religion-elections-tunisie-2014

بقلم عبد الرزاق قيراط.

“إنّ مجتمعاً بلا ديانةٍ كسفينةٍ بلا بوْصلة”، حكمةٌ قديمة تُــنسب لنابليون بونابارت، وتنطبق معانيها بشكل ملحوظ على الحراك الانتخابيّ في تونس. فلم نعد نميّز، في الأيّام الأخيرة، بين إسلاميّين وعلمانيّين ومتشدّدين سابقين في محاربة “الاتجار بالدين”، ومُنكرين طيلة عقود لهويّة التونسيّين في علاقتها بالعروبة والإسلام..، مع واجب التحرّي بخصوص هذه التصنيفات التي تخضع عادة للتجاذب والخصام. ولكنّها اليوم سائرة إلى الزوال بعد أن دخلوا “في دين الله أفواجا” وأصبحوا متساوين أمام الله والوطن.. يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، ويقيمون الصلاة آناء الليل وأطراف النهار. قبلتهم قرطاج وبوصلتهم لا تخطئ التقدير.

غير أنّ تلك البوصلة التي يُستدلّ بها للوصول إلى أفئدة الناخبين، أصبحت محلّ نزاع وانتزاع بين المتنافسين على منصب الرئاسة والمشرفين على حملاتهم الانتخابيّة.. وقد امتدّت تبعات ذلك التنازع إلى أنصارهم الذين اتخذوا من مواقع التواصل الاجتماعيّ ميدانا لإدارة معركتهم في فضاء حرّ لا يخضع للضوابط القانونيّة والأخلاقيّة… وفي هذا السياق، تعرّض أغلب المترشّحين للرئاسة، إلى ضروب من التهكّم على الفيسبوك، حيث نُشرت صور السياسيّين الذين افتــتحوا حملاتهم من المقابر والزوايا وقرأوا الفاتحة (لأوّل مرّة في حياتهم)، كما قيل، ترحّما على أولياء الله الصالحين وعلى شهداء الوطن. ومن بين هؤلاء مرشّح الجبهة الشعبيّة حمّة الهمّامي الذي أسّس حزب العمّال الشيوعيّ قبل ربع قرن من الزمان. ولكنّه قرّر، بعد الثورة، مع قيادات الحزب وهياكله أن يشطب صفة “الشيوعيّ” مراعاةً لما لوحظ لدى أكثر التونسيّين من ربط آليّ بين الشيوعيّة والعداء للأديان، واحتساباً لانتخابات أثبتت تجاربها السابقة أنّ عامل الدين قادر على التأثير في نتائجها. لذلك، حرص الهمّامي على إثبات عقيدته، فردّ في منبر تلفزيونيّ بلهجة حادّة على المشكّكين في إسلامه قائلا “أنا تونسيّ عربيّ مسلم”…

ومازلت المنابر التلفزيونيّة تتصدّى لقضيّة التداخل بين الدينيّ والسياسيّ، وقد تصاعد الجدل حول ما اعتُبرَ “استغلالا مريبا لرجال الدين” في حملة الدكتور المنصف المرزوقي على إثر ظهوره مع أحد الأيمّة الدعاة. ويُحاسَب الرئيس المتخلّي بإعلامٍ لا يغادر صغيرةً ولا كبيرةً إلاّ أحصاها، وحمّلها ما تحتمل وما لا تحتمل من المكاره إلى حدّ اتهامه بأنّه يتماهى مع الإرهابيّين، على خلفيّة استعماله لعبارة “الطاغوت” التي صارت مصطلحا إرهابيّا لنعت العسكريّين… قال المرزوقي:” ليس هناك من طاغوت إلاّ الذي طغى في العهد البائد، ويريد أن يرجع الآن ليطغى”. فقدّم لمنافسيه من (فلول) النظام القديم فرصة ثمينة للتنفير منه، معتبرين قوله تحريضا خطيرا ضدّهم…

وبغضّ النظر عن أمثلة أخرى لا يتّسع المجال لذكرها، تُـــثبت التجربة الانتخابيّة الحاليّة في تونس، نشوء وعيٍ متفاوتٍ لدى النخب السياسيّة أخضعها للنقد والإصلاح. وأدّى إلى مراجعات يتعلّق بعضُها بتهذيب اللفظ والمعنى، وتخيُّر ما يحبُّ التونسيّون سماعه ومرآه، في اتجاه المصالحة مع نمط العيش الذي تعوّدوا عليه من جهة، وباحترام أساس الهويّة الإسلاميّة من جهة أخرى، ومحاولة الاستفادة من العامل الدينيّ بالقدر الذي تسمح به القوانين من جهة ثالثة، حتّى لا تكون تلك المصْلحةُ حكرا على الأحزاب ذات المرجعيّة الدينيّة.

وغنيٌّ عن القول، إنّ الحركات الإسلاميّة استفادت من تلك المرجعيّة التي دعّمت شعبيّتها ومنحتها قاعدة انتخابيّة لا تتمتّع بها الأحزاب التي (العلمانيّة) المطالبة بمدنيّة الدولة وإقصاء الدين عن معترك السياسة. ولكنّها، وبقدر استفادتها، تضرّرت في أحيان كثيرة من سقوط بعض قياداتها في مواقف خطيرة حوّلتهم إلى دعاة متشدّدين. وقد حدث ذلك مراراً في تصريحات صحفيّة، وأثناء نقاشات المجلس التأسيسيّ بتدخّلاتٍ موغلةٍ في الوعد والوعيد جلبت لحركة النهضة آنذاك الكثير من التشكيك في حقيقة خطابها أهو سياسيّ مدنيّ أم دينيّ تكفيريّ… والمتأمّل في القوائم التي قدّمتها حركة النهضة لخوض الانتخابات التشريعيّة، يلاحظ بوضوح كيف تخلّت عن الكثير من الأسماء التي وقعت في تلك المزالق. فاستُبعِد، على سبيل المثال، الشيخ الصادق شورو الذي أفزع النوّابَ والإعلاميّين وجزءاً كبيراً من التونسيّين، حين توعّد “المخرّبين” الذين عطّلوا باحتجاجاتهم عجلة الاقتصاد، فخاطبهم بالآية الكريمة: ” إنّما جزاءُ الذين يحاربون اللهَ ورسولَهُ ويَسْعَوْنَ في الأرض فساداً أنْ يقــتّلوا أو يصلّبوا أو تُقطّع أيديهم وأرجلهم من خلافٍ أو يُنفوا من الأرض. ذلك لهم خزيٌ في الدنيا ولهم في الآخرة عذابٌ عظيم” (المائدة 33).

وأقدمت حركة النهضة بعد ذلك إلى تنقية خطابها من مظاهر التشدّد التي تجلب لها السخط وتؤلّب عليها الغاضبين.. حتّى أعلن الغنّوشي ترحيبه بالعمل مع وزراء بن علي، وأكّد مؤخّرا في برنامج حواريّ على قناة الجزيرة رغبته عن توصيف أولائك الوزراء بالفلول، وقال قياسا على حديث شريف:” كلّ من دخل الدستور فهو آمن”. وأعلن رفضه القطعيّ للإقصاء وتوريث الأحقاد وأعمال الثأر والانتقام ضماناً لسلامةِ سفينة الديمقراطيّة التي تبحر بجميع التونسيّين “نحو مستقبل زاهر” على حدّ قوله، وبعوْن البوصلة التي يهتدي بها للوصول إلى مبتغاه…

ومع ذلك، تبدو الطريق طويلة شاقّة، فيها العواصف والأخطار، والقراصنة الأشرار، والنفوس الأمّارة بالسوء، التي تتربّص بالسفينة لخرقها وإغراق أهلها.. وعندئذ لن تنفع البوصلة وحدها.. سنحتاج بالتأكيد لملاّحين من خيرة الرجال الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه.. “وما بدّلوا تبديلا”.