justice-transitionnelle-350

بقلم فرحات عثمان،

تعددت الخلافات في تونس حول موضوع استقلال القضاء رغم أن المبدأ في كل ديمقراطيات العالم لا يرفع اليوم أي إشكال في حتمية إستقلالية القضاء وضرورته لحماية المجتمع من أي استبداد للسلطة، إذ الإستقلال القضائي دعامة أساسية لديمقراطية الدولة المتمدنة.

ومن الغريب حقا أن تأتي معارضة التنصيص على هذه الإستقلالية التي لا محيد عنها من جهة الأطراف السياسية ذات التوجه الإسلامي بتعلة مصلحة الدولة، وكأن مصلحة الدولة تختلف عن مصلحة الشعب، أو هكذا يخيل لهم، رغم أنه لا دولة بلا شعب، ولا مصلحة للدولة إذا لم تأخذ بمصالح الشعب، وإلا عدنا أدراجنا إلى عهد الدكتاتورية، لا بخفي حنين بل بكل كوارث الاستبداد وفواجع المظالم.

والأغرب في كل هذا هو أن هؤلاء المتحمسين لوضع القضاء تحت ربقة الحاكم ووطأة النظام السياسي ينسبونه لديننا وهو منه بريء. فالقضاء في الإسلام الحق قضاء مستقل، إنشائي، إذ القاضي لا يطأطأ برأسه لأحد، وخاصة للحاكم، لأنه يتكلم باسم الدين ومباديء الدين، أي مباديء العدالة التي يسهر القاضي على خدمتها لأجل الصالح العام، وهي أعلى وأسمى من كل حكم سياسي.

وطبعا، عندما نقول مباديء الدين، أي مباديء العدالة والقسطاس، فنحن نعني بذلك التعاليم العامة في الشريعة التي تُعنى بالجانب المدني للملة، لا كما جاءت به عاداتنا وتقاليدنا بعد أن محصها العقل البشري خلال تعامله معها، بل كما يأمر بها الإسلام في لب لبابه من التزام إحكام العقل واعتماد التوجه الكوني لرسالته في الأخذ بكل ما صلح وأعطى فائدة ثابتة في مجتمعات سبقتنا في طور الديمقراطية الذي لا نهاية لتغيره وتطورره.

فنحن نعتقد جازما أن دين الإسلام، وهو خاتم الأديان السماوية بلا منازع، لا يتنافي في أساسه، كما جاء به الرسول الأكرم، مع ما ثبتت صلوحيته في المجتمعات المتقدمة سياسيا؛ بل وكان ديننا سباقا بلا أدنى شك إلى الدعوة إلى ما تم إعتماده في هذه المجتمعات لاحقا مع التفصيل الضرورري والتدقيق المناسب، من مباديء أساسية كالشورى واحترام الغير وضرورة تعدد المشارب والأهواء وتنوع الآراء واختلافها.
وطبعا، نحن لا نجد هذا في تاريخنا الإسلامي، خاصة المعاصرمنه، لأن المسلمين لم يأخذوا دائما بدينهم ولم يطبقوا تعاليمه كما يجب، بل وظفوها لأغراض السياسة. لذلك تأخر العالم العربي والإسلامي عن ركب الحضارة على جميع المستويات، خصوصا السياسية والإجتماعية منها، بينما استفاد الغرب مما توصل إليه وعمل به فلاسفتنا وفقهاؤنا وقضاتنا في فترة ما، كما كان ذلك الشأن مع ابن سينا وابن خلدون وابن رشد مثلا.

فبهذه الصفة انتقل نور العلم لأوربا فأنارها بعد أن كانت في ليلة ليلاء من الجهالة، وهجر بلادنا وقد تنكرت له بأن سدّت منابعه طامسة علمية الإسلام وكونيته. والأدهى أن كان ذلك باسم الدين؛ فيالها من خيانة عظمى له!

ورغم كل هذا، رأينا في فترات عدة من تاريخ الإسلام، هذا الذي غدا كالحا مظلما وقد فُقدت فيه روح الدين بعد أن أُفرغ من مقاصد الشريعة فعدا أفرغ من فؤاد أم موسى، رأينا ما شاء الله من الأمثلة لقضاة شرفوا مهنتهم بأن دافعوا عن استقلالية قضائهم مما ألزمهم تحدّي الحاكم ورفض نزعته الديكتاتورية.

ومما يجب التذكير به هنا أن من هؤلاء من عرّض لا حريته فحسب، بل وأيضا حياته، إلى تسلط السلطة وتعنتها فنكلت به لمجرد أخذه بتعاليم دينه بعدم رضوخه لرغبتها في التحكم في حرية القاضي مبتغية، ككل نظام سياسي لا أخلاق له، التصرف في ضميره، متجاهلة وجوب بقاء القضاء في ديننا مستقلا ابتداء عن السلطة السياسية، لأنه لا قضاء مستقل إلا أن يكون إنشائيا، تماما كما أراده الإسلام.

ولم يسلم حتى الفقهاء من ذلك، ونحن نعلم أن القضاة كانوا من الفقهاء أولا وقبل كل شيء. ولعله من المفيد هنا أن نذكر أيضا وبالمناسبة، لمن يقدح في قيمة المرأة وقدرها في ديننا، أنها كانت ممن تعهد القضاء كما تعهدت الفتيا؛ وقد نبغ في الفتيا نساء مشهورات، على رأسهن السيدة عائشة.

ومن الضروري، ونحن نتعرض لهجمة شرسة على حرية القضاء واستقلاليته في بلادنا ممن يقرأ الإسلام قراءة ظلامية، أن نقول أن أشهر مثال يمكن اليوم التذكير به لمن دفع الثمن غاليا لأجل مثل هذه الاستقلالة التي ننادي بها، هو مثال منظر التيار السلفي الأول الفقيه آبن حنبل الذي سجنته دولة بني العباس لعدم قبوله الاذعان لأمرها في القول بخلق القرآن. وقد كان الشأن نفسه مع الشيخ اين تيمية، وهو المنظر الثاني للسلفية، وقد وافته المنية في سجن الدولة الأيوبية.

خلاصة القول إذا هي أن القضاء في عهد الخلفاء الراشدين كان مستقلا محترم الجانب. وفي العصر الأموي، كما يقول حسن إبراهيم حسن : « لم يكن متأثرا بالسياسة، إذ كان القضاة مستقلين في أحكامهم لا يتأثرون بميول الدولة الحاكمة، وكانوا مطلقي التصرف وكلمتهم نافذة حتى على الولاة وعمال الخراج.» *

إلا أن هذه الاستقلالية يدآت تتعرض لهجمات الساسة وأرباب الحكم في العصر العباسي؛ يقول حسن إبراهيم حسن **:

وقد عمد بعض الخلفاء العباسيين الى حمل القضاة على السير وفق رغباتهم ليكسبوا أعمالهم صيغة شرعية ، حتى امتنع الكثير من الفقهاء عن تولي القضاء خشية أن يحملهم الخليفة على الإفتاء بما يخالف الشريعة الإسلامية. لذلك نرى أبا حنيفة النعمان يعتذر عن تولي هذا المنصب في عهد أبي جعفر المنصور.

حسن إبراهيم حسن

وبعد، فمن المثير حقا لا لثورتنا فقط، بل ولديننا، أن النخبة السياسية التي تتبجح بتمسكها بروح الثورة وبكونها الممثل الوفي لها، وبتعلقها بالدين الإسلامي وتعاليمه، ترفض دسترة إستقلالية القضاء حتى يكون كما أراده ديننا. وهي في ذلك لا ترى إلا مصالحها الآنية لتواجدها في الحكم فتسحتلي سدته وما توفرها لها من نفوذ وتنسى أنها لن تعمر بالحكم وأن واجبها الأقدس، على الأقل من زواية مباديء حزبها الإسلامية، هو العمل لأجل صالح البلاد ومصالح الشعب، وهذا لا يكون إلا بقضاء مستقل لا يرضخ لأي حكم سياسي.

أما ما يُقال عن إمكانية تغوّل القاضي مما من شأنه الاضرار بالصالح العام، فتلك تعلة ودفع خاطيء للبمدأ، إذ هناك من الآليات ما هو معروف وكاف لتفادي مثل هذه الفرضية. ثم، لا مجال، إذا أردنا حقا النزاهة كما يحتم علينا ذلك ديننا، لعدم الأخذ بمبدأ أساسي هام بمجرد توهم أو ظن أو قل فرضية هي إستثنائية وشاذة، وقد عرفنا دوما أن ذلك مما يحفظ فلا يقاس عليه.

فلنكن ثوريين ولنضمن ببلادنا دستوريا إستقلال القضاء عن السياسة حتى تكون تونس الثورة دولة القانون، فيعلو الحق فيها ولا يُعلي عليه، وقد علا طويلا بها الباطل وأزهق الحق وذلك كان أساسا لأجل انعدام استقلالية القضاء.

فهل نريد لبلادنا أن تبقى كما كانت في عهد النظام السابق؟ هل نسعى لمواصلة إزهاق الحق باسم فهمنا الخاطيء للدين؟ فإذا لم تتوفر للقضاء إستقلاليته الحقة بمقتضى الدستور، لا شك عندها أن دار لقمان ستبقى على حالها.

وبما أن الله لا يبدّل ما بقوم حتى يبدّلوا ما بأنفسهم، وأنفس البعض منا مريضة اليوم أكثر من عقولهم، فليحرصوا على تزكيتها بالعودة إلى منابع ديننا الحقة! ولنكن نزهاء بأن نجعل القضاء تلك السلطة التامة الصلاحيات، المستقلة، الساهرة على القسطاس، الراعية له في مجتمع الغد كما أراده الله، لا لأمته فحسب، بل وللبشرية جمعاء!

المرجعان :

* د. حسن إبراهيم حسن : في تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، الجزء الأول، دار الجيل، بيروت ومكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ١٩٩٦، ص ٣٩٧.

** د. حسن إبراهيم حسن : في تاريخ الإسلام السياسي والديني والثقافي والاجتماعي، الجزء الثاني، دار الجيل، بيروت ومكتبة النهضة المصرية، القاهرة، ١٩٩٦، ص ٢٣٩.