PRET-UNION-EUROPE-TUNISIE

بقلم غسّان بن خليفة،

شهدت مصادقة البرلمان الأسبوع الماضي على قرض الاتحاد الأوروبي لتونس، وقيمته 300 مليون يورو، جدالاً ساخنًا. إذ اعتبر بعض نوّاب المعارضة، من أبرزهم فتحي الشامخي عن الجبهة الشعبيّة، أنّ هذا القرض هو “الشجرة التي تخفي الغابة”، المتمثّلة في “مذكّرة التفاهم” المؤطّرة له، والتي وصفها بالـ “برنامج المفروض على تونس من وراء البحار”، ويحوّل “إدارة الشأن التونسي من القصبة إلى سترازبورغ وواشنطن”. أمّا نواب الأغلبية الحاكمة، فقد دافعوا عن القرض، ووصفه البعض منهم بأنّه “استجابة” لما طالبت به الدولة التونسية المؤسّسات المالية العالميّة، “ولم يكن مفروضًا علينا”، كما قال ياسين ابراهيم وزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي. بل إنّ المنذر بلحاج علي، النائب عن حركة نداء تونس، ذهب إلى حدّ اعتبار الشروط المرافقة له “الطريق الوحيد والأسلم للحفاظ على استقلالية قرارنا”. ولم يتردّد النائب الهادي بن براهم عن حركة النهضة في وصف انتقادات المعارضة بأنّها لا تعدو أن تكون سوى “مزايدات سياسيّة” و”كلام إيديولوجي”.

موقع نواة حضر الجلسة العامّة، التي صودق فيها على مشروع قانون القرض، وحصل على نسخ من الوثائق المرافقة له، كما تحدّث على هامشها إلى عدد من النوّاب في محاولة لتفكيك الموضوع وفهمه.

[youtube https://www.youtube.com/watch?v=5dehba87Cec]

شروط مجحفة أم إصلاحات؟

من أهمّ حجج المدافعين عن القرض أنّ شروطه ميّسرة وأنّ نسبة فائدته، 3%، تُعتبر منخفضة مقارنة بقروض أخرى تحصّلت عليها تونس في السنوات الأخيرة. إلاّ أنّ منتقدي القرض يؤكّدون على أنّ المسألة تتجاوز مجرّد اقتراض المال، وأنّهم لا يعترضون على المبدأ في حدّ ذاته، وإنّما ينبّهون إلى خطورة ما يخفيه القرض. إذ يرون أنّه يمثّل مدخلاً لفرض “املاءات صندوق النقد الدولي”، التي ستضرّ بالفئات الاجتماعية الأضعف وستفرّط أكثر في السيادة الوطنية للبلاد. ويمكن القول أنّ الاختلاف الأساسي بين الفريقين يكمن في الموقف من هذه “الإصلاحات”، كما يصفها الموافقون، و”الشروط”، كما يراها معارضو اتفاقية القرض.

⬇︎ PDF

ووَرَدت الإشارة إلى “الشروط” مرّتين فحسب في الوثيقة التي قدّمتها وزارة المالية لنوّاب لجنة التخطيط والماليّة، وعنوانها “شرح أسباب” . إذ ذُكر أنّ هذا القرض “يشترط ضرورة أن يقترن بوجود برنامج إصلاح اقتصادي متّفق عليه مع صندوق النقدي الدولي” وأنّ صرف أقساطه “مشروط بتحقيق تقدّم ملحوظ وبيّن” في هذا البرنامج. والثانية عندما ذُكرت في سياق ايجابي بغاية التأكيد على مزايا القرض، من خلال ذكر نسبة الفائدة ومدّة السداد بـ15 سنة، اللتين اعتبرتهما الحكومة “شروطًا مُيسّرة”. إلاّ أنّ مذكّرة التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والدولة التونسيّة، التي حصلت نواة على نسخة منها بالانجليزيّة، تنصّ دون مواربة في أكثر من موقع على أنّ الأمر يتعلّق بشروط دقيقة يؤدّي عدم الاستجابة لها إلى “وقف المساعدة”. ومن أهمّ هذه الشروط “تنفيذ الاتفاق الجاري (المشار إليه بـ Stand-by arrangement) بين تونس وصندوق النقد الدولي”. وهذا الاتفّاق يتمثّل في “قرض ميسّر” يعتمده الصندوق منذ الخمسينات لـ”مساعدة الدول التي تمرّ بأزمة”، ويكون مشروطًا بتنفيذها لـ”إصلاحات” ليبراليّة.

لا يبدو أنّ هنالك مبالغة في الاستنتاج أنّ مذكّرة التفاهم تشمل بالفعل “برنامجًا اقتصاديًا واجتماعيًا كاملاً”، كما ذكر الشامخي في مقابلة خاصّة مع نواة، ولا تقتصر على تدابير تسديد الدين. إذ أنّ صرف الأقساط الثلاث للقرض مرهون بتنفيذ الحكومة، حسب جدول زمني دقيق، لإجراءات عديدة تمسّ أكثر من قطاع. بداية بالجباية، التي تنصّ بخصوصها على “إصلاح النظام الجبائي التقديري” وضرورة “الحدّ من القطاعات التي يسري عليها هذا النظام”، إلى موضوع الدعم، والذي يطلب بخصوصه الأوربيون: “إصلاح منظومة الدعم في اتجاه توجيهه نحو مستحقّيه” عبر مراجعة قائمة العائلات المنتفعة بالإعانات الاجتماعية وبالعلاج المجاني أو المنخفض. وفي نفس باب “شبكة الأمن الاجتماعي”، تنصّ الوثيقة على إعداد قاعدة بيانات “تتعلّق بالأسر الضعيفة والمنخفضة الدخل”، وذلك بالاعتماد على “المعرّف الاجتماعي الموحّد”، الذي يخشى بعض المنتقدين أن يؤدّي سوء استعماله، في ظلّ ضعف شفافية التصرّف في المعلومات الإدرايّة، إلى التلاعب بالمعطيات الشخصيّة للمواطنين، وفي أسوأ الحالات إلى ابتزازهم سياسيًا.

كما تتطرّق مذكّرة التفاهم إلى مسائل حسّاسة، انقسمت حولها القوى السياسية في السنوات الأخيرة، من أهمّها الحديث عن “تعزيز استقلالية البنك المركزي”. وهو أمر يراه المؤيّدون ضروريًا للحيلولة دون أن يتحوّل البنك إلى “أداة فساد في يد السلطة التنفيذية، مثلما جرى في وقت بن علي”، كما يرى النائب الهادي بن براهم عن حركة النهضة. وكذلك حتّى لا تُحوّله الحكومات إلى “طابعة أوراق نقدية” لحلّ أزمة السيولة، بما قد يفاقم من التضخّم المالي. بالمقابل، يجادل معارضي مقولة “الاستقلالية”  بأنّ البنك يجب أن يتمتّع بحدّ أدنى من التسيير الذاتي، لكن مع بقائه أداة من أدوات الدولة وتحت رقابة وإشراف السلطات المنتخبة. إذ أنّه المسؤول الأوّل عن تحديد نسبة فائدة القروض التي تسندها البنوك، وما لذلك من تأثير مباشر على حركة الاستثمار. وكذلك لكونه المسؤول الأوّل عن قيمة العملة التونسيّة، المرتبطة بالعملات الأجنبيّة، وتداخل الأمر بحركة التوريد والتصدير.

مسّ بالسيادة الوطنيّة؟

لقد أبقت دولة الجمهورية الفرنساوية ودولة حضرة رفيع الشأن باي تونس تعيين وصول في تنظيم مالية المملكة يتفقان عليها بعد ليحصل بذلك الاطمئنان على أداء واجبات الدين العمومي والضمان لحقوق أرباب دين الإيالة التونسية. الفصل السابع (من معاهدة باردو في 12 ماي 1881 بين فرنسا وتونس).

لم يتردّد الشامخي الأربعاء الماضي خلال مداخلته بالجلسة العامّة للمصادقة على اتفاقية القرض، في عقد مقارنة بينها وبين “معاهدة باردو لسنة 1881“، عندما استغلّت فرنسا الديون المتخلّدة بذمّة المملكة التونسيّة للدول الأوروبية، لتدشين استعمارها للبلاد تحت عنوان “الحماية”. وذكّر الشامخي في سياق حديثه عن خطورة تكريس “استقلالية البنك المركزي”، أنّ بورقيبة دخل في صراع مع فرنسا عندما قرّر بعث البنك المركزي وإصدار الدينار. إذ أنّ المستعمر السابق كان يطمح، حسب قوله، لبقاء تونس تحت هيمنته المالية والاقتصادية، كما هو الحال مع دول غرب إفريقيا والساحل، التي لا تمتلك إلى اليوم عملة وطنيّة. إلاّ أنّ نواب الأغلبية الحاكمة رفضوا هذه المقارنة، التي رأوا فيها “شيئا من المبالغة”، مذكّرين بأنّ “مركز السيادة ما يزال بيد نوّاب الشعب”، كما قال منذر بلحاج علي، النائب عن نداء تونس. فيما عاب آخرون على معارضي الاتّفاقية بعدم تقديمهم بدائل. ولم يتردّد النائب حسين الجزيري، عن حركة النهضة، في استعارة “السؤال اللينيني: ما العمل؟”، على حدّ تعبيره.

⬇︎ PDF

وبصرف النظر عن السجال البرلماني، يلفت الانتباه في مذكّرة التفاهم المرتبطة بالقرض، بعض الفقرات المثيرة للتساؤل جدّيًا عن درجة الحفاظ على سيادة البلاد. إذ على سبيل المثال ترد في الصفحة الخامسة للمذكّرة، تحديدًا بملحقها عدد 1، الجملة التالية – الغائبة عن وثيقة شرح الأسباب التي قدّمتها الحكومة – وتشير بوضوح إلى مرجعية مؤتمر دوفيل لمجموعة الدول “الثمانية الكبار”، الذي عقد بفرنسا سنة 2011 واتهمّه منتقدوه آنذاك بأنّه محاولة من الدول الغربية لمنع تجّذر “الربيع العربي” ولـ”فرض وصايتها” على بلدانه. هذا فضلاً عن انتقاد مشاركة الباجي قائد السبسي في المؤتمر وموافقته على مقرّراته، رغم كونه رئيس حكومة انتقاليّة غير منتخبة.

يُبنى التقدّم في هذا المجال على المشروع الجاري لدعم إصلاح [أنظمة] الحماية الاجتماعية، المموّل من صندوق دوفيل للشراكة والانتقال [الديمقراطي].

كذلك، يلاحظ تطرّق المذكّرة إلى أدقّ التفاصيل. من ذلك تحديدها في القسم المخصّص لصرف القسط الثالث، تحت عنوان “السياسة التجاريّة، الإجراء عدد 8″، لقطاعيْ أدوات البناء والمنتجات الكهربائية والالكترونيّة، كقطاعات ذات أولويّة في سياق استكمال تعديل تونس لمعاييرها الصناعيّة لـ”ملاءمتها مع معايير الاتّحاد الأوروبي”، بناءً على قانون عدد 38/2009، الذي سُنّ في عهد بن علي. ويُذكر أنّ اتفاقية الشراكة مع الاتّحاد الأوروبي، التي أبرمها النظام السابق، لاقت انتقادات واسعة ومطالبات بمراجعتها لكونها “أضرّت اقتصاديًا بتونس”، كما يرى البعض.

ويذكر أيضا أنّ الملحق عدد 2 من مذكّرة التفاهم، والمعنون بـ”منظومة المراقبة”، تضمّن قائمة طويلة لسجلات المؤشرات الاقتصادية والمالية التي يجب أن تقدّمها وزارة المالية والبنك المركزي للطرف الأوروبي. وذلك بشكل دوري (سنويًا للبعض منها، وفصليًا وشهريًا للبعض الآخر). كما يلفت الانتباه ما ورد بالبنديْن عدد 8 و9 (صفحة 2) من المذكّرة، الذان ينصّان على أنّه يحقّ للمفوضية الأوروبية القيام بإجراء تقييمات دوريّة للتدابير الإدارية والمسارات الماليّة للدولة التونسيّة. بل وأنّ القانون الذي صادق بموجبه البرلمان الأوروبي على إسناد القرض لتونس، ينصّ في فصله السادس (النقطتين ت وث) على حقّ أعوان الاتحاد الأوروبي أو ممثّليه في إجراء “عمليّات فحص وتدقيق” في المعطيات والوثائق بما في ذلك على عين المكان”، أي بمقرّات وزارة المالية والبنك المركزي وغيرهما بتونس، خلال فترة صرف المساعدة، وكذلك “بعدها”.

مصادقة دون إطّلاع

“قطّوس في شكارة” (قطّ في كيس): هكذا وصفت النائبة عن التيّار الديمقراطي في تصريح لـنواة عملية المصادقة على اتفاقية القرض في مجلس نوّاب الشعب. وكانت عبّو ونوّاب آخرون احتجّوا في نهاية الجلسة العامّة الأربعاء الماضي التي حضرتها نواة، على مسألتين: طريقة التصويت، ولعدم إطلّاع النوّاب على مذكّرة التفاهم وملحقاتها التي تبيّن شروط القرض وتفاصيله. إلاّ أنّ رئيس المجلس محمّد بالناصر رفض الاستماع إليهم وأمر بإجراء التصويت (الذي كان لصالح التصديق على القرض) ليرفع الجلسة مباشرة إثر ذلك.

كلام عبّو نفاه لنا الهادي بن براهم، النائب عن حركة النهضة، ووصفه بـ”المزايدات”، مؤكّدًا أنّ أعضاء لجنة الماليّة تحصّلوا على كلّ الوثائق، لكن باللغة الانجليزيّة. وهو ما دفعه إلى المطالبة في مداخلته بالجلسة العامّة بتوفير الوثائق مترجمة إلى العربيّة، فالأمر يتعلّق بـ”مسألة سياديّة”، كما قال. بيْد أنّ فتحي الشامخي أوضح لـنواة (أنظر الفيديو المرافق) أنّ الوثائق المعنيّة، بالانجليزية، تتعلّق بمشاريع اتفاقيات أخرى (مثل مشروع قرض لإنجاز سدّ جديد بالشمال الغربي) ولا يوجد من ضمنها مشروع اتفاقية القرض الأوروبي. وأضاف أنّه حصل من جهته على نسخة بالانجليزية من مذكّرة التفاهم وملحقاتها بوسائله الخاصّة.

وكان النائب إياد الدهماني، عن الحزب الجمهوري، أشار بدوره أثناء الجلسة العامّة إلى خطورة وتكرّر عملية حجب تفاصيل وشروط القروض عن النوّاب، كما جرى قبل فترة مع حكومة جمعة بخصوص القرض الرقاعي بمليار دينار. ويُذكر أنّ هذا القرض كان محلّ انتقاد واسع من عدد من الاقتصاديين والسياسيين، بسبب نسبة فائدته المرتفعة، 5.75 بالمائة، ولأنّه سيخصّص لـ”الاستهلاك ودفع الزيادات في الأجور، عوض الاستثمار”، كما رأى البعض منهم.

هل من بدائل عن المديونية؟

طرحنا هذا السؤال على النائب اليساري فتحي الشامخي (شاهد الفيديو)، فأكدّ لنا أنّ البدائل متوفّرة. ومن أهمّ ما ذكر في هذا الصدد : العمل جدّيًا على مقاومة التهرّب الضريبي؛ إجراء إصلاح جبائي حقيقي يخفّف من العبء على الأجراء ويوزّعه على أصحاب رؤوس الأموال؛ واقترح كذلك إمكانية فرض “ضريبة استثنائية، كما هو معمول به في فرنسا”، على العائلات التي تمتلك ثروات كبيرة. وأضاف أنّ هذه الإجراءات كفيلة لوحدها بتعويض الـ 2 مليار دينار، التي تمثّل الفارق السنوي بين ما تجنيه تونس من القروض وما تدفعه لتسديدها خدمة وأصلاً.

من جهتها، قالت النائبة سامية عبّو أنّه كان على الحكومة قبل الالتجاء للتداين الخارجي العمل على إجراء الإصلاحات الضرورية داخليًا، مشيرة إلى رفض الحكومات السابقة مدّ المجلس التأسيسي بنتائج التدقيق في حسابات البنوك العموميّة التي “تمثّل العمود الفقري للاستثمار والتي تواصل الدولة ضخّ الأموال فيها دون مراقبة”. كما أكّدت  عبّو على ضرورة استرداد ثروات تونس المنهوبة؛ سواء تلك التي هرّبتها عائلة بن علي إلى الخارج، أو تلك التي تنهبها الشركات الأجنبية، خاصّة المشتغلة في قطاع الطاقة، مذكّرة بالتقرير الشهير لدائرة المحاسبات في سنة 2012، وبما “كشف عنه المكلّف العامّ بنزاعات الدولة من خسارة تونس لسبعة آلاف مليون دينار يوميًا”، حسب قولها.

 

وجدير بالذكر أنّ وزارة المالية لم تعاود الاتّصال بنا، كما وعدتنا إحدى العاملات بمكتب الاتصال مع الاعلام، للإجابة على أسئلتنا حول الانتقادات الموجّهة للقرض.