islam

بقلم فرحات عثمان

هذه تذكرة لمن صحّ إسلامه لنصرة الإسلام الحق بتونس، أساسها ما قاله عالم جليل في متن كان يتعلّمه كل طفل في مدارسنا، فلا تغيب عنه حقيقة الإسلام وكنه تعاليمه المتسامحة.

لأن الإسلام بتونس، تماما كربوع بلادنا العزيزة، مشرق الأنوار، متسامح التعاليم، باسم التعابير، محب للخير، بعيد عن الشر والمفاسد، نظيف اليد والضمير.

فقد ثبت اليوم أن الفهم الأعرابي للإسلام، هذا الفهم الذي ندّد به القرآن، يتقدم بجحافله، وهي أعتى من جحافل التتر والمغول، ليجعل من إسلامنا ظلاما وهو نور على نور!

لذا وجب على كل مسلم غيور بحق على دينه أن يصرخ حتى يجيبه كل من حسنت نيّته وصدق إسلامه : واإسلاماه !
فالفهم السلفي الخاطيء للدين، ذلك الفهم الذي يأخذ الأكاذيب ويبتعد عن الحقائق كما بيّنتها الصوفية، وهي السلفية الحقة، يريد أن يقوّض صرح الإسلام المنيع الذي جاءت الثورة لإعادة تشييده بسواعد أبنائها العزّل من أي سلاح، إلا سلاح الحسنى في التصرّف الأمثل والكلمة الطيّبة، وخاصة نقاوة العمل واللسان وصفاء الفؤاد!

فلنذكّر هنا، والذكرى تنفع المؤمن الحق، ما قاله منذ أمد بعيد الإمام عبد الواحد ابن عاشر في المرشد المعين على الضروري من علوم الدين، الذي نظّم أبياته، كما بيّن ذلك بنفسه، لتفيد الأمّي والجاهل، وقد كثرت أعدادهم اليوم بتونس وبخاصة في صفوف هذا الحزب الذي ادّعى النهضة للإسلام وهو يعمل على إنكاسها.
فمن واجبنا اليوم العودة إلى ما جاء في هذا المتن الذي بإمكان كل شابة وشاب حسنت نيتهما، سواء كانا بالمدينة أوالبادية، أن يسألا والدهما أو أمهما أو جدهما أو جدتهما عنه فيروونه لهما عن ظهر قلب، تماما كما سأذكّر به هنا.

فشبابنا غوى لما اعتاد سماعه من كلام أهوج عند البعض ممن جهل دينه اليوم فأصبح أمّيا أو، على أفضل تقدير، من الجهل المدقع بدينه لبمكان، إذ هو لا يأخذ إلا بنتف من فهم أعرابيّ كله تشويه للإسلام لقلبه لمفاهيمه المتسامحة، العلمية، العالمية النزعة والمضمون والغاية.

فالفهم الإسلامي العربي الصحيح هو الفهم الذي يحترم هذه الخاصية الأساسية وذلك أخذا بمقاصد الشريعة، وهي كلها محبة من الخالق لعباده، كل عباده، سواء اهتدوا إلى محجته أو بقوا لوقت، طال أم قصر، في طريق الهداية الشاق العسير. والله يهدي من يشاء.

وطبعا، نحن لا نفرّق بتاتا بين العربي والأعرابي إلا في فهم منطوق الإسلام، لا في الأصل والفصل، لأن التقوى هي التي تميز بين البشر، كل البشر، العرب والأعراب أو غيرهم.

فهذا ما بيّنه وذكّر به ديننا الحنيف الذي لا يأتيه اليوم الضيم إلا ممن ادعى خدمته وهو يعمل عى تقويض صرحه المنيع كطابور خامس، شعر أو لم يشعر بشناعة فعلته.

ونحن، خلافا لفعل هذا المسيء لدينه ولقوله، لا نقوم إلا بتذكيره بواجبه وتنبيهه إلى الجادة وإعادته إلى ضميره بالتي هي أحسن مع الدعوة له بالهداية ولا شيء غير الهداية.

إن هذا لهو الدين القيّم، الدين الذي يجعل من المثل الطيّب أعلى درجات الإيمان بالله. فنحن لا نتمنى الغيظ ولا خاصة الموت لأحد، فما بالك بالسعي لها! فليس هذا هو الإسلام ولا شك.

ثم نحن لا نعبس ولا نتولّى؛ وقد وصل علوّ شأن البشاشة وحسن الخلق في ديننا إلى الحد الأقصى الذي جعل الله العلي العظيم يلوم رسوله الأكرم على تقصيره في ذلك، مع أنه خير الآنام، وما كان الأمر منه إلا لصالح الدين كما بدا له!

فأنصت، أيها المسلم الحزين، العابس القمطرير، واعتبر لما يقول الإمام ابن عاشر بعد أن لخّص في مختلف كتب المتن فقه الدين كما أخذت به بلادنا، أي الإسلام المتسامح المالكي في صبغته الأشعرية وسماحته الصوفية.
يقول في باب هو خاتمة المتن، أي مسك الختام :

وتوبة من كل مذنب يُجترم… تجب فورا مطلقا وهي الندمْ
بشرط الاقلاع ونفي الإصرار… ولْيتلاف ممكنا ذا استغفارْ
وحاصل التقوى اجتنابٌ وامتثالْ… في ظاهرٍ وباطنٍ بذا تنالْ
فجاءت الأقسام حقا أربعة… وهي للسالك سبيل المنفعة ْ
يغُض عينيه عن المحارم… يكفُ سمعه عن المآثمِ
كغيبةٍ نميمةٍ زورٍ كذبْ… لِسانهُ أحرى بترك ما جُلِبْ
يحفظ بطنه من الحرام… يترك ما شُبّه باهتمامْ
يحفظ فرجه ويتّقي الشهيدْ… في البطش والسعي لممنوعٍ يُريدْ
ويُوقف الأمور حتى يعلما… ماالله فيهن به قد حكمَا
يطهّر القلبَ من الرياء… وحَسَدٍ وعُجبٍ وكل داءٍ
واعلم بأن أصل ذي الآفاتِ … حُبّ الرياسة وطرحُ الآتي
رأس الخطايا هو حب العاجلة… ليس الدوا إلا في الاضطرار لهْ
يصحب شيخا عارف المسالكْ… يقيه في طريقه المهالكْ
يُذْكره اللهَ إذا رآه… ويُوصل العبد إلى مولاهُ
يُحاسبُ النفس على الأنفاسِ… ويزنُ الخاطر بالقسطاسِ
ويحفظ المفروضَ رأسَ المال… والنفلُ ربحُه به يُوالي
ويُكثرُ الذكرَ بصفو لُبّه… والعونُ في جميع ذا بربّهِ
يجاهدُ النفسَ لرب العالمينْ… ويتحلّي بمقاماتِ اليقينْ
خوفٌ رجَا شكرٌ وصبرٌ توبةْ… زهدٌ توكّلٌ رضَا محبّةْ
يصدُقُ شاهدَهُ في المعاملةْ… يرضى بما قدّرهُ الإلهُ لهْ
يصير عند ذاك عارفا به… حُرّا وغيرُهُ خلا من قلبهِ
فحَبّهُ الإلهُ واصطفاهُ… لحضرِة القدّوسِ واجتباهُ
ذا القدْرُ نظما لا يفي بالغايةْ… وفي الذي ذكرتُهُ كفايةْ.

هوذا الإسلام التونسي، الإسلام الصحيح! فهلا أصغيت واستنرت، أيها المسلم الغيور على دينك، فصحّحت إسلامك حتى يكون بحق هذا الدين القيم، الحنفية المسلمة، العلمية التعاليم والكونية في ثقافتها الإنسانية؟ إن هذا لهو الإسلام، خاتم الأديان كلها!

وما قدّمنا هنا إلا الغيض من فيض الحكمة الإلاهية، نقول في ختامه لمن قرأنا بحسن نيّة وصدق سريرة مبيّنا بذلك عن إسلامه الحق، نقول كما قال عالمنا الجليل ابن عاشر: اسأل النفع بما قرأت على الدوام بجاه سيّد الآنام!

ونعيد هنا فنكرر للإفادة أننا عندما نتكلم عن الصوفية، وقد كان ذلك واضحا جليّا عند الشيخ الجليل ابن عاشر، لا نتحدث عن صوفية الدجل التي مثلها في الكذب مثل سلفية الشوارع؛ إنما نتحدث عن صوفية الحقائق، صوفية الجنيد، وهو أحد دعائم الإسلام الصوفي، الإسلام التونسي الحق.

فقد بيّن ذلك الإمام ابن عاشر إذ قال في كتاب مباديء التصوف وهوادي التعرف، الذي ذكّرت أعلاه ببعضه، أنه كتبه : في عقد الأشعري وفقه مالك… وفي طريقة الجنيد السالك.

ولنا، إن شاء الله، عودة مع الجنيد السالك، سيد الصوفية بلا منازع، في البعض من روائعه عن كنه الإسلام الحق، هذا الإسلام الذي غاب فهمه اليوم عن الحزب الذي صوّت له التونسي حتى يرعاه حق رعايته، فإذ الأغلبية فيه تسعى جاهدة للاضرا به وبتونسنا العزيزة.

فيا خيبة مسعى حزب الشيخ الغنوشي وهو يضيّع بذلك الفرصة السانحة للدخول في التاريخ من بابه العريض لرعاية حقوق الله وإحياء علوم الدين مجددا في هذه الربوع!

فأيها التونسي الأبي، تونس الانقلاب عل عهد مضى بزيفه، لك في نهضة اليوم، كما رأيناها تتظاهر بالأمس بشوارعا عوض العمل حقا لمصلحة البلاد، لك المثل الدامغ لمن جاء يعمل لإعادة الأمور على سالف عهدها من ظلام الديكتاتورية البغيضة؛ولا يغرنك أن يكون عملها هذه المرة باسم الدين، لأنه أعرابي المفهوم، سلفي الظاهر، كاذب الباطن.

إن ديننا الحق يناديك، فهل تلبي النداء؟ أنصر دينك ونبيّك بالتصدي لجحافل تتر آخر الزمان،وهم يريدون طمسه في هذه الربوع!

إن حزب النهضة بيّن أن صفوفه لملأى اليوم بيأجوج ومأجوج، فأغلبيةٌ فيه تريد استغلال وجودها في سدة الحكم لخنق حرياتك وهتك إرادتك في الحياة بقهرك على فهمٍ جاهلي للإسلام يأتينا من خارج بلادنا، من ربوع فرض الشيطان فيها بالقوة مسخه للإسلام بمفهوم أعرابي ندّد به القرآن وفنّدته سنة الرسول الأكرم.

فلتكن تونس عين جالوت تتر آخر الزمان، إذ تونسنا جميلة مشرقة، صحيحة الإسلام؛ وهي تونس إرادة الحياة التي ستبقى منارة إسلامية في تعاليم تنويرية دوما مضيئة؛ وذلك لأجل حب أبنائها المخلصين لها، إذ هم يردّدون ما قاله شاعرنا الخالد :

هكذا المخلصون في كل صوب…رشقاتُ الرّدى إليهم مُتاحهْ
غير أن تناوبتنا الرزايا… واستباحتْ حمانا أي استباحهْ
أنا يا تونس الجميلةُ في لج… الهوى قد سبحت أي سباحهْ
شِرعتي حُبّكِ العميقُ وإني… قد تذوقتُ مُرّه وقَراحهْ
لستُ أنصاع لِلّواحي ولو متّ وقامتْ على شبابي المناحهْ
لا أُبالي، وإن أُريقت دمائي… فدماءُ العشّاق دوما مُباحهْ
وبطول المَدى تُريكِ الليالي… صادقَ الحبّ والوَلاَ وسَجاحهْ
إن ذا عصرُ ظلمةٍ غير أنّي… من وراء الظلام شمتُ صباحهْ
ضيّع الدهرُ مجد شعبي ولكن… ستردّ الحياةُ يوما وشاحهْ