islam

تنبيه هام : نظرا لطول المقالة، نكتفي بالتوطئة والمدخل العام مع توفير تحميلها كاملة هنا. ويمكن العودة إليها على موقع صاحبها. كما يمكن قراءة كل من:

تجديد العروة الوثقى الإسلامية 1: حول تعاليم إسلام ما بعد الحداثة

في تجديد العروة الوثقى الإسلامية 2: لا تحريم للواط في الإسلام

الفهرست

0 – توطئة
أ – كيف نُبقي ظلال الإسلام وارفة
ب – كيف نحافظ عى أنوار الإسلام ساطعة
1 – مدخل عام : في ماهية الإسلام
أ – الإسلام دين حضارة
ب – الإسلام دين ودنيا
ج – مقتضيات مميزات الإسلام
2 – مفهوم الإيمان في الإسلام
أ – الإيمان والإسلام
ب – الاعتقاد في الإسلام
ج – حرية الاعتقاد في الإسلام
3 – في ماهية الردة
أ – الردة لغة
ب – الردة فقها
ج – ما بين الردة والتبديل من اختلاف
4 – الردة هي تبديل الدين
أ – التبديل في اللغة
ب – التبديل في التاريخ
ج – التبديل فقها
5 – الردة/التبديل في التاريخ الإسلامي
أ – تاريخية الردة/التبديل في الإسلام
ب – الردة الفقهية هي التبديل
ج – الانقلاب السياسي هو الردة
6 – حكم الردة الحالي في الإسلام
أ – موضوع الردة قرآنا
ب – موضوع الردة/التبديل سنة
ج – موضوع الردة/التبديل فقها
7 – نحو موقف إسلامي أصيل
أ – الردة من الزاوية الدينية
ب – الردة من الزاوية السياسية
ج – الردة من الزاوية الحضارية

0 – توطئة :

أ – كيف نُبقي ظلال الإسلام وارفة :

في مقدمة كتابه في ظلال القرآن الذي تكفلت أخيرا دار الشروق بمصر، بالأصالة عن أخ الشهيد وباسم ورثته، إعادة طبعته في حلة مكتملة ورسمية، يقول الشهيد سيد قطب : « في ظلال القرآن نعمة. نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها. نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه… وعشت – في ظلال القرآن – أنظر من عُلو إلى الجاهلية التي تموج في الأرض، وإلى اهتمامات أهلها الصغيرة الهزيلة… أنظر إلى تعاجب أهل الجاهلية بما لديهم من معرفة الأطفال، وتصورات الأطفال، واهتمامات الأطفال… كما ينظر الكبير إلى عبث الأطفال، ومحاولات الأطفال، ولثغة الأطفال.. وأعجب.. ما بال هذا الناس؟! مابالهم يرتكسون في الحمأة الوبيئة، ولا يسمعون النداء العلوي الجليل، النداء الذي يرفع العمر ويباركه ويزكيه؟»
ويختم سيد قطب المقدمة بما يلي : « هذه بعض الخواطر والانطباعات من فترة الحياة في ظلال القرآن، لعل الله ينفع بها ويهدي. وما تشاؤون إلا أن يشاء الله.»

ويقول محمد قطب، شقيق الشهيد، بخصوص استغلال البعض لكتب شقيقه : « ولو أن هذا البعض كان يبغي نشر الدعوة وحده فما كان الأمر ليسوءنا، علم الله. أما وهم يتّجرون بها، ويجعلونها مجالا للمضاربات والمنافسات، فقد كان الأمر في حاجة إلى مراجعة تردّ الأمور إلى نصابها، وتحفظ للكتب مكانتها وللمؤلفين حقوقهم.»

إن هذه السلسلة التي شرعنا فيها بما سبق أن قلنا في موضوع اللواط أو المماثلة لهي تندرج تحت ظلال القرآن الوارفة، لا كما يفعل البعض من استغلال وتجارة. إنها للنهل من منبع عذب سلسبيل، هو هذا الدين الذي فيه، لأجل كونيته وعلميته، من الزاد العلمي ما لا يفنى ومن الغذاء الفكري ما لا حد له لأصحاب النهى الذين حسنت نيتهم.

والنية الحسنة اليوم لتكون في محبة الآخر، كل آخر، على هناته ما دام يطلب العلم. والعلم الحق ليس بالشيء الذي يُمتلك، بل هو تلك السبيل التي ندرج عليها بحثا عن حقيقة ليست إلا ذاك الأفق الذي يمتد أمامنا فنمشي نحوه دون الوصول إليه أبدا.

ب – كيف نحافظ عى أنوار الإسلام ساطعة :

ولعله من الضروري التأكيد هنا على أننا في تعاملنا اليوم مع تراثنا، لا بد لنا أن نتوخى أفضل الطرق في الأخذ بهذه الثروة التليدة وأثمن الوسائل حتى لا نخلط مكنوزاتها بما كوّمه عليها الزمن من تراكمات طارئة تشينها ولا تزينها.

فمن ذلك، في الأخذ بما جاء به القرآن، الإلتزام بحرف النص وروحه؛ فإن تطابق النص وروحه، كان النص بحرفه المرجع الأوحد، وإن اختلف النص مع روحه، غلبت الروح لعلو شأنها في ديننا، ولأنها من كلام الله تماما كالحرف واللفظ، إلا أنها أرفع مقاما.

وطبعا، في الأخذ بروح النص، يأتي دور التأويل، ولا يكون إلا بالعودة أولا وقبل كل شيء إلى السنة الشريفة ثم إلى مقاصد الشريعة.

ونحن لا نفعل ذلك إلا كما دأب عليه السلف الصالح في المباديء لا في التطبيقات، حيث أنه انطلق من مبدأ تطبيق مقاصد الشريعة في تأويل ما أُبهم منها، ثم انحاز بهذا التأويل إلى ما أفرزه العقل الإسلامي في لحظة من تاريخه فجعله قانونا إلاهيا بينما لا يعدو أن يكون استنباطا بشريا يحتمل الصحة كما يحتمل الخطأ، وتنطبق عليه ما ينطبق على البشر من النقصان وإمكانية التغير، بل وضرورة التبديل عند الحاجة حتى يبقى متطابقا مع مقتضيات الزمان وحاجيات البشر. وفي هذا تكمن أزلية تعاليم الدين.

ولتوفير كل الضمانات العلمية لمثل هذا العمل الذي تميزه النزاهة أولا وقبل كل شي، تلك النزاهة العلمية التي لا محيد عنها في ديننا، نرى أنه لا يجب العمل اليوم بصفة آلية بما توصل إليه الفقه في فترة من تاريخه، ألا وهو تقديم السنة الصحيحة ضرورة على القرآن إلى حد قبول نسخها له، ثم عدم قبول هذه السنة الصحيحة إلا في ما اتفق عليه البخاري ومسلم.1

فنحن إن تابعنا التوجة الفقهي الغالب في بلاد الإسلام إلى الآن، والذي كانت فيه الفائدة الكبرى سابقا إلا أنها انتفت اليوم، بل عادت بأكبر الويلات على الإسلام إذ جعلته متحجرا، فنحن لا نتصرف إلا كاليهود وقد تركوا التوراة إلى مقولة الأحبار؛ فهل مثل الفقهاء في الإسلام مثل الأحبار؟ كلا، إذ يكفي الإحالة هنا إلى ما كان يقوله أئمة مذاهبنا الأربعة للتأكيد على أنهم ما كانوا إلا مسلمين كأي الناس، إلا أنهم اجتهدوا؛ ولكل في الإسلام أن يجتهد مثلهم إذا عرف دينه وحسنت نيته.2

فلا شك أن في هذين التوجهين من الفائدة لديننا ولعلميته وكونيته الخير العميم، إضافة لما فيهما من صفاء نية وصدق في التعامل مع نص مقدس لا تحتمل قدسيته أي تحامل إيديولوجي تفرزه الطباع البشرية التي خلقها الله ناقصة بالضرورة.

لذا، فإننا في ما يلي من مقولات، عند حديثنا عن السنة الصحيحة، لا نشير إلا لما اتفق عليه الشيخان. أما عدا ذلك، فلا يكون عندنا الدليل القاطع، خاصة عند انعدام النص القرآني، بل يبقي مجرد توجه عام، ربما نعود إليه لمجرد الإستنارة.

نعم، لا شك أن ما سبق لا يُعجب الكثير ممن تعود على طريقة أكل عليه الدهر وشرب في التعامل مع الدين، بل وهناك من أكل وشرب بالدين فجعله تجارة يعيش بها ويتقوّت.3 إلا أنها تبقى اليوم الطريقة المثلى التي أرى من شأنها أن تضمن لديننا ما هو حقا وبلا مراء، أي أنه خاتم الأديان؛ وذلك يعني أن بإمكان أي مؤمن بالله موحد له، سواء أكان يهوديا أو مسيحيا أو غير ذلك، أن يقول بحق ودون تردد : أنا مسلم حنيفي.

وهكذا، يُترك المجال مفتوحا في الإسلام أمام كل إنسان انعدم فيه الإيمان بالله، فلا نمنعه البتة من إمكانية العود إلى رحاب الإسلام الواسعة وظلاله الوارفة إذا حدث يوما _ وليس ذلك بالمستحيل، فالله يهدي من يشاء _ أن أفاق عقله إلى حقيقة الذات البشرية وضعفها حيال ذات إلاهية عليا، بل وإلى حاجتها القسوى إليها ضرورة، فتراه يقول بتوحيد الله ويرنو إلى التوحيد والحنيفية؛ فيُقبل منه ذلك كما أراده اللهُ ودعا إليه.

1 – مدخل عام : في ماهية الإسلام

إن الإشكال الكبير في الحديث عن الإسلام يتمثل في الوقوف على ماهيته إذ هي تخفى أحيانا حتى على المؤمنين به، العارفين له، فلا يدركون حقيقته على تمامها.

وطبعا، لن نتكلم عن هؤلاء الجاهلين للإسلام، الغرباء عنه وعن روحه، وليسوا هم ضرورة بالغرباء بالمعنى اللغوي، الذين لا يرون في ديننا إلا مجرد الدين، أي الشعائر مجردة، فينزعون عنه خاصية أساسية، ألا وهي أنه دين ودنيا في الآن نفسه.

ما يهمنا هنا هو التوجه إلى من يعطي الإسلام حق قدره في أنه دين عبادات ومعاملات دون أن يعرف معنى هذه الميزة أو ما تؤشر له لتذكيره بمقتضيات ذلك والتنبيه عليها.

فالعديد من مسلمي هذا الزمان ينسون في حماسة تعلقهم بدينهم ما يميزه عن الأديان الأخرى مما جعله يبقى هذا الدين القيم دائما وأبدا؛ لذا، تراهم يتنكرون لأخص خاصياته بما يأتونه أحيانا من تنكر لبعض ميزات دينهم، لا لشيء إلا لأنهم يحاولون، عن وعي أو لا وعي، المساواة بين تعاليمه وما عهدوه من تعاليم اليهودية والمسيحية وقد اندست فيه زمنا حتى أنها ظُنّت منه. والكل ممن عرف حقا تاريخ دينه يعلم إلى أي مدى بلغت الإسرائيليات من التغلغل في الإسلام.

لذا، فلا بد من تذكير هؤلاء بما يختص به دينهم حتى يعظمونه حق قدره بتمييزه حقا عن سائر الأديان لما فيه من تلاءم مع الطبيعة البشرية والنزعات الإنسانية في ما يميزها من عالمية وشيوع بشري أيا كان الطبع الإنساني ونمط حياته. ولا شك أن ذلك ما يؤكد أخص خاصيات الإسلام ألا وهي أزليته التي جعلته بحق خاتم الأديان.

ولكن، لا يكون ذلك حسب المفهوم الذي آلت إليه تأويلاتنا لديننا، بل على أساس المفهوم الأصح المبني على فهم سليم للشريعة على ضوء مقاصدها. ولا شك أننا نتبين هذه المقاصد من خلال صفات إسلامنا الأساسية كما نبينها في ما يلي :

أ – الإسلام دين حضارة :

إن الإسلام دين وحضارة، أو دين حضاري أو دين حضارة. وهذا يعني الشيء الكثير على مستوى نظرتنا لديننا وتعاملنا معه ومع الآخذين به. فصفة الحضارة التي يتميز بها ديننا تجعل منه ذلك الدين الذي لا تلخّصه شعائره، فلا تكفي لوحدها للتدليل عليه وعلى الإيمان به.

نعم، للشعائر أهمية قصوى، إنما ذلك لا يهم إلا الجانب الديني في الإسلام، لا الجانب الحضاري منه. فهذا الجانب الأخير مداره كل ما يميّز الدين من ثقافة ومعالم حضارية، لذا فهو فيها أقرب إلى مبادئه العامة، وروحه العالية التي تخص البشرية قاطبة، منه إلى شعائره ومعالمه التي ترتبط بأسباب نزول وأرض ووحي وأمة مبعث.

ولا مجال للشك في أن الإسلام جاء كدين مؤسس لحضارة. فما إن تأسس كدين حتى انتشر بتعاليمه السمحة فاتحا لعهد من التطور الفكري والتسامح بين الشرائع مما مكنه من بناء حضارة إنسانية، لم تكن دينية أو إسلامية بقدر ما كانت روحانية مغذية لما في البشرية من نزعة للإيمان والارتواء من القيم الروحية والأخلاقيات السامية، وقد لخصتها مباديء ديننا الحنيف خير ما يكون التلخيص.

فالحضارة من أهم تجليات الدنيا، إذ هي أعلى ما يصل إليه الإنسان من تطور ورقي في هذه الحياة الدنيا، فهي بمثابة الجنة بالنسبة للمؤمن. لذا، حرص الإسلام حرصا شديدا على أن تكون حضارته إنسانية عامة، لا فرق فيها بين بشر وبشر إلا بالتقوى، أيا كانت طبيعة تقواه وأيا كان مسمّاها، إسلامية أو يهودية أو مسيحية، أو حتى إلحادية. ففي الجنة، لا فرق ولا تفرقة بين من حباهم الله برضوانه؛ ومشيئته في ذلك حرة لا راد لها.

لقد جاء الإسلام بالعود على بدء، وهو الحنيفية المسلمة. ولنبين هنا أن الحنيفية لم تكن قصرا على دين أو ملة، بل كانت منتشرة بين من كان متمسكا بالروحانيات من البشر، النساك والزهاد منهم خاصة، ممن أسلموا أمرهم لخالقهم. وهذا طبعا هو معنى تعريف المسلمة الذي ينطبق على تلك الحنيفية، لا كما اعتقده البعض من أن في ذلك إشارة إلى شعائر الإسلام كما جاء بها سيد الآنام رسولنا الأكرم؛ بل هذه الحنيفية المسلمة هي الإيمان بالله، أيا كانت شعائر ذلك الإيمان، ما دام العبد موحدا لله، مسلما أمره إليه.

ب – الإسلام دين ودنيا :

وبما أن الإسلام دين حضاري، فهو في بعده الدنيوي أو المدني لا يبعد من الأخذ بكل ما تواترت الحضارات في الاغتراف منه داخل مجتمعاتها، أيا كانت مشاربها، بما أن تعاليم الإسلام كونية ونزعتها علمية لا دينية بحتة.

فالإسلام لا يخلط بين الحياة الخاصة والحياة العمومية، ففي الأولى مدار الدين في جانبه الشعائري، بينما لا تطال هذه الشعائر الحياة الخاصة التي تبقى من باب السرائر التي لا يتطلع عليها إلا الله؛ فلا دخل لأحد في حياة الناس الشخصية.

لذا، لا مجال في الإسلام لفرض نمط خاص طابعه ديني علي أمور الدنيا، كما لا تُفرض هذه على أمور الدين؛ فلا خلط بين السياسة والدين مثلا، كما لا خلط بين مقتضيات الدين والدنيا، إذ لكل شأن مرجعيته. فللدين مرجعيته حددها القرآن وبينتها السنة، وللدنيا مرجعيتها يحددها القائمون بشؤون الناس كنواب الشعب في النظم الديمقراطية.

ولا مجال لإقامة الدين كأس لنظام سياسي إذ نحن بذلك نجعل منه مجرد مجلة قوانين بشرية، فنفرغه من جانبه الديني دون أن نشعر. ذلك أن الأمور البشرية البحتة لا بد أن تبقى من أنظار البشر، لما لها من ضرورة التبديل والتغيير والتطور المستدام بسبب ما تمتاز فيه طبيعة البشر من النقص وعدم الكمال.

وطبعا، يبقى الدين بمبادئه وروح تعاليمه مرجعا من المراجع، بل ومن أهمها، دون أن يكون الأوحد، وذلك باعتماد مبدأ عدم المزج بين الديني والدنيوي، فأمور الدين خالصة لله وحده وأمور الدنيا خالصة لمخلوقاته وقد أعطاها ما يجب من عقل للتصرف بحكمة على هدي نوره.

لا يجب إذا أن نخلط بين الدنيا والسياسة. فالسياسة هي أن يصرّف العبد أموره حسب ما تقتضيه أحواله ساعيا إلى ما هو أصلح له ولغيره من البشر، إذ من سنة الله في خلقه أن يكن الإنسان مدنيا بطبعه؛ وهذا يقتضي الأخذ بالصالح العام.

وبما أن النظام البشري الأفضل هو النظام الديمقراطي الذي يعتمد على مؤسسات تُحترم فيها حرية الآخر عبر آلية الأغلبية والأقلية وتعاقبهما على الحكم، فالدين يترك الأمر لأهله ولا يخلط ما لا يخص إلا البشر في حياتهم، وهي أمور معرضة للنشوء والارتقاء وجوبا، مع ما يخص العبد في علاقته بربه، وهي علاقة تديرها مباديء لا تغيّر فيها ولا تغيير لأنها أزلية.

لذا، لا يكون أمر السياسة في الإسلام إلا منحازا عن الدين مع أنها جزء منه، ولكنها جزء مستقل بذاته، من الأمور التي لا علاقة لها بالملة إلا في مبادئها العامة التي هي نفسها مباديء السياسة الحكيمة، كالعدل والشوري واحترام الحريات وضرورة الرأي الآخر؛ إلى غير ذلك من المباديء الديمقراطية.

فالدنيا كما يراها ديننا، أي سياسة الدنيا أو السياسة الدنيوية، هي في التفريق بين مسائل الدين والدنيا التفريق التام خلافا لما يعتقده البعض ممن لم يفهم دينه على حقيقته؛ فليس هناك نظاما سياسيا دينيا في الإسلام ولا إسلاما سياسيا بالمفهوم الوضيع المتعارف عليه.
فالمفهوم الديني للدنيا هو سياستها حسب مقتضيات البشر الآنية بالإستنارة بمباديء الإسلام الأساسية، لا في تصريف أحكام الإسلام الدنيوية على حياة البشر التي هي أحكام تخص مجتمع ونمط حياة ليس لها من الأزلية إلا روحها، أما نصها فقيمته في تطابقه مع مقتضيات العصر.

ولنا في ذلك العديد من الأمثلة كقطع اليد التي جاءت في زمن كان فيه هذا الحكم أرفق مما جاءت به قوانين ذلك المجتمع؛ أو العبودية التي عمل الإسلام على الحد منها في توجه يقتضي بطبيعة الحال الوصول إلى المنع عملا بالتوجه العقلاني والتدرجي للإسلام.

فبما أن الإسلام دين ودنيا لأنه حضارة أولا وقبل كل شيء، وبما أنه لا معنى للحضارة دون البشر وأمور دنياهم، فكل مسلم حقيقي يعلم أن دينه هو شعائر وعبادات، ولكنه أيضا معاملات ومباديء أخلاقية وسياسية. ويعلم إذا أو يجب أن يعلم أن الإسلام أكثر من دين، وأن من يجعل منه مجرد دين ينتقص منه ما يكوّن لب لبابه؛ لأن الإسلام أولا وقبل كل شيء دين البشرية جمعاء، ولا بشرية دون حياة إجتماعية، ولا مجتمع بدون ضوابط وقوانين تسهر على تسهيل حياة الفرد في مجموعته وحياة المجموعة بأفرادها وقد خلقهم الله مختلفين.

والمؤكد أن الكثير من المسلمين يغلطون في فهم هذا الجانب الأساسي من دينهم إذ يذهبون خطأ إلى أن ذلك يعني أن القواعد التي جاء بها الإسلام لزمن معين هي قوانين لكل الأزمان، فيصرفون ما يميز الشعائر على ما لا يمكن أن يخص القوانين الإجتماعية.

من ذلك مثلا ما جاء به الإسلام من قاعدة نصيب الذكر في الميراث إذ أعطاه مثل حظ الأنثيين في زمن لم يكن للأنثى أي حظ. وطبيعي هنا أن مقاصد الشريعة التي هي في رفع قيمة المرأة ومساواتها بالرجل، ولكن بتصرف تدريجي، تفرض علينا اليوم صرف نفس النصيب للرجل والمرأة بما أن ذلك هو التوجه في ديننا خاصة بعد أن تغيرت الظروف ولم يعد دور الرجل في مجتمعه كما كان عليه في زمن رجولي بحت.

وقس على ذلك ما سبق أن قلنا من شأن قطع اليد أو زواج الرجل بأربع نساء أو حتى التبني لانتفاء الظروف التي حتمت ما جاء به ديننا مما يحتم التأقلم مع الظروف الراهنة أخذا بمبدأ مقاصد الشريعة وعملا بروح شرعنا في تأقلمها مع كل الظروف بما أن هذا الشرع أزلي التعاليم، علميها وكونيها في نفس الوقت.

ج – مقتضيات مميزات الإسلام :

إن من أخص خاصيات الدين الإسلامي، بما أنه حضارة وبما أننا لا يجب أن ننسى أنه لذلك دين ودنيا، أن يتماهى في الآن نفسه ولأجل هذه الثنائية مع مقتضيات السياسة والدين دون أن يقع الخلط بينهما. هذا من الناحية النظرية والمثالية؛ أما في الواقع فالخلط والتداخل وارد وقد تفشى في التاريخ ولاشك في ذلك؛ وقد يكون هذا عن عمد وقصد أو عن غير قصد.

وذكر هذا لا يعني البتة القبول به أو مواصلة العمل على منواله؛ بل بالعكس، يؤكد ضرورة القطع معه وجوبه. ومن هذه الأمور التي وقع الخلط فيها، فخبط أهل الإسلام خبط عشواء في التعامل معها، مسألة الردة.

وسنبين في هذه المقالة أن الردة سياسيا هي تلك الحركة الشعبية التمردية على النظام القائم التي نظر إليها المسلمون شزرا ونبذوها، بينما لا مجال إلى تجريم الردة دينيا، وما جاء فيها أي تحريم، لا في القرآن ولا في السنة كما سنرى بالتدقيق.

ولنبدأ، قبل التعرض للمسألة بالتفصيل، بتلخيص شعري بليغ لها ببيت للحطيئة يبيّن فيه كيف كانت النظرة العربية الصحيحة لما سمّي ردة دينية في حين لم يكن إلا مجرد إنقلاب سياسي على نظام حكم مدني :4

أطعنا رسول الله إذ كان بيننا | فيا لَعِبادِ الله ما لأبي بكْرِ
أيُورِثُـهـا بــكـراً إذا مـات بـعـده | وتلك لعمرُ الله قاصِمةُ الظهرِ

الهوامش :
1- يمكن العودة هنا مثلا إلى الكتاب القيم في هذا المضمار لفؤاد عبد الباقي : اللؤلؤ والمرجان في ما اتفق عليه الشيخان، مؤسسة الريان للطباعة والنشر والتوزيع.

2- يقول مثلا مالك بن أنس، وهو المرجع الفقهي ببلادنا : «إنما أنا بشر أخطئ وأصيب فانظروا في رأيي فكل ما وافق الكتاب والسنة فخذوه وكل ما لم يوافق الكتاب والسنة فاتركوه» ( ابن عبد البر في الجامع 2/32). وطبعا الإحالة على القرآن والسنة هي إحالة لا على النص وحده بل وعلى مقاصد الشريعة وروح النص، وإلا انتفت علمية الدين وعقلانيته. وما قاله مالك وغيره من الفقهاء لا يعدو أن يكون تأكيدا لقوله تعالى في الآية 3 من الأْعراف : «اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون».

3- ومن هؤلاء ولا شك، العديد من الفقهاء الذين قبلوا بتوظيف الدين للسياسة، كما عرفنا ذلك في العهد البائد. ويكفي هنا الإشارة إلى الزهري وقد أجمع المؤرخون على التحرز من العديد من مقولاته، أو المحدث الكبار أبي هريرة الذي اشتهر بلقب شيخ المضيرة لولعه بهذه الأكلة الفاخرة التي كان يشتري بها معاوية ابن أبي سفيان ضمائر الأحرار. أنظر مثلا، في الموضوع، كتاب محمود أبو رية : شيخ المضيرة، أبو هريرة، منشورات مؤسسة الأعلى للمطبوعات، بيروت، لبنان، ط 3، مزيدة ومعدلة، دار المعارف، مصر.

4- ولعله من المفيد هنا الإشارة إلى أن الحطيئة كان من الذين ارتدوا رافضين خلافة أبي بكر الصديق، ولم يقتصر موقفه علي الرفض فقط، بل هجا الصديق وحرض قومه عليه. مع العلم أنه لما استتب الأمر للخليفة، لم يصدر منه أي رد فعل تجاه الحطيئة ولا عاقبه على ما قال فيه بهجائه اللاذع. وهذا مما يؤكد سماحة الإسلام وعدم الخلط فيه بين مجرد الخلاف السياسي، الذي لا عقاب فيه، والتبديل للدين، أو الانقلاب السياسي، الممنوع شرعا، كما سنبيّنه بالمتن.

و تجدوون هنا المقالة كاملة:

⬇︎ PDF