pain-tunisie

تصوير: فتحي بلعيد – وكالة فرانس برس

بقلم محمد سميح الباجي عكاز،

نقطة البداية كانت 6 رصاصات اخترقت جسد الشهيد شكري بلعيد وفتحت جرحا غائرا في البلاد ككلّ، جرح لم يندمل حتى هذه اللحظة وما زال ينزف ويستنزف طاقات البلاد وخصوصا على المستوى الاقتصادي مهدّدا قوت التونسيّين وحياتهم وناسفا لأحلام شعب ظنّ ربيعه سيكون مزهرا…

تونس التي صمدت في 14 جانفي 2011 عقب الفراغ السياسيّ والانفلات الأمني بعد هروب زين العابدين بن عليّ، تغرق اليوم في مستنقع الارتجالية والضبابيّة وتكابد في ظلّ الأزمة الخانقة التي يعرفها اقتصادنا الوطني والتي تترجمها مؤشرات تعكس ما يعيشه التونسيّ من ضغط وضيق الإمكانيات وتقلّص لأفق الانفراج.

لم تخلو نشرة إخباريّة أو نشرية اقتصاديّة من مصطلحات تقنية من قبيل “نسبة التضخم”، “عجز الميزانيّة”، “سعر صرف العملة” وغيرها من المؤشرات الاقتصاديّة التي قيّم من خلالها الخبراء حالة الاقتصاد التونسيّ. ولكنّ ما الذي تعكسه هذه المؤشرات وما حقيقة الوضع الذي وصل إليه الاقتصاد التونسي بعد سنة كاملة؟

يتناسى السياسيّون أنّ النموّ الاقتصاديّ هو صمّام الأمان لحالة الاستقرار السياسيّ وأنّ تخفيض نسبة البطالة وتحسين مستوى الدخل الفرديّ والطاقة الشرائيّة وهيكلة البرامج التنموية وفق الاحتياجات الحقيقيّة للبلاد والانتباه إلى ضرورة خلق توازن جهويّ هو البلسم الذّي سيداوي جراح البلاد و يهدّئ نفوس النّاس، كما الحكومة أثبتت وفي مواقف عديدة أنّها كانت تمتلك برنامجا للوصول إلى الحكم وليس لتسيير البلاد وممارسة الحكم، وطرحت على النّاس وعودا لا برامج. وتواصلت سياسة الهروب إلى الأمام عبر الترفيع في الأسعار تارة والتوسّل والتداين طورا وارتهان مستقبل البلاد والسيادة الوطنيّة لتوجيهات هياكل النقد الدولية، واليوم، تعيش البلاد فصلا جديدا من فصول الهروب اللا منتهي عبر خوض صراع مفتوح ضدّ الحركات الإسلامية المتطرفّة، صراع كان من الممكن تفاديه لو أصغت الحكومة لتحذيرات المجتمع المدنيّ من تنامي التطرّف الديني وانتهاكات سابقة تغاضى عنها المسؤولون في فترة التحالف وتبادل الأدوار، وهو ما سيكون له انعكاسات كارثيّة على الاقتصاد المحلي نتيجة للتزايد المحتمل للاضطرابات الأمنيّة والصراعات السياسيّة.

الاقتصاد التونسي ولعنة المؤشرات السلبية

انقضت سنة 2013 والاقتصاد التونسي يعيش ظرفا حرجا للغاية اتّسم بالتراجع والانكماش في نموّ جميع القطاعات. وقد استمرّت حالة التدهور بعد الاضطرابات الأمنيّة والسياسيّة التّي لم تنقطع منذ ذلك التاريخ. فقد عرفت نسبة التضخّم ارتفاعا متواصلا منذ بداية السنة، إذ أنّ النسبة التي لم تتجاوز إلى موفى شهر ديسمبر 2012 5.7 %، تلامس اليوم سقف ال6.1 % في انخفاض طفيف بعد أن بلغت في شهر مارس من نفس السنة 6.5%.

ولكنّ هذا الرقم المعلن هو معطى نسبيّ وعامّ، إذ تختلف النسبة من قطاع إلى آخر، فقد شهدت الأسعار ارتفاعا كبيرا وبالأساس أسعار مجموعة التغذية والمشروبات والتي ارتفعت بنسبة 7.8 ٪على مدى سنة بين أكتوبر 2012 وأكتوبر 2013 وفسر المعهد الوطني للإحصاء نسبة التضخم بارتفاع أسعار اللحوم 9.3 ٪ والزيوت الغذائية 23.5 ٪ والغلال ب10.8 ٪ والمشروبات ٪5 والمشروبات الكحولية 14.2 ٪. وتطورت أيضا مجموعة اللباس والأحذية باحتساب الانزلاق السنوي بنسبة 7 بالمائة والأقمشة بنسبة 4.4 ٪، علما وان نسبة الانزلاق السنوي للمواد الغذائية بلغت نسبة 9.3 ٪.

كما ارتفعت أسعار خدمات النقل العمومي والخاص بنسبة 5.6 ٪ وكذلك أسعار السيارات بنسبة 5 ٪ وعرف مؤشر مجموعة السكن والطاقة المنزلية بدوره خلال أكتوبر 2013 زيادة بنسبة 5.1 ٪ مقارنة بأكتوبر 2012 نتيجة ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز والوقود 4.8 ٪ وأسعار الإيجار 5.2 ٪ وسجل مؤشر أسعار الاستهلاك العائلي زيادة بنسبة 0.9 ٪ خلال شهر أكتوبر 2013 مقارنة بمستواه في شهر سبتمبر من نفس السنة حسب بيانات المعهد الوطني للإحصاء. وقد لجأ البنك المركزيّ للترفيع في سعر الفائدة من 3.75٪ إلى 4٪ في شهر ماس الفارط ليبقى هذا المعدّل مستقرّا حتى نهاية السنة كإجراء لكبح جماح الاقتراض وتقليص حجم السيولة وبالتالي الحدّ من الاستهلاك والتشجيع على الادخار، وجاءت هذه الخطوة التي عادة ما تلجأ إليها البنوك المركزيّة عند ارتفاع مؤشرات التضخّم وانفلات الأسعار لمجابهة ارتفاع نسبة التضخّم التي بلغت 6.5٪ في ذلك التاريخ. ولكنّ الترفيع في نسبة الفائدة الرئيسيّة لا يخلو من السلبيات، خصوصا من ناحية إثقال كاهل الشركات المدينة وتعقيد وضعياتها المالية وزيادة الضغوط عليها وعلى البنوك التجاريّة التي تجد نفسها مجبرة على الترفيع الأوتوماتيكي لنسب فوائدها وتقليص حجم معاملاتها.

أمّا سوق الصرف، فقد كان استثنائيّا من حيث التذبذب والاضطراب بعد أن دخل الدينار التونسي مرحلة من التدهور وبلغ مستويات مرعبة بلغت إلى حدود شهر ديسمبر 2.250 مقابل الأورو و1.655 مقابل الدولار، وهي نسب مرتفعة وذات تأثير سلبيّ على اقتصاد دولة كتونس التي يرتبط استهلاكها ارتباطا وثيقا بالتوريد، كما ستشمل الآثار مسألة التداين، ذلك أنّ ما يقارب ثلثي ديون البلاد بالعملة الصعبة وهو ما سيرفع من قيمة الدين إن انخفض سعر صرف العملة المحليّة.

وقد تفاقمت وضعيّة الدينار التونسي نظرا للوضع الاقتصاديّ العامّ في البلاد واختلال التوازنات الماليّة وتنامي العجز التجاريّ، بالإضافة إلى تحويلات التونسيّين المقيمين بالخارج والاستثمارات الأجنبية التّي تأثّرت بالأوضاع المحليّة المترديّة وبالوضع الاقتصاديّ العام خصوصا في دول الاتحاد الأوروبي.

البنك المركزيّ من جهته حاول الحدّ من تراجع سعر الدينار التونسي عبر اتخاذ العديد من الإجراءات، كإلزام المصدرين باستعمال رصيدهم الخاص من العملة الأجنبية لتمويل وارداتهم إلى جانب إشعار المؤسسات العمومية بضرورة اللجوء إلى بنك واحد لطلب العملة الأجنبية عند التوريد. كما لجأ البنك المركزيّ إلى التدخل مباشرة في سوق العملة للحدّ من انهيار الدينار التونسي عبر ضخّ السيولة في سوق الصرف وتعديل أسعار وهو ما كلّفه منذ بداية السنة ملياري دينار.

إنّ مدى قدرة الاقتصاد التونسيّ على تحمّل هزّات مماثلة والخروج من هذه الأزمة الخانقة يبدو محدودا للغاية، فمن المؤكّد أنّ تونس لن تتمكّن من تحمّل هذه الوضعيّة الغامضة والصعبة لفترة طويلة وذلك لعدّة اعتبارات أوّلها ارتباط الاقتصاد التونسيّ بالخارج في معظم القطاعات وخصوصا السياحة والصناعة حيث تتطلّب السياحة قدرا من الأمن و الاستقرار السياسي. كما أنّ نسبة كبيرة من المؤسّسات الصناعيّة هي عبارة عن استثمارات خارجيّة مباشرة و ترتبط بالأسواق الأجنبيّة، فضلا عن أن البلاد لا تقدر على تحمّل سيناريو تفاقم العنف و إطالة الصراع نظرا لانخفاض مخزونها من العملة الأجنبيّة نتيجة تراجع المبادلات التجاريّة. كما أنّ لتآكل الاحتياطيّ المحليّ من العملات الأجنبيّة انعكاسات خطيرة ستعود بالضرر على نسق و مستوى الاستهلاك الداخليّ في كلّ المجالات، إذ أنّ البلاد تعتمد على الاستيراد بشكل أساسيّ لتلبيّة احتياجاتها في مختلف الأنشطة و القطاعات.

كان أوّل ما صدحت به حناجر التونسيّين يوم 17 ديسمبر 2010 هو التشغيل وتوفير مقوّمات الحياة الكريمة لمئات الآلاف من الشباب المعطّل عن العمل والمفقّر نتيجة تراكمات السرقات والسياسات الارتجالية والخاطئة خلال عقود، واليوم، والتونسيّون يستعدّون لاستقبال العام الثالث بعد هروب بن عليّ، تبدو المشكلة الأهم ماثلة أمامهم ومازالت معاناتهم مستمرّة نتيجة البطالة والفقر وغلاء المعيشة. أمّا حكّام اليوم، فيحاولون التملّص من المسؤوليّة عبر الدخول في صراعات جانبيّة و جدالات عقيمة والسعيّ للبحث عن شمّاعة يعلّقون عليها كلّ أخطائهم مُتناسين مرّة أخرى أنّ البطون الجائعة و الجيوب الفارغة تكفر بكلّ القيم والحسابات. إنّ سيناريو الانزلاق إلى مستنقع العنف و انهيار الدولة بمفهومها المؤسّساتيّ و القانوني يحتّم على جميع الأطراف السياسيّة أن تقف لوهلة لمراجعة حساباتها السياسيّة و تسعى بجدّية للبحث عن حلّ للأزمة وأن تغلّب مصلحة الوطن على الحسابات الحزبيّة الضيّقة، قبل أن ندفع قسرا نحو بداية النهاية.