إنّ دغدغة المشاعر قبل إستنهاض العقول، و الخوض في الأحلام قبل التمكّن من الواقع، كلّها أمور تجذّرت في العقل العربيّ المعاصر و لا تكاد تفارقه حتّى بعد هبوب رياح الإنعتاق على بعض أقطاره. و إنّ المشروع القوميّ و رمزه عبد النّاصر، ليشكّل، بعد عنوان “تحرير فلسطين”، أكثر المواضيع قدرة على التّأثير في وجدان أجيال من التّونسيّين و خلب ألبابهم حدّ الثّمالة و غمسهم في الأحلال غمسا لا بعده غمس. و لم تكن للثّورات أن تأتي على هذه “اللّاعقلانيّة المفرطة” كليّة و هي بالتّجذّر الذّي أشرنا. وهكذا دخلت هته العناوين المعترك الإنتخابيّ، بشقّه الدّعائيّ خصوصا، و هكذا أبتدئ الحديث حول “الإتّحاد المغاربيّ” المجمّد منذ ما يقارب العقدين.منذ وقت جدّ مبكّر من رئاسته، طالعنا الرّئيس المرزوقي بفكرته حول المغرب العربي و ما سمّاه ببرنامج “الحريّات الخمس”وهي حرية التنقل وحرية الإقامة وحرية العمل وحرية الاستثمار وحرية الانتخاب في المجالس البلدية. و كما جزء كبير من التّونسيّين تحمّست للفكرة لما فيها من تحقيق لحريّة أكبر و تنمية إقتصاديّة و دفع لحدود آفاقنا. و لكنّ مجريات الأحداث المتعلّقة بهذا المسعى التّقاربيّ فرضت تفكيرا ثانيا و مراجعة للموقف الأوّل. و كما بدت الحريّات الخمس خطوة عظيمة فيبدوالآن تحقّقها دفعة كما أراد لها صاحبها خطوة شبه مستحيلة.

فالجواب الجافّ و الرّافض من طرف الجزائر، بحكمها العسكريّ المنزعج من الثّورات أصلا، مثّل فعليّا فشل “النّهج التّقاربيّ المغاربيّ المرزوقيّ”. و بكلّ تحدّ أكّدت الجزائر، أنّه حتّى في حال قبول تونس ببطاقة التّعريف فقط كوثيقة سفر للمغاربيّين، أنّها ستواصل المطالبة بجواز السّفر على الجانب الخاصّ بها من الحدود. أيّ أنّ الجواز سيبقى وثيقة إجباريّة لتّونسيّين و الجزائريّين و لا مناص منه إن تواصل الرّفض الجزائريّ للخطوة.

الحريّة الأولى إذا، و هي حريّة السّفر، لا يمكن فكاكها من كمّاشة الإرتهان لدى النّظام الجزائريّ و مساوماته إن لم نقل تكبّره. و يبرهن هذا على عدم قدرة تونس في الحقيقة على إتّخاذ أيّ خطوات أحاديّة تحدث نقلة نوعيّة في سبيل التّقاب المغاربيّ، في ضلّ رفض بقيّة الدّول لها. كما لا توجد في الأفق أيّ أوراق ضغط متوفّرة لنا في سبيل زحزحة الموقف الجزائريّ. إنّ محصّلة الجهد الحاصل في هذا السّبيل ليفضح إعتباطيّة مفرطة و تسرّعا كبيرا. ربّما يضاف على ذلك إشباع للأنا و إرادة لدخول التّاريخ بتعسّف “كموحّد للمغرب العربي” من طرف الرّئيس (المرزوقي) و نرجو ألّا يكون ذلك هو المحرّك الوحيد لسعيه. ولا يعجب عاقل أن يكون مصير كلّ الخطوات الفشل حتّى الآن و الحال كما تقدّم.

و لكن لا نملك أن نتخلّى عن التّقارب مع دول المغرب العربي لمجرّد هذه الأسباب الضّرفيّة. فالخلاف هنا في الشّكل لا في المضمون و إرادة التّقارب في خطوطها العريضة تبقى من الثّوابت المتّفق عليها عموما. يا حبّذا لو كان لنا فتح الحدود بسهولة و تحقيق الحلم المغابيّ كما بشّرت به حريّات المرزوقيّ الخمس. فلا يخفى أنّ “الولايات المتحّدة المغاربيّة” ليست فقط حلما دونكيشوتيّا بل هي ضرورة حيويّة و إستراتيجيا لازمة لشعوب المنطقة حتّى تتمكّن من وضع قدم واثقة في عالم معولم و لا مكان فيه لدويلات معزولة.

فكيف هو السّبيل لسعي جديّ و لا-شعبويّ نحو هذا الهدف السّامي؟ إنّي أرى أنّ الأصل في عودة الحديث أصلا حول المغرب العربي و الفضل في ذلك يعود كليّة للثّورة و لرياح التّغيير التّي أسقطت حكّام تونس و ليبيا و عدّلت نظام المغرب. فكيف لنا إذا، أن نتوقّع من رأس اللّاثوريّة المغاربيّة، النّظام العسكري الجزائري، أن يكون مساهما في هذا المسعى الثّويّ بامتياز؟ كيف لنا حتّى أن نرجو من مؤسّسة “الإتّحاد المغاربيّ” أيّ خير و هي صنيعة الجمود و لا يمكنها تجاوز دورها المقزّم قيد أنملة و هي التّي ولدت موؤودة من رحم دكتاتوريّات المغرب العربي؟

لا، بل إنّ البوصلة يجب أن تتجه نحو الأصل الثّوريّ و هو سبب عودة الرّوح للمسألة المغاربيّة بداية. إنّ الأجدر هو التّوجه نحو ليبيا الثّورة التّي أتمّت بنجاح أوّل إنتخاباتها. فالرصيد الثّويّ المشترك و العلاقات الشعبيّة المتشابكة عوامل داعمة لأولويّة التّقارب مع ليبيا. يجب على تونس و ليبيا بما أنّهما الإثنتان على طريق التّأسيس و إعادة الهيكلة العمل على بناء لبنات صلبة للتّقارب. فبعد دسترة التّوجه المغاربيّ، يجب الإتّفاق حول معيير مشتركة للتّغطية الإجتماعيّة و التّأمين الصحيّ و بناء قواعد بيانات مشتركة للهويّات و المعلومات عموما. كذلك على الشّقيقتين أن تناظرا بين الوثائق الرّسميّة حتّى يكون إعتمادها ممكنا و سهلا بينيّا كبطاقات التّعريف و الجوازات و الشّهادات الرّسميّة و غيرها.

أمّا الأهمّ من ذلك كلّه فهو وضع الإطار القانونيّ و السّياسيّ اللّازم لتنمية التّقارب و تعضيم الفائدة. أمّا المحور الآخر لهكذا إطار فهو ترك باب مفتوح للدّول الغاربيّة الأخرى. يجب علينا كدولتين ثوريّتين الإتّفاق على مواثيق عامّة للحريّات و الحوكمة و حقوق الإنسان و التّعاون الإنسانيّ و الإغاثيّ. إنّ هكذا إتّفاقيّات لن تفيد الدّولتين فقط بل ستمثّل حجر الزّاوية في خطّة طويلة المدى لتسهيل الإنتقال الدّيمقراطيّ في بقيّة البلدان المغاربيّة. فوجود المعايير و الإطار القانونيّ سيجنّب الشّعوب الضّبابيّة و يشكّل خارطة طريق للإنتقال. فنجاح التّقارب بين تونس و ليبيا سيدفع شعوب المنطقة للضّغط على حكوماتها لتطبيق معايير هذه الإتّفاقيّات حتّى تتمكّن من الإستفادة من مزايا المنطقة المغاربيّة الجديدة بنواتها اللّيبيّة التّونسيّة. أي أنّ هته المعايير السّياسيّة و الحقوقيّة سترتبط بمزايا إقتصاديّة و إستراتيجيّة فيكون للإصلاح الدّيمقراطيّ مغريات جديدة تساهم في التّقليل من كلفته (سواء كان عبر الثّورة أو الإصلاح) و نسف معادلة الإختيار بين الدّكتاتوريّة أو الجوع. ليس هذا من باب التّصدير الدّيماغوجيّ للثّورة بل هو واجب الشّعوب المغاربيّة الحرّة و طريقة جديدة لجذب دول المغرب العربي قاطبة و بسلاسة إلى أفق التحرّر.

إنّ كلّ الخطوات الآنفة و كثير غيرها ليست بالبريق الذّي تحمله عبارة “الحريّات الخمس” و لا هي تتمتّع بئغراء السّهولة الظّاهريّة، بل هي تغييرات هيكليّة عميقة و تأسيسيّة تؤتي أغلب أكلها على المستوى المتوسّط و البعيد. و لكن و قد اختار الشّعبان طريق التّأسيس بوعورته فلا غرو من التّصارح مع أنفسنا بأنّ الطّريق نحو الإندماج طويل و أنّ قطف الثّمار يأتي بعد التعهّد و العمل.

كما أقف على النّقيض ممّن يرون ،بعنصريّة، أنّ الإندماج المغاربيّ خطر على تونس، إلّا أنّني أعيب على الرّئيس المرزوقي تسييسه المفرط للمسألة المغاربيّة و أدعوه إلى التريّث و التربّص. إنّ مشروع المغرب العربي لا يكون سوى مشروعا تحمله شعوب المنطقة و ليس مشعلا للتألّق الفردانيّ.

فلنكن معا من أجل تقارب ثوريّ جادّ صلب المغرب العربي…