islam1

بقلم فرحات عثمان

لقد بينت، في مقالات سبقت لي هنا وهناك، أن ما نراه اليوم بشوارعنا وفي عموم البلاد الإسلامية ممن يدعي السلفية ليس في شيء من السلفية الحقة؛ إذ تلك حقا سلفية مزعومة، تتقول على الإسلام ما ليس فيه، وتفعل به ما ليس منه.

تلك هي سلفية الأكاذيب؛ وهي كالمسيح الدجال، علامة عودة الإسلام الحق، الإسلام التنويري كما كان وجاء به الرسول الأكرم، وكما سيعود، الإسلام الثوري على كل ما تحنط في أنفسنا، إسلام ما بعد الحداثة.

والجميع يعلم أني أطلق هذا النعت على الإسلام الذي يبقي تلك الثورة التي عهدناها منه على الأوضاع القائمة، إذا الإسلام ثورة أو لا يكون؛ وذلك لأننا في زمن ما بعد الحداثة وقد عوض فترة الحداثة المنقضية.
ولا بأس أن نذكر أن السلفية الحقة في زمننا المابعد حداثي هذا هي صوفية الحقائق حسب تعبير الشيخ ابن تيمية نفسه، سائرا في ذلك على نهج الإمام ابن حنبل؛ وقد صدق الإثنان، والشيء من مأتاه لا يُستغرب!

فالصوفية، صوفية الجنيد مثلا كما سار على دربه وسلك مسلكه إسلامنا المتسامح بربوع بلادنا الآمنة، هي التي فهمت الإسلام على حقيقته، فتمسكت بالقرآن والسنة وتقيدت بمقاصده متجاوزة الرسم إلى الروح، والروح أعلى ما في خلق الله.

فكلام الله العزيز العلي لا يمكن أن يكون نصا بلا روح وإلا كان صنما، وقد جاء الإسلام بهدم كل الأصنام، بما فيها تلك التي بأنفسنا، هذي الأصنام التي نعبدها ولا نشعر كما تفعل سلفية الأكاذيب اليوم، فتحي دين الجاهلية ولا تشعر!

ولعله حان الوقت اليوم في بلدنا الحبيب لفصل المقال في هذا الموضوع بتذكير هذه الحقائق وزيادة لمن نسيها أو تناساها ممن يدعي نصرة الإسلام على الساحة السياسية، فيتقمص دور المهرج دون أن يعلم، وليس في الدين لا تهريج ولا عربدة ولا مجون.

لقد حان الوقت لهذا العود على البدء اللامتناهي لديننا الحنيف المتجدد دوما، لأن الإسلام في نشأة مستمرة، تراه وقد أحاطت به الظلمات من كل ناحية، فتظنه هلك بعد أو أوشك ولا محالة، فإذا نوره الساطع يتألق من جديد، يبهر الأنظار ويطهّر أنفس الأخيار ويعمي أبصار من مرضت سريرته فصار بلا بصيرة في ظلمات الجهالة يعمه معربدا ماجنا؛ ولا قصف ولا مجون ولا جنون في ظلال الإسلام، لأن ديننا السمح يُذكي العقول ويُنمي الحس المرهف والحلم والمروءة.

لذا، نقول اليوم، ونحن نفصل الكلام في فهم الإسلام، إن ديننا هو تلك المعجزة الحضارية التي لا تنالها أحلام العصافير التي عشعشت في الأنفس المريضة فتجاهلت الجهاد الأكبر جهاد النفس، وتعاطت أضعف ما في الإيمان، ذلك الجهاد الأصغر خاصة بعد أن ولّى وقته وانقضى.

وليس هناك أدنى شك في أن هذا التصرف من هؤلاء لمن باب التضليل والتدجيل على جهالتهم في تعاطيهم لمصلحتهم الخاصة دون مصلحة ديننا العظيم، خاتم الأديان، الذي يقضي بالسماحة والتفتح على العالمين.
إنها الكلمة الفصل لبيان وتبيين ما فات كل من ادعى خدمة الدين من ضرورة إعمال عقل طريف وظريف في إسلام حنيف، لأن المؤمن فيه مرهف الحس، كريم النفس، دقيق التصرف، جليل الحلم، عالي الهمة، صافي النية، نقي اليد والضمير.

فأنا أقول إذا لكل من ادعى ويدعي الإسلام اليوم ولكل من تبجح بسلفية هو ليس منها في ربوع خضرائنا حيث يستأنف ديننا نشأته المستمرة، أقول كما قال الله في كتابه العزيز وجاءت به الآية 14 من سورة الحجرات : ( قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم).

فالسلفية اليوم تدّعي مقام الإسلام ولم يحصل لها ذلك بعد، لأن أعمالها وتصرفاتها، تصرفات النوكى، وهي أنكى من تصرفات الجاهلية، تنقض فعلها؛ فهي في ذلك، كما قال تعالى في سورة النحل، الآية 92 (كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثا).

وأقول أيضا لاستيفاء المقالة لأهل الجهالة : إن تونس منذ الإنقلاب الشعبي على الديكتاتورية تكتشف نفسها يوما بعد يوم وتحاول أن تستعيد ذاتيتها وقد امتُحنت طويلا بأن حاول البعض سلبها منها أو حملها على إضاعتها.

ومنذ صعود حزب التيار الإسلامي إلى سدة الحكم، بدا للبعض أنه يمثل عودة الوعي للتونسي واسترجاعه لذاته؛ وغاب عنهم أن الأحزاب الإسلامية في تونس، أو تلك التي تأكد على مرجعيتها الإسلامية، ليست إلا تيارات تدّعي الانتماء إلى الإسلام بينما ليست هي إسلامية في شيء، إذ لا تمثل إلا قراءة معينة للإسلام ظهرت وطغت في فترة من التاريخ دون أن تمثل الإسلام كله أو تعطي أفضل صورة عنه.

فهي ليست في الدين إلا نزعة بدت في فترة من فترات المحن التي مرت بها البلاد العربية ملخصا لذاتيته، بينما لم تكن كذلك إلا للظروف التاريخية التي جعلت منها تحمى حمى الإسلام وتذب عنه وهو يتعرض لهجمات حاولت محوه من فوق البسيطة. لذا، فرضت نفسها كأفضل مدافع عن الدين رغم هشاشة أخذها بالدين في لب لبابه وقراءتها له قراءة سطحية تمسخ روحه وتفسد تعالي تعاليمه في علميتها وكونيتها.

إن نظرة العديد من العرب اليوم لدين الإسلام نظرة أعرابية، إذ ليست هي عربية بالمرة؛ ولا يخفى علينا، وحتى على غير اللبيب منا، الفرق الكبير بين ما يميّز العربي من فكر متوقد فذهن متفتح وعلم بضرورة التفتح على العالم وعلى الآخر المختلف، وما يختص به الأعرابي من عجرفة وفهم ضيق للأشياء وصلف وتكبر، بل وإساءة صرفة للدين.

ولنذكّر ما يقول الله في محكم كتابه العزيز عن إسلام الأعراب في الآية 97 من سورة التوبة : (الأعراب أشد كفرا ونفاقا وأجدر ألا يعلموا حدود ما أنزل الله على رسوله والله عليم حكيم).

ولعله من الغريب أن يكون الشأن كذلك ونحن نعلم أن العربية الفصحى، كما جاء بها القرآن وتفتقت فيها بلاغته، هي أولا وقبل كل شيء لغة هذا الأعرابي البدوي الأجلف. وقد كان عرب المدن والقرى يبعثون بأطفالهم للعيش عند القبائل البدوية حتى يتعلموا اللغة العربية الفصحى ويحذقونها. وهكذا كان شأن الرسول. ثم رأينا علماء اللغة، عندما جاء الوقت لتقنين العربية كعلم قائم الذات، يرحلون من قبيلة إلى قبيلة لتعلم العربية الفصحى، التي كانت العربية القحة، عربية البادية، أي عربية الأعراب.

ورغم هذا، رغم أن العربي الفصيح هو البدوي، فالإسلام لم يكن بدويا بالمرة؛ وقد أكد ما بينه وبين عقلية البدوي من اختلاف. فهو وإن أخذ عنه لغة القرآن، لم يعتمد على عقليته ونظرته للأشياء بالمرة؛ بل هو نبذها تمام النبذ كما رأينا.

ولا شك أن الشأن هو نفسه اليوم مع من ينادي بتطبيق الإسلام في نصه وظاهره دون العودة إلى مقاصده وروحه، فهو في تصرفه هذا كالأعرابي الجلف لا العربي اللبق.

إن فهمه للدين، وإن كان ظاهريا صحيحا، مفحما، فهو فقط كذلك لأعمش البصر، قاصر الفكر، عديم البصيرة، لأنه من الغلط لبمكان، مفحشا في إدارة ظهره للحق، إذ لا يفهم الفهم الصحيح تعاليم دينه فلا يقدر بلاغته وروعته وقد رفض الأخذ بمقاصده ملتزما روحه كما جاءت بها حكمة الله السنيّة؛ وأنّى للعقول البشرية أن تطالها !

ومن المفيد التذكير هنا أن المجالس الأدبية، وقد تعددت في العهد العباسي الأول الزاهر إبان أوج حضارة الإسلام، كانت كثيرا ما تحتكم إلى الأعراب في قضايا تشغل علماء اللغة. ولعله من الطريف الإشارة، إذ التاريخ يعيد نفسه، إلى أن بعض الأحكام التي كانت تصدر، وإن فرضت نفسها في تلك المجالس، لم تكن صحيحة بالمرة لما كان يطرأ عليها، لأسباب سياسية، من غش واحتيال.

وقضية الزنبور مشهورة، وقد ذهب ضحيتها سيبويه رغم علو كعبه في العلم وجلال قدره، إذ حكم ضده أعرابي بغير الصحيح لرشوة نالها من خصيم عالمنا الجليل لأجل الحظوة السياسية والغرور الزائف.

وإن كان الغش في الأدب معروف ومشهور، إذ لعل الكثير من الشعر الجاهلي من المنحول وقع نظمه في العهد العباسي، كما بين ذلك طه حسين، فلم يسلم الدين منه، ومن الكذب خاصة.

ولست أبتدع بدعة إذا قلت أن هناك العديد من الأحاديث الغير صحيحة، المنحولة، مما أدى بعلماء الحديث إلى استنباط الوسائل للتفريق بين نوعية الحديث وفرزها.

ولعله من الضروري التذكير أن نزعة الغش والكذب هذه كانت تُستحسن عند البعض لأجل غايتها في الوعظ، فتجعلهم يتقوّلون على الرسول باسم فعل الخير وعمل البر، ويتسامحون في ذلك مع الوسائل وإن كانت خسيسة وضيعة. والشأن هو نفسه اليوم في أفضل الحالات، إذ هذا ما لا نزال نراه عند بعض رجالات الدين؛ ودعك ممن أخذ في السياسة فخبط فيها خبط عشواء.

هكذا إذا كان تاريخنا العربي الإسلامي مشحونا بمغالطات عدة وجب علينا التنبه إليها إذا أردنا حقا النزاهة والموضوعية، والإسلام نزاهة أو لا يكون.

فقد سجل لنا التاريخ، منذ البداية، كيف كان التلاعب بلغتنا وبديننا رياضة يومية، حتى وإن أدى الحال في ذلك إلى شراء الذمم، كما رأينا في موضوع الفصل بين الخصوم في مواضيع اللغة أو في استنباط أحاديث لم يروها الرسول بتاتا.

ودار لقمان على حالها في هذا الشأن. ولكن ما يزيد الطين بلة في عصرنا الحاضر، هو أن العربي الذي يجهل دينه لجهله للغته يأخذها من أصحاب اللغة، وهم الأعراب، أي سلفية الأكاذيب، فيأخذ معها فهمهم للدين وقد بيّن الله صراحة في محكم كتابه العزيز أنه لا يجب أخذ تعاليم الدين عنهم !

ألا فليعلم الجميع أن سلفية الأكاذيب ببلادنا هم أعراب الدين، لا يفقهون فيه شيئا؛ فهم، كما قال التوحيدي، ممن يقلب الدرة بعرة. حاشى الله أن يسقط ديننا الكريم إلى حضيض ما يريدون له!

لقد جاء الإسلام رحمة للعالمين ونقمة على الجاهلين، فإذا سلفية الأكاذيب تقلب الآية فتجعله نقمة على العالمين، رحمة للجاهلين؛ أفهكذا يكون الإسلام، يا أهل الإسلام؟

إن الإسلام ثورة عارمة على كل ما فسد في الدنيا، وأهم ما يفسد فيها وأوله أنفسنا الضعيفة عندما يتمكن منها الشيطان فيجعلنا نتصرف كالطاغوت، نُرغي ونُزبد وننسى أن إسلامنا يفرض علينا الحسنى وإعطاء المثل الطيب، أيا كان تصرف غيرنا وغيه.

نعم، إن الإسلام حرب، ولكنها حرب على ما في أنفسنا لكبح نوازعها للأسوأ وانصرافها عن حب الآخر، كل آخر، أيا كان وأيا كانت أهواؤه، حتى لا يكون تصرفنا معه موضوعيا فقط، بل ومتقيدا بروح ديننا.

وروح هذا الدين السمح تقتضي محبة كل مخالف لنا، حتى المذنب منهم في عرفنا، لأن الله يحب المذنب العاصي له تماما كما يحب المؤمن المتبتّل؛ بل لعله يحبه أكثر، لأن الله بحق الرؤوف الرحيم.

إن ربّنا لا يغلق أبدا أبواب الرحمة والمغفوة والتوبة، وقد خلق الإنسان ضعيفا فجعل له الإسلام محجة. ولا شك أن الإنسان لا يُولد على قدميه ماشيا، إذ عليه أن يتعلم، فيقوم ليسقط ليقوم فيسقط ويقوم وينتصب أخيرا واقفا على قدميه.

إلا أنه لا يحل لهذا الإنسان عندما يقف أخيرا على رجليه الانتصاب كالصنم بين من لم يصل بعد إلى ما وصل إليه هو، وإلا كان كأنصاب الجاهلية لهؤلاء، ظالما لهم الظلم الكبار في مسلكهم نحو الله، مريدين رحمته وهدايته؛ فهل هي عودة إلى الجاهلية اليوم بتونس؟

خلاصة القول إن من يدّعي السلفية اليوم لا ينتمي إلى سلفية الإسلام الحقيقية بتصرفاته الخرقاء التي تناقض الإسلام في صفوة ما فيه، روح تعاليمه؛ ولهو أيضا بالدخيل على أخلاقية العربي إذ لا يعدو أن يكون أعرابيا جلفا.

إنها عبرة لمن يعتبر! والله لا يهدى إلا من شاء؛ أما من أبى، فله دوما الأمل في رحمته التي هي كالبحر المحيط، لا نفاذ لها. هدى الله الجميع إلى محجة الإسلام، وهو اليوم بلا أدنى شك إسلام ما بعد الحداثة، الدين العلمي التعاليم، الكونيها، لأنه خاتم الأديان كلها !

هذا فصل الكلام في من يفقه بحق الإسلام، فليقل غيره من يدّعي في الدين معرفة، ونحن له من السامعين!