يعتزم الدكتور مراد رقية وهو أستاذ مساعد بقسم التاريخ بكلية الآداب بسوسة الدخول في إضراب جوع ابتداء من يوم 07 جوان 2012 ولقد قرر الدكتور  رقية الدخول في هذا الإضراب احتجاجا على ما سماه “تعسف وعدم شفافية لجان الانتداب والارتقاء الجامعي قبل وخاصة بعد14جانفي2012 و ضد القرارات الموجهة لتصفية الضمائر الحرة غير القابلة للشراء والتدجين”. و قبل أن أعلق على ما ورد على لسان الدكتور رقية لا بد من التمعن في الملابسات الحاصلة التي تجعل من أستاذ جامعي وباحث على أبواب التقاعد مقدماً على إضراب جوع.

إن الأستاذ مراد رقية لم يكن يوماً من الصامتين ولم ينفك في عديد من المقالات قبل وبعد 14 جانفي عن الكتابة في التجاوزات الحاصلة بالجامعة التونسية وكان دائماً في تدويناته رافضاً  داءً عضالاً ينخر الجامعة وهو داء المحسوبية المبني على الولاءات على حساب الكفاءة والمعرفة فكلنا يعرف أن الجامعة التونسية وقع ارتهانها منذ نهاية السبعينات من قبل النظام وذلك بإقحام بعض الجامعيين في سياسات الدولة التونسية وكان الهدف من ذلك تكوين نواة من الطامعين في السلطة والمناصب هدفها دعم ضحالة وزراء الدكتاتورية وبناء محضنة في صلب الجامعة لتفريخ جيل من الجامعيين لا يمكن أن يرتقي في أغلب الحالات إلا على أساس مدى انصياعه ومباركته ودعمه كل ما ينبثق عمن اعتبروا أنفسهم  أوصياء عن الجامعة. ورفعاً لكل تأويل فأنا لا أضع الجميع في نفس الخانة فهنالك اساتذة اكفاء في جميع الميادين حاولوا  بكل الطرق الحفاظ على الموضوعية العلمية في دراسة ملفات التأهيل وأنا شخصياً أنزه هؤلاء ولكن كما يقول مثلنا الشعبي التونسي “إلي يسرق يغلب إلي يحاحي” ذلك أنه في حالات كثيرة وقع إهداء ملفات التأهيل لزملاء لم يقدموا الكثير علمياً بل على أساس انتماءات حزبية أو إنبطاحات سياسوية جعلتهم ينالون  رضى و مباركة من درس ملفاتهم و لا فائدة من ذكر الأسماء فأبناء الجامعة من مدرسين هم على علم بذلك و “أهل مكة أدرى بشعابها”. كما انني لا أنفي أن هنالك العديد من الجامعيين ممن نالوا شهائد التأهيل عن جدارة وبكل استحقاق.

ولنرجع إلى ملابسات ملف الدكتور مراد رقية ومن حق أي جامعي أن يرفع هذه الأسئلة دون التطفل أو التدخل في استقلالية لجنة التأهيل و ما يمكن أن ينبثق عنها:

1- لماذا يرأس لجنة التأهيل بقسم التاريخ عميد كلية الآداب بسوسة وهو في اختصاص العربية و ليس التاريخ؟
2- لماذا لا تكون رئاسة اللجنة لأستاذ من قسم التاريخ؟
3- لماذا وقع تعيين وللمرة الثانية, ومع كل احترامي لكل الأساتذة, نفس المقرر الذي رفض في السنة التي سبقت ملف الدكتور رقية؟
4- لماذا يقع تغيير أسماء لجنة بالكامل في ملف آخر ولم تقع المعاملة بالمثل بالنسبة لملف الدكتور رقية؟
4- لماذا وعند حصول الدكتور رقية على تقرير إيجابي وآخر سلبي وقع اعتماد مقرر ثالث من نفس وحدة البحث التي ينتمي إليها صاحب التقرير السلبي؟
5- هل يستطيع كل أهل الاختصاص نفي الحصول على شهادة التأهيل في السابق لزملاء ذوو ملفات مصداقيتها قابلة للنقاش بل وبعض شروط قبولها غير متوفرة؟
6- هل يعامل كل المتقدمين لشهادة التأهيل على قدم المساواة؟
7- هل تخرج المعرفة منتصرة عندما تلفظ الجامعة أستاذاً للتقاعد وهو منكسر ومهزوم؟

إضافة لكل هذه الأسئلة فلا بد أن يعلم الجميع أن الأستاذ رقية كان من جملة ال-76% من اساتذة كلية الآداب بسوسة الذين قاطعوا المنشور عدد 29 المتعلق بانتخابات العمداء ورؤساء الجامعات هذا المنشور الذي يعتمد مبدأ الانتخاب غير المباشر مغيباً بذلك أكثر من 75% من أصوات الجامعيين في انتخابات المجلس العلمي هذا إلى جانب انخراط الدكتور رقية في نقابة إتحاد الأساتذة الجامعيين الباحثين التونسيين “إجابة” التي ترفض رفضاً قاطعاً هذا المنشور وكل ما انبثق عنه من مجالس علمية صورية خاصة في المؤسسات التي كانت المقاطعة فيها بنسبة الأغلبية.

و كتعليق لما ورد على لسان الأستاذ رقية فإن المسألة تتعدى الأسماء وتتعدى المقامات بل وإن الأشخاص والمقامات محفوظة والدكتور رقية صاحب القلم الجريء قادر على الدفاع عن نفسه رغم خشيتي أن دخوله في إضراب جوع وهو على عتبة التقاعد يشكل خطراً على سلامته الجسدية فإن ما دفعني إلى كتابة هذا المقال مسائل مبدئية ذات علاقة بمنظومة كاملة تكرس فيها ثقافة الغنيمة على حساب مقاييس علمية المعيارية  ديدنها والموضوعية منهجها.  أما آن الأوان لانتخاب جميع اللجان المهتمة بالانتداب والترقية؟ أما آن الأوان لتحديد مقاييس علمية موضوعية غير قابلة للنقاش تخص هذه اللجان ونشر نتائج اعمالها مما ينفي أية شكوك حول المصداقية العلمية في دراسة هذه الملفات وذلك في كل المجالات ؟ أما آن الأوان للنظر بكل جدية في مشاكل التعليم العالي وتشخيص العلل واسبابها لاقتراح حلول موضوعية؟ ما سبب هذه التفرقة بين الجامعيين وكيف يمكن معالجة ذلك؟

إن الجامعة التونسية تعيش اليوم مرحلة مفصلية يتحتم فيها على كل من يرنو إلى القطع مع الممارسات الماضية إلى التنظم لمجابهة عقلية التبعية وثقافة الغنيمة والمصلحة الذاتية وشخصنة الاختلاف وإعتماد السياسوية. لا بد من النضال لأجل جامعة هياكلها ديمقراطية شعارها  الكفاءة ومناهجها علمية وموضوعية فقد  آن الأوان لإرجاع هيبة الجامعي مفكرا وناقدا مستقلا منعتقا و فاعلا. حان الوقت لأن تتحول جامعتنا  إلى مجتمع معرفي بأتم معنى الكلمة, و إن تحقيق كل الإصلاحات المقترحة والحصول على كل الامتيازات المطروحة يمر  أساسا عبر الإيمان الحقيقي بمستقبل أفضل للجامعة التونسية وبالانخراط في النضال الفعلي خاصة مع تمترس العديد من رموز النظام البائد والمتمعشين من المنظومة السابقة الذين يرفضون كل إصلاح جذري ويعملون على إنتاج نفس المنظومة من خلال محاولات إصلاح محاورها مقررة مسبقا وتركيبتها إقصائية ولا تمثل كل الجامعيين.

زياد بن عمر

المنسق العام المساعد لإتحاد الأساتذة الجامعيين الباحثين التونسيين “إجابة”