تواترت الأنباء عن عزم أغلبية اللجنة المختصة بالمجلس التأسيسي اعتماد نص يجرم الاعتداء على المقدسات. ولعمري إنها لقاصمة الظهر!

فكيف، باسم الإسلام الذي نريده دين التسامح وخاتم الأديان كلها، نتجاسر على مثل هذا النص الذي يجعل منه ذلك الدين الضعيف الخائف على نفسه من النقد والانتقاد، فيمنعهما، بل ويجرمهما؟ هل ديننا من قوارير؟ هل هو بهذا الضعف حتى يهاب النقد؟ أهو قاصر فيجب حمايته كما نحمي القصر مما من شأنه أن يسيء إلى نموهم؟ أم هل القصر في أصحابه، يُحصرون أمام أي رأي ولا يقدرون على مجابهته بالرأي المخالف، فيعمدون لمنعه فيستريحون من عناء التفكير والرد؟ أجيبوني إن كنتم تقدسون حقا هذا الدين، وهو خاتم الأديان لفهمه الإنسان وسعيه بمقاصده لمصلحته، حتى أنه رفع من شأن العقل الإنساني وحريته فأكد أن لمشيئته القدرة على نيل ما وراء العرش!

لقد كنت ولا زلت أعتقد أن الدين الإسلامي لهو من القوة والسمو ما يجعله فوق كل كيد الكائدين وترهات النوكى؛ وها أن من يدعي معرفة الإسلام وتمثيله السياسي يُبين بتصرفه أنه لا يعتقد ذلك، فيسعى بكل الوسائل لحد الحريات، حتى تلك التي تضمن حق التعبير، وهي من الحريات التي جاء الإسلام بحمايتها بدون قيد ولا شرط!

فأي إسلام هذا الذي تدافعون عنه، يا أصحاب القرار بالمجلس التأسيسي؟ أهو إسلام الضعفاء أم إسلام الأقوياء الأمناء الحرصاء على رفعة الإنسان وهيبته في ربوع دين الحرية والإبداع والتسامح؟ إن الإسلام أقوى وأنبل من أن تضيره تصرفات أعدائه، فهل يستاء من آراء من يجتهد بحرية، أو حتى بعنجهية، من بين المؤمنين به الذين لهم في الأخذ بإسلامهم طرافة وتحرر، بل و حتى ظرف ومجون؟ فديننا، بإقراره للعلاقة المباشرة بين المؤمن وربه، يقر حرية المسلم في تحديد نمط إيمانه وتفصيل مظاهر إسلامه. بل هو يسمح له بالخطأ في الأخذ بدينه حتى يُعمل العقل والرأي ويتبين الغث من السمين والصحيح من الغالط ويسعى إلى المحجة الحنيفية عن روية وقناعة، لا عن جهل ووجل.

إنه لا إسلام دون إحكام العقل! لذلك يُعلي الإسلام من قدر من يجتهد، حتى إن أخطأ، على من لا يجتهد فيؤمن بالوراثة. لأنه يكون عندها على دين آبائه كما كان أهل الشرك؛ فأي فرق عندها بين المسلـم والمشرك؟ أجيبوني، سيداتي وسادتي، هل وصل الضعف بالإسلام إلى حد أنه يرتعد من أي رأي حر يخالف رأي الجماعة المسلمة فيعمد إلى منعه، وقد علمتم جيدا أن اختلاف الآراء، بل وتنوع المشارب والمآرب، من سنة الله وحكمته؟ إن سعيكم إلى تجريم ما تسمينوه الاعتداء على المقدسات الإسلامية لهو الإعتداء الصارخ على روح الإسلام السمحة ونزعته الإنسانية الكونية في أخذه بكل العلوم والفنون البشرية، لأنه دين الإنسانية قاطبة التي خلقت شعوبا وقبائل لتتعارف وتعيش بأمن وسلام تحت ظلال الإسلام الوارفة، ظلال الرحمة والمحبة. فلنعمل على أن تكون تونس تلك الربوع!

إنكم بسعيكم الحثيث لتشويه أغلى وأنبل ما في الإسلام من احترام للحريات كلها تعملون عمل اليهود في طمسهم، بواسطة قوانين غير عادلة تمنع كل بحث علمي في التاريخ، الحقيقة العلمية حول المحرقة المشهورة!

ففعلهم ذلك متأت من خوفهم أن تفتضح بعض الأمور التي لا تروقهم، حيث جعلوا من تلك الكارثة الإنسانية الحقة، التي يندد بها كل البشر، شبه أصل تجاري خاص باليهود، يخدم مصالح سياسية وأغراض إيديولوجية لا تمت بصلة بالأسباب والمسببات التاريخية. وإلا فما خوفهم من بحوث علمية يمكن القدح في نزاهتها إن لم تحترم القواعد العلمية؟ هل نحاكي إذا اليهود في ما يعملون من باب الخوف والضعف، وإسلامنا دين الحجة القوية ونور الله الذي لا يخبو لمجرد نفخة أو فسوة؟ اعلموا، أخواتي وإخواني، أن العلم النفساني والإجتماعي يؤكد اليوم على أن التحدي والإستهتار هو غالبا من باب التحريض والإهاجة وأن غاية صاحبهما وأعلى متعته تكمن في نجاحه في الإهاجة؛ بينما عدم الانتباه إلى مسعاه واحتقاره أسمى وأفضل ما يمكن الرد به على التحدي، إذ هو يغيظه فيرد كيده عليه.

فتمعنوا، من فضلكم، في ذلك قبل أن تشينوا إسلامنا السمح من باب الدفاع عنه. إن علو قدره وسمو رسالته لمن التسامي الذي لا يرتقي إليه أي عمل يريد الانتقاص منه. فهل يطال الجرذ السماء أم هل يضير الغائط السحاب؟ الله الله في دينكم ! أفيقوا، يرحمكم الله! إن الإسلام لا يخاف حرية الفنانين والشعراء؛ بل هو يشجعها ويرعاها، لأن روحه السامية أعلى من أن تدنس حتى من عمل أعدائه، فلا تشوبه شائبة من بني آدم الذي خلقه الله ناقصا.

انتبهوا إلى عاقبة ما تنوون، وتمعنوا في قول الحق، إذ يصح في إسلامنا قول شاعرنا المتنبي : إذا أتتك مذمتي من ناقص، فهي الشهادة لي بأني كامل !