Hamza-Belloumi-terrorisme-media-tunisie

بقلم نادية الهدّاوي، ترجمة غسّان بن خليفة.

في ظلّ الحرب المفتوحة على الإرهاب، صارت التجاوزات المهنيّة والأخلاقيّة لوسائل الإعلام لا تُعدُّ ولا تُحصى. إلاّ أنّ التناول الإعلامي لاعتداء باردو يمثّل حالة تصلُح للدرس، لأنّه يكشف درجة الإلتباس في العلاقات بين وسائل الإعلام والسلطة. إذ عبّأ الخطاب الأمني المُنطلق من عقاله أنماط ذهنيّة قانونيّة وبوليسيّة تكوّنت طيلة عقود، في حضن ديكتاتورية حصّنها التهديد الإرهابي. وهنا يطُرح السؤال التالي: كيف يستطيع “التعديل” احتواء هذه العودة إلى “التطبيع”؟

وقد تطرّقت الهيئة العليا المستقلّة للاتصال السمعي والبصري خلال حوار جمع صحفيين ورؤساء تحرير ومنظمّات دفاع عن حقوق الانسان، إلى قضيّة المصادر، مشيرة بإصبع الاتّهام إلى «تعدّد أصوات الخطاب الحكومي». وتكمن أهمّية “تعدّد الأصوات”، كما نظرّ لها بَاختين، في قدرتها على إبراز الخطابات التي تُحرّك من أسفل ما يقوله المتكلمّ، وفي تأثيرها الحِواري على المتلقّي. لكن ما تكشف عنه الخطابات المقتضبَة للسلطات، هو استمراريّة وجود مُلقِي مسيطر، هو المؤسّسة الأمنيّة.

ويمكن أن نلاحظ أنّه ما إنّ مرّت فوضى المؤتمرات الصحفيّة حول الثغرات الأمنيّة وأزياء مرتكبي الهجوم، حتّى وثَبَت إلى السطح حقيقة سياسيّة متمحورة حول استعجال فعلٍ أمنيّ ناجع. أي تعزيز الشرطة والمخابرات. من مفاعيل هذا الخطاب أنّه استدعى أُطرًا تذكّر بماضٍ ديكتاتوريّ حديث، كان يوكل فيه للصحفيين إنتاج الرضا في سياق سياسي إشكالي. وهو ما يمثّل تعريف التطبيع عينه.

إذن، وبينما عتّمت السلطات على التحقيق في الهجوم، انخرطت وسائل الإعلام المسيطر في جدال حول المنفعة، أو عدمها، من الحفاظ على حقوق الإنسان في القانون الجديد لمكافحة الإرهاب. وبإدراجه في سياق الاستعجال، تغاضى الجدال عن ضرورات فكّ شفرة الأحداث وتحليلها بعمق لصالح الدراماتيكيّة والتأثّر. بدءًا بالعمق التاريخي الذي يذكّر أنّه في نفس الظروف سُنَّ قانون مكافحة الإرهاب الفظيع، ذات 10 ديسمبر 2003، شهورًا قليلة إثر الهجوم ضدّ كنيس الغريبة اليهودي بجربة. ذلك التاريخ المعبّر بجلاء على درجة كلبيّة الديكتاتوريّة لتزامنه مع ذكرى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

يوم 11 أفريل الجاري، عرض المنشّط حمزة البلّومي في برنامج اليوم الثامن، على قناة الحوار التونسي، المخصّص للنقاش حول قانون مكافحة الارهاب، التدابير الماسّة بالحرّيات للقانون الفرنسي حول المخابرات. وحرص المنشّط على ملاحظة أنّ بلدًا ديمقراطيًا، أي فرنسا، سيصوّت لصالح هذا القانون ! كما لو أنّه يفترض بالحجّة الديمقراطيّة تبرير إخماد الحرّيات باسم الأمن. وممّا يزيد من تهافت المقارنة أنّ تونس ليست بعد بلدًا ديمقراطيًا. ولا شكّ في أنّ مثال إدانة الصحفي المغربي علي أنزولا على قاعدة القانون المغربي لمكافحة الإرهاب كان يمكن أن يكون أكثر بلاغة.

هذا فيما بذل صحفي البرنامج سفيان بن حميدة جهده في مواجهة آمنة القلالي، مديرة هيومان رايتس واتش بتونس، والجيلاني الهمّامي نائب الجبهة الشعبيّة بالبرلمان، لإعادة تعريف حقوق الإنسان. وهكذا فإنّ «حقوق الإنسان تتمثّل بالأساس في الدفاع عن مواطنين مطمئنين، سالمين، ويحترمون القانون»”. ليضيف الجيلاني الهمّامي «ولهم كذلك حقوق اقتصاديّة واجتماعيّة».

بالمقابل، لم يتمّ التعرّض لعلاقة التوجّس والخوف بين المواطن والشرطة وللعدد الهائل من القضايا المفبركة التي رفعها عناصر شرطة ضدّ مواطنين أو ناشطين بتهمة «هضم جانب موظّف عمومي»، كما أشارت إلى ذلك بشرى بلحاج حميدة رئيسة لجنة الحقوق والحرّيات والعلاقات الخارجيّة بمجلس نوّاب الشعب، على إذاعة إكسبريس آف آم.

واعتبرت النائبة أنّ القانون المتعلّق بزجر الاعتداءات على القوّات المسلّحة يندرج أكثر ضمن التسرّع في العقاب منه إلى إطار تحسين ظروف قوّات الأمن، التي تُعدّ «مزرية في بعض الجهات». مضيفة أن بعض تدابير هذا القانون «تفتح الباب أمام التجاوزات بحقّ المواطنين المعوزين».

ولم يتساءل الصحفيين عن جدوى كتاب أبيض حول الأمن والدفاع، حيث يتمّ عرض التدابير الأمنيّة الاستثنائيّة وتكاليفها بشفافيّة كاملة، مثل تأمين المدن الكبيرة من قبل الجيش وتركيز كاميرات مراقبة.

دائمًا، على قناة الحوار التونسي، في برنامج 24/7، المخصّص للشبكات الاجتماعيّة والإرهاب، عاب صادق الهمّامي، أستاذ جامعي بمعهد الصحافة وعلوم الأخبار، على “وداعة” الصحافة التونسيّة التقليديّة كونها “إخباريّة خالصة”، بينما وقائع العمليات الإرهابية يجب أن تُحلّل وتوضع في سياقها. وعندما نعلم مدى تمكّن الجهاديين من التكنولوجيا الرقميّة لأغراض الدعاية والاستقطاب والفعل، يمكن أن نتعجبّ بالفعل، لماذا يتأخّر الصحفيون التونسيين عن الانضمام لتويتر.

ونتعجبّ خاصّة من أنّ تاريخ الدعاية (البروباغندا) لم يُدرج بعد في برامج التكوين الصحفي، فالتدارك التقني لا يستطيع لوحده معالجة “الإضطراب الإعلامي” لقاعات التحرير.

كيف يمكن مثلا تفادي تحوّل قُرب الصحفيين من مصادرهم إلى قُرب في المراجع. إذ نرى كيف يعتنق صحفيون نفس وجهات النظر المناوئة لحقوق الإنسان التي يتبنّاها البوليس، بينما يتحوّل آخرون إلى مروّجين لدعاية الجماعات الإرهابية. هناك منهم حتّى من صار يقدّم نفسه كعلاّمَة في مجال التحقّق من أصليّة بلاغاتهم.

حسب عالم الاجتماع جيروم بارتو، «مصادر الصحفييّن تشكّل أنماط التفكير التي ستنتشر». وقد بيّن في كتابه «ضاحية “شريط الثامنة مساءً”، اثنوغرافيا إنتاج الكليشيه الصحفي»، كيف أنّ تكوين وإعادة إنتاج الأنماط الذهنيّة الإعلاميّة يتأتّيان من أنماط قانونيّة بوليسيّة حول حفظ النظام، يقوم الصحفيون بتغذيتها وترويجها.

وزاد دخول النقابات الأمنيّة الرُكح الإعلامي التونسي من تشعبّ علاقة القُرب هذه. فكما سجّلنا في عديد المرّات، تمُرّ عمليات تسريب المعلومات عبر البوليسيين النقابيين. فلا عجب إذن في أن تقلق نقابات الأمن، بنفس قدر قلق الصحفيين، من تدابير مشروع القانون الخاصّ بزجر الاعتداء على القوّات المسلّحة، الذي يعاقب الفصلين 6 و7 منه كلّ شخص يسرّب معلومة ذات صلة بالأمن الوطني بالسجن لمدّة 10 سنوات وبخطيّة قيمتها 50 ألف دينار.

⬇︎ PDF

وفي كلّ الأحوال، بسماع زلّة اللسان المقصودة لوزير الداخلية ناجم الغرسلّي، يتضّح أنّه يتوجّب على الصحفيين أن يختاروا بين أن يكونوا شركاء لوزير الداخليّة أو أن يكونوا مهنيّين. إذ حذّر القاضي السابق في مداخلته أمام لجنة التشريع العامّ بمجلس نوّاب الشعب:

“الصحفيون هم شركاؤنا في هذه المعركة [ضدّ الإرهاب] إذا ما كانوا مهنيّين.”