crédit photo: euronews.com

تطالعنا بين الفينة والأخرى، كما هو الحال اليوم، صرعات وهلوسة تنوي المساس بمقدساتنا والحط من شموخها وعلو قدرها، وما هي إلا ذلك المس من الجنون الحقيقي أو المصطنع الذي هدفه العمل السافر على إخراج المسلم من هيبته ووقاره للإتيان بالمحضور حتى يتنسى لهؤلاء المجانين الترديد بأن الإسلام همجية.

إن أعداء الإسلام كثر وقد هالهم قسر همتهم على الحد من انتشار هذا الدين السمح في القلوب بأن سعوا دوما إلى حمل المسلم على المنكر باسم المعروف، فوجدوا تلك الحيلة الشيطانية المتمثلة في إخراجه من سحنته وحلمه بتعمد إهاجة مشاعره المتوقدة وإثارة تعلقه بدينه وبشخص رسوله الأكرم بتبليس من إبليس هو أقرب إلى مس المجنون منه إلى عمل العاقل الذي يستدعي منا الرد والمعالجة.

فهل يكترث العاقل بتصرفات المخبولين والمعتوهين؟ إنه إن فعل ذلك كان مثلهم، بل وأتعس، لامتيازه عليهم برجاحة الفكر واتزان العقل!

نعم، إن مكان هؤلاء العته والمجانين في المستشفيات للتداوي، ولكن إذا اقتضى الحال تواجدهم أحرارا بمجتمعات لا ترى، حقا أو باطلا، ضرورة عزلهم أو الحد من حريتهم، فهل يكفي هذا بأن نفقد حلمنا ونرمي عرض الحائط بكل ما يميز ديننا من خلق حسن وتسامح وغض نظر عن الإساءة، فنتقد نارا ونشعلها شنعاء في كل ما دب وما اخضر، فنخلط الحابل بالنابل ونأخذ البريء بجريرة المذنب؟ وكيف نفعل ذلك باسم نبينا الكريم وقد حثنا على الحسنى؟ وكيف نعتد بالدفاع عن شخصه الكريم ونحن لا نتوانى عن الإتيان في ذلك بنفس التصرفات الخرقاء التي نندد بها؟

لقد جاء الإسلام بدعوى حب وتسامح عالمية، فانتشر كالنار في الهشيم بعلو كعبه وسمو رسالته رغم تعدد المناورات لهدم صرحه والحط من تساميه المستديم؛ فما قدر من سعى إلى ذلك إلا على الحط من رجاحة عقله هو أمام رد فعل الأوائل من المسلمين الذي كانوا دوما المثال الذي يحتذى في الاتزان والحكمة والوقار والحلم وهيبة النفس.

إن السلف الصالح بعلياء أخلاقه وتحصين تصرفاته من كل المستهجنات مكننا من تراث ديني خصيب القيم وسنة أخلاقية عالية المباديء والقدر، هي في جيدنا بمثابة العقد الفريد الذي يحسدنا عليه كل من أضاع قيمه ومبادئه.

ولكن ها نحن أولاء نفرط في واسطة العقد، بل وفي العقد كله، ونجعل من يتيمة الدهر التي في أعناقنا وفي قلوبنا مجرد شعارات نرددها ونتحمس لها دون أن نتقيد بمثلها وأخلاقيتها السامية!

لنتمعن في ما يقوله مثلا إمام عرفنا قدره وورعه فاحترمه الجميع، أو ما يتغنى به عالم جليل ربما كان أقل تقوى من الأول دون أن يكون أقل منه شأنا في عظمة أخلاقه!

يقول الإمام الشافعي :

يخاطبني السفيه بكل حمق فاكره ان اكون له مجيبا
يزيد سفاهة فازيد حلما كعود زاده الاحراق طيبا
ويقول العالم اللغوي أبي عمرو بن العلاء :
شاتمني عبد بني مسمع فصنت عنه النفس والعرضا
ولم أجبه لاحتقاري له ومن يعض الكلب إن عضا؟

إن لنا في إسلامنا ما إن تمسكنا به لا خوف علينا من الأعداء المتربصة بنا. إلا أن الخوف يبقى من جانب أنفسنا وقد سلط الله عليها إبليس ليبلس علينا الحق فيجعلنا نسيء لديننا دون أن نشعر وندنس قداسته ونحن نعتقد الدفاع عنها، وذلك بكل التصرفات الهوجاء والتصريحات المتشنجة والهيجان، وليس كل هذا إلا من باب تقليد التصرفات التي ندينها فنحاكيها ونقع في الفخ المنصوب لنا دون أن نشعر.

فهكذا، نخدم بأنفسنا مرمى من سعى إلى الإضرار بنا ونعطي لتصرفاته، التي هي مما يُلقى في المزابل ولا يُأبه بها، القدر الذي لا تستحقه من القيمة والأهمية والشهرة والذيوع، فتنقلب الإساءة، وهي على الأكثر نهيق حمار، إلى فاجعة لأننا عندها كأننا ننهق بصوت أعلى مع هيجان وعنجهية تجعل منا المسيء الكبار.

أهذا دفاعنا عن ديننا وهو يأمر بالعدل والإنصاف في كل شيء وخاصة في التحكم في نزعاتنا وميول أنفسنا لما هو محرم عليها؟ أفليس ذلك هو الجهاد الأكبر الذي يتحمل عبئه المسلم في كل الظروف، خاصة منها تلك التي تقتضي الحنكة والاتزان وإعطاء المثل الأعلى؟

إن خير رد فعل يصدر منا أمام هوس المخبولين، خاصة عندما يستبطنون الإساءة المتعمدة، لهو الاحتقار والازدراء! فهذا هو أول درس يجب أن نتعلمه من إسلامنا الحنيف، وإلا أضعنا ديننا ودنيانا؛ إذ يبقى المسلم الحق الذي يعرف دينه ورسوله الأكرم هو ذاك المؤمن الذي يسلم الناس من يده ولسانه حتى عند الشتيمة والتهجمات الرخيصة، بل وخاصة عندها؛ وإلا فما يميز المسلم عن غيره إن لم تكن أخلاقه السنية وعلياء أبسط تصرفاته؟

إن هم أعداء الإسلام اليوم، وقد عجزوا عن الإطاحة بصرحه المشيد لشدة تعلق المسلم بدينه، هو نسفه من الداخل باستغلال هذا التعلق وقلبه إلى تطرف وجنون؛ وهاهم ينجحون في مسعاهم، فلا يسيئون هم إلى ديننا بأعمال خرقاء، لا يعيرها العاقل أي أهمية لخستها ونوكها، بقدر ما نسيء نحن له بتصرفات هي مناقضة لروح الدين ولنصه.

إن الدين الحق يقتضي اليوم أن نترفع عن كل ما اعتقدناه يضير به من مس من الجنون لا يشين إلا صاحبه، فليس كل هوس مخبول مس بمقدساتنا. ولنكن في مستوى ديننا من علو التصرفات ورجاحة الفكر ونظافة اليد وحسن السريرة حتى مع ألد أعدائنا. فذلك هو الإسلام وتلك هي أخلاقه الحنيفية السمحة.

فأقصى ما تسمح به هذه الأخلاق عند الشتيمة _ أو ما نريد اعتقاده كذلك، لأنه لا شتيمة إذا تجاهلناها فاعتبرناها كلام مهلوس ولغط مجنون، وتلك لعمري عين الحكمة وتصرف الأعقل _ هي الدعوة بالهداية لصاحبها؛ وهذا ولا شك هو من الجهاد الأكبر الحق، فلا نشتم من يشتمنا بل نتمنى له ما نتمنى لأنفسنا. بهذا نكون حقا خير أمة أخرجت للناس.

فلنتمعن، إخوتي في الدين، في روح ملتنا ولنعمل حقا على نصرتها بالمثل الطيب والقدوة الحسنى، فالتقوى الحقة في الصدر والقداسة التي لا مراء فيها هي ما تعالى نهائيا عن كل الترهات! والله ولي الجميع.