أن يكون تأقلما لوضع راهن وحالة خاصة، بل في مقصده، وهذا المقصد مداره المصلحة العامة المؤسسة علي علمية النص وكونيته، إذ هما العنصران الأساسيان في الدين الإسلامي.

لقد حذر رسول الإسلام من يوم يعود فيه الدين الحنيف إلى ما كان عليه في بدايته، غريبا وحيدا؛ فهل نبتغي التعجيل بذلك اليوم بالعمل على ما يبتغيه أعداء الإسلام من تضييق الخناق عليه؟ إننا، وإن لم نشعر بذلك، نعمل في صالحهم بجعل ديننا مجرد شعائر وطقوس وعادات عوض استرجاع ما وصل إليه من علو كعب في الحضارة والثقافة مع الحفاظ على أعلى قدسياته، وخاصة روحة الثورية الأزلية. ولا غرو أن ذلك لا يكون إلا بالانفتاح على الغير والأخذ بكل ما في الإسلام من نزعة ثقافية تنهل من دعوته الملحة لإعمال العقل في كل شيء والتأقلم مع كل ما في الكون من مآرب ومشارب.

فالإسلام أولا وقبل كل شيء إيمان، وهو أعلى درجة من مجرد الإسلام، أي الإسلام الشعائري. إن الإسلام هو الحنيفية السمحة، إنه خاتم الأديان أي العهد الأخير، ولا مجال لأن يكون بحق كذلك إذا واصلنا رفض المسيحية واليهودية كما هما عليه اليوم.

إن الحنيفية الحقة تقتضي الأخذ بعهود الله الثلاثة، تحترم اليهودية كما يعتقد بها أهلها، وتحترم المسيحية كما يتعاطاها أهلها، لأن الحنيفية لمن الرحابة والسماحة بمكان، لا غلو فيها ولا شطط ولا إقصاء.

ولكن بما أنها أيضا إسلام، أي العهد الثالث والأخير، عهد الله الذي أتى مصححا ومؤكدا لما سبقه، فهي تبين ذلك في الإسلام بمعناه الديني العادي، لرفع اللبس والأخذ بما صح ولم يحرف.

غير أن علمية الإسلام وكونيته بمعناه الحنيفي تقتضي اليوم من كل مسلم أن يكون أولا مؤمنا فيحترم كل دين ويرعى بكل صدق وأخلاص حرمة النفس البشرية وحريتها. فبذلك يكون المسلم بحق مسلما!

فهل أنتم اليوم عازمون حقا، يا سادة النهضة وقد اعتليتم سدة الحكم وتوفرت لكم الآليات اللازمة للعمل المفيد للصالح العام، على البرهنة، كما يؤكد الشيخ راشد الغنوشي أن النهضة «ليست حركة دينية تنصّب سلطة فوقية على الناس، لا تجعل من نفسها مؤسسة فتوى»؟ هل أنتم مستعدون للبرهنة حقا أن حزبكم تغير بما فيه الكفاية بالدخول «في علاقة جديدة مع الواقع ومع الناس ومع العالم ومع السلطة»، أم أنتم غير مهييئين بعد لذلك تماما كما لم تكونوا مهيئين التهيأ الكامل لنقلة داخلية سبقت عندما نجحتم في التخلص من عقلية الهيمنة على الواقع ؟

فأنتم تعترفون على لسان منظركم، وهذا يُحسب لكم، بأن «الحركة الإسلامية… دخلت بقوة كأن ليس في البلد إسلام سابق، وكأنها فاتح جديد يريد أن يعيد تشكيل الإسلام في تونس تشكيلا كاملا. ثم تبين بعد ذلك أن هنالك تراثا إسلاميا في تونس». كما تبين لكم خاصة أن «للمجتمع كلمته ورد فعله وأنه ليس عجينة طيّعة، وأن الشعب التونسي الذي يبدو مائعا ليّنا، في الحقيقة له ثوابت، وَهِمَ بورقيبة عندما غرّته شعبيته وزعامته أنه يمكن أن يشكل بكل حرية، أن يعيد تشكيل هذا الشعب. ولكن لما سقط بورقيبة بعد أكثر من نصف قرن من معاشرته للمجتمع التونسي لم تبكه عين…»

إن شعبية النهضة اليوم ليست بالقدر الذي كانت عليه شعبية بورقيبة، ولكنها لو تجاهلت تعهداتها العلنية فتغاضت عن الروح الحقيقية للتونسي، تلك النزعة لأن يكون أبدا طلقا كطيف النسيم وحرا كنور الضحى في ربى بلده، كما قاله شاعره الفذ، فلسوف ترى التاريخ يعيد نفسه على حسابها وبقدر اغترارها.

ولا شك أن أول خطوة على النهضة القيام بها، وهي ولا شك ثورتها العقلية، تتمثل في الاقتناع بإن مفهوم القدسية كما هو معمول به اليوم غريب عن الإسلام، فهذا المفهوم الذي يرى في المقدس كل ما هو محرم لمسه أو تغييره لهو من رواسب اليهودية والمسيحية التي تغلغلت في ديننا حيث نجد في هاتين العقيدتين الفصل التام بين ما هو دين وما هو دنيا. أما في الإسلام، فلا فرق بين الإثنين إذ المسلم يعمل لدينه كأنه في النزع الأخير ويعمل لآخرته كأنه أزلي الحياة.

إن المفهوم الصحيح للمقدس هو ما يفرض الإحترام والمحبة لنبله وطهارته، وذلك لا يكون إلا لقيم ذات بعد إنساني ليس لأي أحد أن يشك في نبلها، وهي قيم الإسلام. فكيف نتعلق بقيم هي اليوم معرة للإسلام لدعوى أن الإسلام جاء بها، بينما لم يأت بها الإسلام إلا لكونها في ذلك الوقت بحق ثورة كاسحة على العقلية الإجتماعية السائدة آنذاك؟ إن تصرفنا على هذا المنوال لهو التصرف الأخرق بامتياز، تصرف الحمقى والنوكى الذين يعملون قي صالح ألد أعدائهم.

وبعد، إن الإسلام رسالة حب وسلام، لا يعترف بعدو إلا إذا فرض العدو عداوته فأوجب على المسلم الدفاع عن نفسه. فرسالة الحب الإسلامية اليوم هي العودة إلى منابع الإسلام الحقة التي إذا أردنا تلخيصها في مبدإ واحد فهو إحترام الغير، احترام الآخر، كل آخر في كامل خاصياته، سواء أكانت سياسية أو دينية أو عرقية أو جنسية، أو ما إلى ذلك، فقط لأن الإسلام على حقيقته هو احترام الذات الإنسانية، فلا إسلام إلا والإنسان حر، كامل الحرية، لا يدين بالخضوع إلا لخالقه الأوحد، إذ علاقته معه مباشرة، ولله وحده أن ينظر في ما كان صالحا منه في حياته وما آتاه فيها من طالح. أما كل ما عدا ذلك، فليس من الإيمان الحق، ولا نقول كفرا لأننا نحترم كل الآراء والمشارب والإعتقادات وإن نددنا بها ورفضناها باسم حرية الرأي.

يقول الشيخ راشد الغنوشي وهو يروي خاصية تونس ما قبل الثورة : «الآخر هو الجحيم. الآخر معدوم… هذا الثالث المرفوع الذي يسمى في المنطق .. الثالث المرفوع في تونس هو الآخر، هو من يرفع صوته بالمعارضة أو يتوهم منه ذلك، لذلك تاريخ النظام التونسي الحديث هو تاريخ القمع…».

فلتؤكد النهضة اليوم، وقد منحها الشعب ثقته، أنها بحق جديرة بهذه الثقة التي ليست في ماهية النهضة كحزب واتجاه بقدر ما هي في الرغبة الحقة والثقة في ضرورة القطع بالتأكيد مع ماضي القمع لما بيّنه التاريخ من صدق نضالها ضد ذلك القمع. وليكن ذلك بأن يُرفع حقا هذا الثالث! لتكن للآخر في هذه البلاد _ حقيقة _ كل حقوقه، سواء أكان هذا الآخر ذكرا أو أنثى، مسلما غير مقيم للشعائر أو غير مسلم، متدين بدين أو بلا دين، مساحقا أو مثليا، مداوما على المواقع الإباحية على شبكة الأنترنت أو مناضلا على مواقعها الدينية، ما دامت تصرفاته شخصية لا تخص إلا حياته الذاتية.

فلنكفر التكفير! لأن التكفير كفر لما فيه من عنجهية في الإنسان تجعله، كما يقع في أديان أخرى، يبتغي الربوبية في بني بجدته فيأمر وينهى ويرضى ويغضب، وليس ذاك إلا لله وحده، يفعل ما يشاء ولا راد لحكمه، فكيف نستبق حكمه ونقيده بتأويلاتنا ونحن نعترف في نفس الوقت بقصور العقل في أمور الدين فنتجاهل الأمر باستعماله وقد أكد الله عليه مبيّنا الطريق والوسيلة إليه! أليس ذلك منا عين التهافت؟