immigration-lampedusa

تحت إشراف رئاسة الحكومة، تنعقد منذ البارحة 26 ديسمبر بتونس وإلى غاية هذا اليوم ندوة وطنية تحت عنوان «السياسة الوطنية للهجرة : الرهانات والآفاق» تنظمها كتابة الدولة للهجرة والتونسيين بالخارج.

ولعله من الغريب حقا أن تخصص ندوة مثل هذه للحديث عن سياسة بديلة للسياسة الحالية للهجرة دون التعرض لموضوع حق التنقل بحرية بين تونس وبلاد الإتحاد الأوربي، وهو بيت القصيد في هذا المجال.

والأغرب أن نواصل الإستماع ممن مهمته استشراف المستقبل واستكشاف التوجهات المستحدثة إلى ترديد منه كالببغاء للخطاب الغربي الأخرق في تعامله الأعمى مع هذه القضية، وكأن نظرة الغرب لها قرآن منزل لا مجال لمناقشة صحتها.

فكل الدراسات العلمية اليوم تؤكد على فشل السياسة الغربية في غلق الحدود على التنقل البشري الحر ومسؤليتها في تنامي عدد المهاجرين غير الشرعيين علاوة على الكوارث الإنسانية التي تسببها.

ولا معنى للكلام اليوم عن الهجرة إذ ليست هي إلا تغرّب و تنقّل حر؛ فالهجرة ليست إلا مغادرة أرض للاستيطان بأرض أخرى، بينما لا نرى اليوم إلا رغبة في التنقل والترحال دون نزوع عن أرض الوطن.

أما وإن رأينا ذلك ينقلب إلى تغرب عن أرض الوطن، فذلك يأتى عن كره من المتنقل لاستحالة العودة أمامه بحرية إلى أرض التغرب إذا غادرها عائدا لبلده لمدة زمنية كما يبتغيه عادة، وذلك للعراقيل الجمة التي يخلقها نظام التأشيرة المعمول به اليوم.
ولا شك أن مثل هذا النظام، الذي استحدث لأسباب أمنية، غدا لا فاعلية له، إذ هو لا يمنع بتاتا ما يسمّى بالهجرة السرية علاوة على دوسه لأبسط تجليات سيادة الدولة لقبولها أن ترفع بصمات مواطنيها من طرف سلط أجنبية، وفي ذلك من التجنّي على هيبة الدولة وسلطتها الحظ الوفير بلا منازع.

فهلا تحركت سلطاتنا التونسية للمطالبة بما من شأنه أن يعوّض مثل هذا التنازل عن السيادة الوطنية بتغيير طبيعة التأشيرة الحالية إلى تأشيرة مرور من شأنها احترام سيادة الدولة التونسية وحق التونسي في التنقل بحرية، مع ضمانها في الآن نفسه لحق البلد الغربي في السهر على أمنه برفع بصمات الزائر مما يمكّن السلط الغربية من تتبع تنقلاته عن كثب كما هو الحال اليوم؟
فمهما تقوله البلدان الغربية ويردده سياسيونا بلا إعمال تفكير، فإن حق حرية التنقل بطلاقة لهو من أوكد حقوق الإنسان؛ وقد اقتلعه التونسي عن جدارة بثورته التي جاءت كتعبير عن نضجه السياسي ووعيه الكبير، فاستحق بلا منازع حق معاملة المواطن المؤهل للديمقراطية.

لذا، فالمطالبة بمثل هذا الإستحقاق لهو من أوكد واجبات السلط التونسية إذا كانت تريد بحق نفسها الممثل الصدوق للشعب ولتطلاعاته للحرية والكرامة.

فهل يعقل ألا تتعرض الندوة المخصصة لموضوع الهجرة لمثل هذه المسألة؟ أليس في ذلك القدر الكبير من المغالطة في الوقت الذي ندّعي فيه البحث عن أنجع الوصفات الطريفة، بينما لا نقوم إلا باجترار الحلول المعهودة وتكرار المقاربات التي تفرضها علينا سياسات الغرب مع أن الواقع أثبت غيّها ودلّل العقل على زيفها وإخلالها الفاحش بالأخلاق؟

وهل يعقل ألا تتبنى سلط البلاد التي هي مهد الثورات العربية مثل هذا المطلب في تنقل مواطنيها بكل حرية، وهو مطلب مشروع وسيأتي الوقت لتحقيقه طال الزمن أم قصر؟

نعم، إن هناك من يتعلل بالرفض المطلق للسلط الغربية الخوض في مثل هذا الشأن ليمتنع من التطرّق له؛ وهي لعمري تعلّة تافهة، لأنها السبب نفسه الذي ترتكز عليه في نفس الآن السلط الغربية لعدم إثارة مثل هذا المسألة الحساسة، إذ لا ترى سببا لإثارتها ما دامت البلاد المعنية الأولى بها لا تتبناها!

ولعل الأدهى هو أن حساسية البلاد الأوربية للحديث في موضوع رفع التأشيرة لا تكمن في عدم مشروعية ذلك أو استحالته بقدر ما هي تتمثل في حتمية الخوض فيه؛ فهي تعرف أن لا مفر من ذلك، فتراها تلوّح جهارا، ربحا للوقت، بعدم استعدادها لذلك.

وهي، لا محالة، تسعد بأن ترى السلط المعنية، مثل سلطات بلادنا، تساعدها في سياستها هذه، لا بسكوتها عن الموضوع فحسب، بل وأيضا برميها بالغباء والجنون كل من تجرأ وأثار المسألة.

فليعلم حكامنا اليوم أنهم بعدم مطالبتهم بحق شعبهم المشروع في حرية التنقل لَيَخدمون دون ما يشعرون مصالح السلط الغربية في تجاهل مصالح شعوب المتوسط في إقامة بحيرة سلام تسهل فيها حرية التنقل والمبادلات التجارية والمشاريع الإقتصادية بتوفر جو من الأمن والتضامن هو الآن بصدد الانعدام لتصاعد وتيرة التزمت والتباغض عند الشعوب بين ضفتي المتوسط! وللتأشيرة في ذلك، دون أدنى شك، القسط الأكبر من المسؤولية.

وليعلموا أن حرية التنقل ليست إلا خطوة أولى من حتمية تاريخية تقتضي ربط مصير البلاد الديمقراطية في جنوب المتوسط بديمقراطيات شمالها؛ فلا محيد آجلا عن مثل هذا المصير إذا كنا نعمل حقيقة لمصلحة شعوبنا ورفاهة مجتمعاتنا.

فاليوم، في هذا الكون الذي بات قرية عالمية مترابطة أوصالها ومصالحها، لا مكان لسياسة كتلك التي كان يتعاطاها أجدادنا ولا زلنا نسير على ضلالها.

إن السياسة الحقة والناجعة في عالمنا ما بعد الحداثي لهي سياسة ترابط المصالح وتناغم المجتمعات الديمقراطية بعضها مع بعض؛ وهي في ذلك لا تعترف بما كان يعدّ من باب المستحيل، إذ ليس هو كذلك إلا في عيون من أعمته مصالحه الضيّقة فجعلته، في أحسن الحالات، أعشى عن مقتضيات الزمن الحاضر، كفيف البصر عن مصالح شعبه.