كنت دعوت في مقال سابق للأخذ بعين الاعتبار ببعض المباديء التي أعتبرها هامة للدفاع عن المتهمين في ما سمي بقضية المهدية؛ فدعوت محاميهما بعدم قبول الوصف القانوني الحالي للقضية بل نسفه من الأساس وذلك باسم حرية التعبير وانعدام الحق في التكلم باسم الإسلام من طرف جماعة متزمتة تسيء للإسلام أكثر مما تنفعه.

فلا شك أن أغلبية المسلمين لا يرون رأيهم، كما لا يسير على نهجهم كل المسلمون الذين لهم نفس الحق في الكلام باسم الإسلام والدفاع عنه وعن قداسته؛ ولكن يميزهم عن غيرهم دفاعهم عن هذه القداسة الذي يرفض التوجه لمقاضاة الناس من أجل آرائهم حتى وإن كانت قاسية في نظر البعض.

وقد كتبت هذا المقال على عجالة لمحدودية أجل التعقيب، ولم أكن قد اطلعت بعد على كتاب «وهم الإسلام». وللحقيقة أقول أني أتجاهل عادة مثل هذه الأعمال لعدم استعدادي إهدار الوقت الثمين في ما ليس هو من الأهمية بحال، إذ لا تنعدم الأعمال القيمة للقراءة ولا يطول الوقت حتى لذلك.

إلا أن ما أحاط هذه القضية من لخبطة قضائية والإشهار الذي حضى به ذلك العمل من جراء مقاضاته الخرقاء، التي مكنته مما لم يكن يحلم به من الشهرة والصيت، جعل من الضروري العودة إليه للحكم عليه بكل موضوعية.

هذا وأنا أقر هنا باضطراري، من شدة تهافت النص، إلى عدم قراءته إلى نهايته بنفس التمعن الذي بدآته به؛ فللبلاهة حدود والقراءة المتمعنة تقتضي حدا أدنى من الجدية !

فلعل أول ما يلاحظ أن هذا العمل هو من باب العبث الصبياني أو الهذيان؛ وهو يمتاز بركاكة العربية والأخطاء الفاحشة اللغوية والنحوية وخاصة التاريخية. ومن هذه الأخيرة ما هو من باب المغالطة أو بالأحرى الجهل المدقع للمؤلف مثل تقديم عائشة، وهي ابنة أبي بكر، أختا له، أو ادعاء زواج الرسول بها في حياة خديجة بينما كان ذلك بعد وفاتها.

وللكاتب القول أنه تعمد ذلك مثلما خلط جوانب من الحياة العصرية مع مميزات ذلك الوقت؛ ولكن لعل كثرة مثل هذه الأخطاء تبين أنها من باب الجهل بالتاريخ الإسلامي أكثر منها من باب الفحش الهزلي. وهي أكبر الدليل على سوء نية المؤلف في التعامل مع التاريخ تحت قناع الهزل وهو من باب الانتقاد إلى حد التجني. فكان من الأجدر بصاحب المؤلف تذييله بأنه عمل نقدي وانتقادي لا هزلي كما يصرح بذلك.

ومما يؤكد الجهل الكامل عند الكاتب بوقائع التاريخ تعامله مع موضوع زواج الأطفال بعقلية اليوم وقد خفت عليه عادة زواج الصغار في ذلك الوقت، الشيء الذي لم يكن مقصورا على الجزيرة العربية، وعرف حتى في الإمبراطورية الرومانية.

ومما يلفت الانتباه أيضا أن صاحب الكتاب، رغم الأخطاء اللغوية والنحوية التي وقع فيها، لا يتورع في عمله التلفيقي على ادعاء وجود أخطاء نحوية في نص القرآن، وكان أولى به مطالعة بعض الشروح كشرح الطبري أو ابن عاشور للاطلاع على جلية الأمر وعدم ترديد ما جمعه من المزابل.

ولا داعى لذكر تعريضه هنا بما سماه هذيانا، فالشيء من مأتاه لا يستغرب، إذ يبقي كتابه قمة الهذيان في مسألة كانت تستحق منه الجدية حتى يكون نضاله من أجل الحريات جديرا بالإهتمام لا مسخرة تستعير من النضال لأجل الحرية مجرد القناع لتخفي فراغ جعبتها من أبسط قواعد العمل النزيه، لا الأخلاقية فقط، بل وأيضا في النقد الهادف والمنهجية في التحليل العلمي.

ولكن أنى لصاحبنا ذلك وقد صدر كتابه كصيحة غضب مكبوتة ضد أوضاع حاضرة، فجاء عملا يعد انتقاصا من الحريات لا ثراء لها؟
وبعد، إن هذا العمل وإن اختص الإسلام بهجمته، فبصفته كدين، إذ يتبنى المقولة الشهيرة بأن الدين أفيون الشعب. ولا شك أنه يتعمد الشناعة والتشنيع على الإسلام وعلى نبيه وعلى العرب بصفة عامة، وهو من حق صاحبه؛ أما أن نعتبر مثل هذا الهراء الساذج مسا بقداسة الدين الإسلامي فذلك أشد هوسا من هوس صاحب الكتاب لأن القداسة لا تنتقص منها شيئا عداوة عدو أو خبال مخبول.

فنحن لا نرى منع مثل هذه الترهات، بل بالعكس ننادي بتجاهلها، لأن قيمتها تنفي عنها مجرد الحق في الوجود فتنفي نفسها منه بنفسها وتضمحل مع النسيان؛ بينما نحن نعطيها بعدا لا تستحقه بالمرة بمقاضاتها وكأنها جاءت بما فيه مضرة حقيقية أو صرحت بما لا نريد سماعه من أمور مؤلمة. فهل نخاف اليوم كلام الباطل وهذيان الجاهل؟ أما إن فعلنا ذلك، فنحن ننزل لا محالة بديننا إلى المستوى المنحط الذي لا يعلو عنه مثل هذا العمل؛ و لا شك أن ذلك منا هو المساس بالقدسية الحقة للإسلام ولنبيه!

لقد تعرض الإسلام لهجمات أخطر شراسة وأكثر عداء للإسلام من أوهام «وهم الإسلام»، فلم يعبأ بها، بل تجاهلها واحتقرها فذهب شرها معها إذ ذهبت هي بنفسها في طي النسيان ومزابل التاريخ.

إن مثل هذه الهجمات المخزية على الإسلام، وكان بعضها أشد ضراوة وأكبر قدرا من العمل التافه الذي نحن بصدده، من زاوية القيمة الأديبة على الأقل، تهدف أولا إلى لفت الانتباه إليها؛ ويكون لها ذلك عندما نعيرها من اهتمامنا ما لا تستحقه البتة.

فمن كان يعير أي اهتمام لمثل هذه اللخبطة لولا الشكوى التي قدمت في شأنها؟ فألم يكن الأولى والأحرى بمن أخذ من وقته الثمين لمطالعة مثل هذه الترهات حتى أحس بما أحس من الحماسة لدينه، ألم يكن له من باب الحماسة الحقة لقداسة الدين التي يدعيها عدم إضاعة وقته في التفاهات وتخصيصه لمطالعة ما فيه فائدة، أو على الأقل لقراءة ما ليس بالتافه مثل هذا العمل؟

يقول غازي الباجي عن نفسه، وهو صاحب هذا المهزلة المخزية التي جاءت في 119 صفحة، أنه من جيل الثمانينات متحصل على الإجازة في الصناعات الغذائية. وعن الكتابة، يقول أنه يتعاطاها كهواية في نطاق مناهضة للفكر الإسلامي حيث «أدى بحثه الطويل في أسباب مصائب الشعوب الإسلامية إلى الاستنتاج أن هذا الدين هو السبب الرئيس لما تعيشه هذه الشعوب من تأخر في جميع الميادين وانتشار عقلية الترهيب.» ويضيف أنه «خصص جزءا من وقته لكتابة هذه الرواية لمخاطبة العقول المسلمة وحثها على إعادة النظر في هذا الدين كي تستفيق من سباتها العميق وتنظر إلى الحياة بعيون القرن الحادي والعشرين.»

فكما نرى، ليس صاحب الكتاب بالمختص في الميدان، ولكن يبقى عمله عن وازع لا يمكن إلا تحيته إذ هو، وإن أخطأ في سبيل العمل ومضمونه، أراد النضال لأجل خير أبناء بجدته، وهو بذلك ينحو منحى أهل بلده في تونس الثورة. وليته طالع الكواكبي فتمتع بفكره وأسلوبه وعرف في الوقت نفسه أن ما حداه لكتابة ما كتب سبقه إليه العديدون فنجحوا في النقد الهادف دون التجريح السخيف والشتم الرخيص الذي يوهن ولا يقوي وازعه للكتابة.

فهو يختم روايته بتحية لا ينكرها كل مسلم وهي «دمتم على حرية»؛ وقبل ذلك يعلق بنفسه على كتابه فيقول مخاطبا القاريء : «كتابي هو قطار أفكاري الذي سينقلك من محطة إلى أخرى وفي كل محطة أحاول أن أخلصك من بعض أثقالك التي لا قيمة لها والتي تستعبدك، حتى تتحرر كليا منها فتكون الحر الذي أنشده فيك…»

أما في تقديم ما ينعته بالرواية الهزلية، فيقول صاحب الكتاب : «أردت أن أكشف الوجه القبيح للإسلام هذا الدين الذي لطالما دمر حياة الناس وذلك بأن أزرع بذرة الشك في كل مسلم حتى يعمل عقله المجمد وينزع الغشاوة عن عينيه».

ولا شك أن الذي يتحدث عنه صاحب الكتاب ليس الإسلام نفسه بل التعامل الإسلامي مع هذا الدين وما أفرزه التخلف بجميع صفاته من جمود.

فالإسلام جاء ثوره على الجمود، وهو يبقى تلك الثورة من المنظور الذي أدعو إليه، المنظور التنويري أو ما بعد الحداثي؛ فمنه لا يكون الشك الذي يتحدث عنه هذا الجاهل بدينه إلا ذاك الشك المنهجي الذي هو السبيل الأفضل للحقيقة.

ولكن جهل صاحب الكتاب ليس بأقل شأنا أو خطورة من جهل الذين يقاضونه على آرائه وإن كانت خاطئة.
نعم، لقد أخطأ غازي الباجي وبالغ في القدح في الرسول وفي الدين الإسلامي، ولكن قصده كان طيبا فلم يبتغ إلا تحرر عقول من اتجه إليهم مثل ما قال؛ وهذا، في الإسلام، من باب الإجتهاد الذي إن أخطأ يتطلب التسامح، بل ويضمن الله لصاحبه أجرا لحسن النية حتى وإن أساء في النتيجة في نهاية المطاف.

لذا، فأنا باسم الإسلام نفسه، هذا الدين الذي خفت سماحته وروحه الثورية عن صاحب «وهم الإسلام» فتاه في أوهام تستدعي منا أن نهديه إلى نور الإسلام الحق لا أن نعاقبه على جهله، أنا أطالب كل مسلم حق يقدر قيمة العفو عن الإساءة والتغاضي عن الشتم والشباب، خاصة عندما يكون مرد ذلك الجهل، العمل على إنارة صاحب هذا الوهم للخروج به من وهمه حول الإسلام إلى حقيقة هذا الدين.

ولا غرو أن ذلك لا يكون بالمقاضاة والتهجير، بل بالنقاش الحضاري معه والتدليل له بالتي هي أحسن عن ماهية الإسلام فيفرق بين أوهامه الخاصة وما يراها على وجه الخطأ، سواء أكان ذلك عن جهل أو عن عمد، وهما لدين الإسلام.

وبما أن القضية اليوم من أنظار محكمة التعقيب، فأنا أناشد باسم الإسلام رجال القانون بها رفض دعوة المتقاضين المدعين زورا الدفاع عن الدين وعن الرسول وذلك شكلا ومضمونا، لأن الدفاع عن هيبة الإسلام لا يكون بإسقاط الدرة إلى مستوى البعرة بل بحفظها مكنونة في سموها وعليائها فلا تطال روعتها أي حثالة.

فليس من ادعى الدفاع عن الإسلام بالمسلم الحق بداهة،، كما ليس من تكلم عن وهم الإسلام بالكافر ضرورة، لأن الإسلام رسالة رحمة تحترم الحريات كلها، بما فيها حرية الخطأ؛ وإلا فما قيمة الإجتهاد لإصلاح النفس وتطهيرها، وهو الجهاد الأكبر في الإسلام بل منازع؟

إن من يعتقد أن كل قول أو عمل أخرق من شأنه تدنيس قداسة ما نعتقد جازما وبحق في قداسته ونحترم علويته، فقد تجاهل ولا محالة القداسة الحقيقية لهذا المعتقد ولم يعمل إلا على الإشادة غير المباشرة بعمل النوكى إذ هو بذلك يُنقص من تعالي المقدس الحقيقي ويعمل على إضفاء بعض العلو لما هو طبعه ومعدنه التدني والوضاعة، فيحتاج لمثل هذا التصرف للفت النظر والانتباه إليه لاكتساب النزر الخلب، ولو القليل وبأي صفة تكون، من الأهمية والشهرة. ولا شك اليوم أن من أعلى درجات مثل هذه التحية أن نبدو للعيان من المضطهدين في حقل النضال لأجل حرية الرأي والمعتقد.

إن قداسة ديننا وشرف نبينا لفي حصانة تامة، فلا يصلهما أي شيء ممن به مس من الخبال أو الهوس؛ فهلا انتبهنا إلى مدى ضعف إيماننا بديننا وبمقدساتنا، إذ نحن نجعلها حقا عرضة لعبث العابثين بتصرفاتنا الهوجاء ؟

فتحريم أو تجريم أي عمل تعمد التشنيع الرخيص مثل العمل الذي نحن بصدده ليس في شيء من احترامها، وقد وُجد عبر التاريخ الإسلامي العديد من أمثاله، بل وأشد بشاعة منه و كثر مكرا، ولن ينتهي ذلك أبدا، لأن من سنة الله في خلقه أن كل ما كمل وتعالى لا يسلم من غباء الجاهل ولا يفلت من حسد الحاسد، فهما يسعيان دوما للانتقاص من روعته وعبقريته. وهيهات لهما ذلك!

لا يهم إذن قول أو فعل من يهذي يقدر ما يهم شدة بأس سماحتنا في تمسكنا بديننا وتأكدنا من قوته وعظمته. ولعل الدليل الأوحد على ذلك هو مقارعة الخصوم بالحجة المدحضة لكل بلادة لا بسلاح الضعيف المتمثل في اللجوء إلى العنف والتحريم والتجريم والتكفير.

فبأي إسلام تؤمنونون يا معشر النائحين على تدنيس قداسة الإسلام وهي أعلى من أن تمس؟ إن كل محاولة للتدنيس، أيا كانت شراستها، لهي كالوسخ الذي يتزين به صاحبه وهو يخاله عطرا، والذي يعود عليه كما يتساقط على رأسه برازه إذا ابتغي عبثا إرساله إلى السماء لعله يوسخها، فلا يوسخ في النهاية إلا نفسه !

خلاصة القول أن المسلم الحق لو قدر له التوقف على كل السفاهات التي قيلت وتقال عن دينه لما توفر له الوقت الكافي لذلك ولأضاع أثمن السنين من حياته في إخراج ما بقمامة الفكر البشري لإكسابه شيئا من الأهمية.

لذا، فلا يستحق عمل غازي الباجي إلا المرور عليه مر الكرام؛ فقافلة الإسلام تمر رغم نهيق الكلاب المسعورة. أما إذا توقفنا عند المزابل وأخرجنا ما فيها من أوساخ لنشرها أمام المحاكم، فنحن لا نختلف عندها عن أصحابها، إذ ندنس حقا بمثل ذاك العمل أي تدنيس ما نؤمن بقداسته.

فليتعض من في قلبه التقديس الحق للإسلام، وعلى العقل الحر السلام!