MinaretMosqueeZitounaTunis

بقلم فرحات عثمان

«وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا» (سورة الإسراء الآية 81). في هذه اللحظة الفارقة من تاريخ تونس المعاصر، نبدأ بخير الكلام، كلام الله العزيز الجليل الذي لا يأتيه الكذب والنفاق لا من داخله، كما هو الحال اليوم ببلادنا، ولا من الخارج، كما عهدناه طوال تاريخه الطويل؛ فلا يطمس نوره الساطع أي ظلام أو سواد نيّة حتى وإن تقمّص سحنة الملاك في هيأة رجل دين، كلامه من القرآن في الظاهر وباطنه من تلبيس إبليس؛ وهو في أصله من أتباع الشيطان الرجيم.

في هذه اللحظة الحرجة من تاريخ بلدنا الحبيب، تونس الجميلة، تونس الإمتاع والمؤانسة التي قهرت كل من أراد الإعتداء على ذاتيتها وعلى حريّة شعبها الأبي، في ساعة الحقيقة التي نعيشها، أتوجه إلى كل مسلم حقيقي وأقول لكل مؤمن غيور على دينه : أفق، أيها الغافي، إن دينك السمح في خطر بين أيدي من يريد تسليمه لجحافل أعراب قادمة من الجزيرة العربية، وهى أخطر على سلامته من أعدائه لأنها تدّعي الإسلام، وليس هو إلا إسلام الأعراب الذي ندد به القرآن : »قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ« (سورة الحجرات الآية 14).

إن الأعراب الذين لا يفقهون من الدين شيئا، فينتسبون للسلفية وهي منهم براء، لهم في تواطيء خفيّ مع أزلام النظام السابق، يسعون مسعاه في سلب الشعب حريّته، فيركبون معه على الثورة، ملتفّين عليها، لجعل الإسلام في هذه الربوع ظلاما دامسا، بينما هو نور على نور! فهل نتركهم يواصلون عملهم الهدّام بما أنهم تنكّروا لقناعاتهم في خدمة الوطن وأهله، فركنوا لدعة الحكم وفتحوا أبوب البلاد لجحافل الجراد القادمة بلا إسلام من كهوف ومغاور التاريخ تريد فرض رؤيتها لحياة بلا روح على ابن تونس العربي، الفخور بإسلامه التونسي النيّر، المتيقّظ للحياة، الفيّاض الإرادة بها وفيها؟

إن الإسلام، وشأنه كذلك تماما في بلدنا، لهو دين التسامح والمحبة والبسمة المضيئة على الثغر الوديع؛ فالمسلم لا يتكلّم بعنجهية ولا يتمنّى الموت لغيره الموت، ولا حتى مجرّد الغيظ. فلا يأتي ذلك إلا من كان بحق غير مسلم، يقلّد الشيطان ويجعل نفسه مكان خالقه ليقبض الأرواح؛ ولا يقبضها إلا الله وحده!
إن المسلم التونسي، وهو الصحيح الإسلام، لا يتكلم إلا بما يفوح منه شذى عبير الفل والياسمين، لأن الله كلّه محبّة لعباده المؤمنين ومغفرة لمن أذنب؛ إذ هو خلق عباده ضعفاء وجعل لهم الإسلام محجّة ليهتدوا؛ وهو يهدي من يشاء، متى شاء وأنّى أراد، لا دافع لإرادته أحد.

وها قد دللّت نهضة الشيخ الغنوشي، وقد ضلّ مع من ضلّ من المارقين عن الدين الحق في حزبه، أنها لا ترى في الدين إلا المطيّة للحكم، فتتمسك به كلّفها ذلك ما كلّفها؛ وهي تكشف هكذا القناع عن سوء نيّتها، إذ تجعل ديننا، دين الحب والمغفرة، دين حقد وكره وخوف وإرهاب، وكأن الإسلام من الفجور؛ حاشى الله أن يكون كما تريده نهضة الشيخ الغنوشي وأتباعه ممن يمسخ الإسلام!

لقد حان الوقت لأن تستيقظ من غفوتك، أيها المسلم الحزين على نفسه وعلى دينه، لأن الضمائر الحيّة لا تموت في غفوتها، فتساند كل من أفاق أخيرا داخل النهضة من وسن الحكم، وخارجها من سكرة الموت، وتقول للعالم أجمع : لا لإسلام أعرابي بتونس، لا لسلفية الأكاذيب؛ نعم لإسلام تنويري، الإسلام العلمي الكوني، دين المحبّة للبشرية جمعاء، دين التسامح والإيمان، دين الحنفية المسلمة، الدين القيم الأوحد!

لقد صوّت الشعب لحزب النهضة لما أبدته من نضال وهو يرزح تحت نير حكم ظالم، ولما ظن منه تعلّقا بالإسلام كمكوّن أساسي لشخصيته، إسلام ثقافي قبل أن يكون شعائري. فالشعب، وهو المسلم الحقيقيّ الإسلام، لا يحكم بالظنّة، لذا كان يعتقد في حسن نية هذا الحزب ويظنها صافية في خدمته وفي خدمة أهداف الثورة وسماحة الإسلام.

ولكنه اليوم يكتشف أن هذه النيّة ليست هي بالصريحة الصافية في كل ردهات الحزب، إذ لا نجدها إلا في بعض أفراده، النزر القليل الذي لا يستطيع تمرير فكره النيّر وحسن أخلاقه بين طوابير تحجّرت عقولها فأصبحت من الصخر، بل الجلمود لأطرى منها، وجحافل توقّفت أفئدتها عن النبض لأنها موات تخالها أحياء في مغاور أهل كهف هذا العصر.

إن هذه الطائفة الضالة في النهضة لا تزال تعكّر صفو البلاد بتكالبها على الحكم ومظاهره الخدّاعة، فهي لا تزال ترفض ترك من يعمل من هؤلاء الذين صفت نيّتهم للسير بتونس إلى بر الأمان. إنها لا ترى في الحكم إلا وسيلة لانتهاج ما بدا لها إسلاما وغاب عنها أنه ليس من الإيمان في شيء.
فإسلامها ظلامي، أعرابي المفهوم؛ وهو عندها، تماما كما كان عند من سبقها بالجزيرة العربية، الوسيلة الكبرى للوصول للحكم والبقاء فيه لقتل الحريات من أجل مصالح ضيّقة لفئة، وأغراض أنانية في زيف أوساخ الحياة الدنيا.

و بالطبع، ليس هذا إسلامك، أيها التونسي العربي الأبي، الغيور على ذاتيته، المتمسّك بدينه، وقد كنت بادرت بنشر نوره على ربوع هذه البلاد وفي أصقاع المغرب الكبير، وعلى مشارف القارة المجاورة، بل وحتى داخلها. وأنت اليوم، بربيع ثورتك المجيدة، لقادر بحق على مواصلة نشر الإسلام المتجدّد، الإسلام التنويري، في عقول البشرية جمعاء، وهي عطشى للروحانيات في عصر ما بعد الحداثة؛ إذ الإسلام ما بعد الحداثي بطبعه.
إن الإسلام كخاتم للأديان لا يمكن له أن يكون حجازيا ولا إسلام الجزيزة العربية بتاتا كما هو اليوم، وإلا انتهى كدين عالمي التعاليم، علمي الأحكام؛ وهو كذلك. فهذه الصفة الكبار في ديننا الحنيف لا تتأتى له إلا ما دمنا متمسكين بروحه، فأعملنا العقل والإجتهاد في نصه، وكنا أوفياء بحق لما يطلبه منا خالقنا، ألا وهو الإجتهاد ثم الإجتهاد بلا هوادة في شؤون دنيانا.

ذلك لأن الإسلام دين ودنيا، والجهاد به الأكبر، وهو الوحيد اليوم، لهو مجاهدة النفس الضعيفة، الأمّارة بالسوء، هذه النفس كما تتجلى في أسوأ مظاهرها داخل صفوف النهضة اليوم وقد أضلّتها حلاوة الحكم عن روح الإسلام كما أضلّت قبلها العديد من المسلمين ممن نسوا دينهم وأخذوا بزخرف الحياة الزائفة.

فقلها إذا، أيها التونسي المتعلّق بإرادة الحياة، قلها لمن يدّعي في الدين معرفة من أصحاب الكهف بالنهضة : لقد حان وقت الإسلام بتونس، لكنه وقت الإسلام التنويري، لا إسلام جحافل الظلام ومواكب خلاّن الشيطان وذبّان البلاطات، المؤلّفة قلوبهم على الظلم والمخادعة.

الإسلام بتونس نظام محبّة؛ فلتحب النهضة الشعب ولتحترم دينه، وإلا لتهجر تونس النيّرة لأصقاع الظلام التي تحلم بها؛ فلا مكان لها بتونس الأنوار، تونس الإسلام المتجدّد، تونس إسلام الثورة المستدامة على العقول المحنّطة؛ لأنه دين أزلي، دائم التجدد، ثوري على الدوام.

ولتذكّر، أيها التونسي السمح، الباسم الثغر، المتواضع النفس، من نسي دينه فارتد عنه بصلفه وتكبّره واعتداده بنفسه من النهضة وأعرابها، سلفية الأكاذيب، فكفروا بروح الدين القيّم وعبدوا نصا أفرغوه من روحه، لتذكّرهم بما جاء في الفرقان : َ«يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ» (سورة المائدة الآية 54).

ووضّح، يا أخي في الوطنية والإسلام، لمن جهل أو تجاهل الفرق بين العرب، ولد إسماعيل، والأعراب، أن ليس في كلامك عنهم أي احتقار أو ازدراء، إذ صار ذلك اسما لسكّان البادية، كما قال الراغب في المفردات؛ ويقال أيضا لهم أيضا الأعاريب، وقد انتشر النعت عندنا كصفة لهمج الشعب ورعاعه.

وذكّرهم، إذ الذكرى تنفع المؤمنين، أن الأعاريب، كما قال الشاعر، معروفون بسوء نيّتهم إضافة لقلّة دينهم، رغم معرفتهم الجيدة بلغتهم العربية، إذ هم مهدها. وأحلهم على ما يقول المرزوقي في شرح ديوان الحماسة متحدّثا عن أخلاقية الأعراب، مستشهدا بقول الشاعر : «أعاريب ذوو فخر بإفك … وألسنة لطاف في المقال | رضوا بصفات ما عدموه جهلاً … وحسن القول من حسن الفعال. يقول : إنهم يفتخرون بمفاخر مأفوكة مكذوبة، ولهم ألسنة يلطفون بها، ويصورون الباطل من مفاخرهم بصورة الحق، فهم أصحاب مقال لا فعال، وأرباب كذب وزور، لا حق وصدق، ولجهلهم يرضون من أنفسهم ولها بأن يصفوها بما هو معدوم فيهم، وقنعوا بحسن الصفات من أنفسهم بقولهم، وإن عدموا شهادة الأشهاد على دعواهم، اعتقاداً منهم أن القول يغني عن الفعل، وأن الخبر يكتفي به عن الخبرة، وأن الكرم في الدعاوي لا في الحقائق.»

لا شك أن أعاريب تونس اليوم من النهضة والسلفية الكاذبة على الإسلام هم هؤلاء الذين تحدّث عنهم القرآن مفنّدا علمهم بالدين، نافيا إيمانهم : «الْأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ» (التوبة 97). فهم يدّعون خدمة الإسلام ويتّهمون غيرهم بالمروق عنه، وإنما هم المارقون؛ فشأنهم كشأن من قال فيهم مالك بن أسماء : «لو كنت أحمل خمراً حين زرتكم … لم ينكر الكلب أني صاحب الدار| لكن أتيت وريح المسك تفغمني … وعنبر الهند مشبوباً على النار| فأنكر الكلب ريحي حين أبصرني … وكان يعرف ريح الزق والقار».

فلتكن هذه منك كلمة الحق التي تدمغ الباطل؛ وليتّعظ من أراد الحق وليتوب من أيقظه وخز الضمير؛ وإنما الله يهدي من يشاء. ثم قل معي: ألا هل بلّغت؟ اللهم فاشهد!