non-a-la-reconciliation-qui-absout-les-malversations

بقلم: شكري بن عيسى (*)

غريب ما يحدث حقا صلب مؤسساتنا الرسمية هذه الايام سواء في السلطة او في الاعلام وآخرها ما ارتبط بالتعليق على الراي الانتقالي للجنة البندقية في خصوص مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية الذي صدر يوم 24 اكتوبر الجاري.

والحقيقة ان تتنصل عدة مؤسسات رسمية من المستلزمات المحمولة عليها بموجب الدستور والعرف والقانون والمواثيق المهنية، وتتخلى عن واجب الحياد والنزاهة والشفافية والتقيد بالحقيقة وخدمة الصالح العام، وتدخل على خط الانحياز والتجاذب الى حد التزييف وخاصة ما صدر عن “وكالة تونس افريقيا للانباء” و”رئاسة الجمهورية”، فهذا فعلا تجاوز صارخ لكل الخطوط الحمر، ومثير للحيرة العميقة على مستقبل الديمقراطية والحوكمة الرشيدة وحرية التعبير.

وكالة تونس افريقيا للانباء على خط التزييف

مؤسسات عمومية (بل ان الرئاسة تعتبر سلطة) يمولها الشعب عبر الضرائب، ومفترض ان تكون القاطرة بالنسبة لوكالة تونس افريقيا للانباء في ترسيخ المعايير الاعلامية وميثاق شرف المهنة، وان تكون الحارس للدستور والحامي لسيادة القانون والضامن للوحدة الوطنية بالنسبة لرئاسة الجمهورية، تشق كل هذه الاعتبارات وتدخل في مواجهة شق من التونسيين وتطمس الحقيقة وتتمترس وراء اجندا تفرق ولا تراع المصلحة الوطنية وخدمة المجموعة الوطنية، والبداية كانت مع الوكالة الرسمية للانباء عبر تقرير اخباري صدر يوم السبت 24 اكتوبر مباشرة لتشويه الراي الاستشاري الاولي للجنة البندقية.

وطبعا لكم ان تتخيلوا مدى اتساع نشر “الانباء الرسمية” التي تمثل نظريا مصدرا “موثوقا” و”حياديا” واحيانا “حصريا”، وكذلك الاثر الحاسم للتحليل “الاول” الذي يسبق كل التحاليل، فيكون مثل كرة الثلج التي تتعاظم دائرتها مع الوقت وتحمل كل ما يعترضها في مسارها. العنوان كان موجّها ومنحازا ومضللا بشكل عميق اذ صدر وفق هذه الصيغة “الاقرارية” الغارقة في الاصطفاف: (لجنة البندقية: “الدستور التونسي لا يفرض جهازا بعينه يختص بالعدالة الانتقالية”) في تماهي كامل مع مصلحة وموقف شق رئاسة الجمهورية وتأويلها المدلس لراي لجنة النبدقية، قبل ان تدخل “وات” بعد يومين على خط الدعاية المفضوح للرئاسة.

اذ لا يكفي الانحياز وتشويه تقرير وانتقاء لنص وجب ان ينقل بطريقة متوازنة فضلا عن عدم تحريفها وتاويلها بطريقة خاطئة، في نطاق “قدسية نقل الخبر” واحترام الحقيقة والمواطن وايضا الجهة المصدرة للراي (لجنة البندقية)، تندفع الوكالة يوم 26 اكتوبر في البروباغندا الصريحة لموقف رئاسة الجمهورية على حساب كل الاعتبارات، وخاصة احترام موقف هيئة الحقيقة والكرامة والاحزاب المعارضة والخبراء القانونيين وكل من عارض مشروع قانون المصالحة، والعنوان هذه المرة كان صادما: [“لجنة البندقية تقر بدستورية مشروع قانون المصالحة الاقتصادية والمالية”:(رئاسة الجمهورية)]، في تبني كامل ونقل لوجهة نظر وحيدة وبطريقة مشبوهة بذكر “الخبر” قبل “المصدر”، للتضليل.

وهذا فضلا عن التخلي عن واجب “التوازن” و”الراي والراي المخالف” هو تعسف على معايير “الدقة” و”المهنية” المضمنة بما هو معروض في موقع “وات” تحت عنوان “ميثاق التحرير” الذي يبدو انه منشور لمجرد التمويه، والاهم هو ضرب لوظيفة الاعلام العمومي في الانارة والاعلام ضمانا لحق المواطن، زيادة عن دوس رسالة الاعلام في تكريس حرية الراي والتعبير والصحافة الضامنة للديمقراطية، فالواجب ليس نقل الحقيقة فقط بل السماح بمساحة اوسع للراي المخالف للسلطة لعرض البدائل والمقترحات لتامين التعددية والتداول السلمي على السلطة.

الاعلام الخاص على خط البرباغندا و”الهيكا” تختفي

هذه الزاوية الوحيدة التي انتشر بها “الخبر”، بل التشويه العميق، طغت تقريبا في الحين على معظم المواقع الاعلامية الالكترونية وايضا الورقية عند صدورها، وهذا لم يكن مثيرا للغرابة اذ هذه الوسائل “الاعلامية” فضلا عن كون اغلبها معلوم الخلفية لا تخضع للرقابة والتعديل مثل المؤسسات السمعية البصرية المحكومة بمعايير واعتبارات قانونية وميثاقية صارمة، فكانت كالعادة “الحوار التونسي” و”نسمة” و”موزاييك اف ام” (التي تابعتها اعتبارا لنسبة متابعتها العالية) على خط الغزف المنفرد في بروباغندا سياسية مفضوحة قبل ان تتدارك موزاييك في بلاتوهات لاحقة (يومي الاربعاء والخميس) و”تعدل الطلق”.

“الحوار التونسي” منذ الاثنين في برنامج “7/24” دعت القيادي في النداء رافع بن عاشور والمستشار السابق للسبسي، للاستماع لراي واحد مشوه وتضليلي للواقع والتركيز خاصة على التفريق بين مفهوم “عدم التطابق” و”عدم التلاءم” مع الدستور الذي وصّفت به لجنة البندقية العديد من محتويات مشروع القانون، قبل ان تلتحق بها “موزاييك اف ام” في برنامج “ميدي شو” الثلاثاء بدعوة ممثل الرئاسة معز السيناوي الذي ذكرنا بخطاب عبد الوهاب عبد الله في المغالطات وخاصة التمسك بها، يايراد حيثيات مجتزأة من راي لجنة البندقية التي ركزت على الصلاحيات الواسعة لهيئة الحقيقة والكرامة.

وفي المساء ليوم الثلاثاء قناة “نسمة” في برنامج “ناس نسمة” الذي دعا شخصين من نفس الحزب (نداء تونس) توفيق بوعشبة ووسام السعيدي، ولكم ان تتخيلوا البقية في الانتقاء وتشويه راي لجنة البندقية، ولكم ان تتخيلوا مستلزمات “التعدد” و”التوازن” التي تم اعدامها وسلخها امام الصمت الرهيب للـ”الهيكا” التي لم تعد تهمها اعتبارات تحقيق التعددية والتداول وحرية التعبير والديمقراطية، ويبدو انه تعطل لديها كل اجهزة “الفيزيوناج” او دعيت “للتحكيم” في دورات دولية خارج الوطن، اذ ان المرسوم عدد 116 لم يتم تحويره حتى نسجل الصمت الفظيع من قبلها في قضية عالية الخطورة والحساسية والرهانات على الفكر والتعبير والديمقراطية والحريات.

وكانت فعلا “مجزرة” في حق الحقيقة وحرية التعبير ومعايير الصحافة والديمقراطية، في امر يتعلق بقضية خلافية مصيرية على الوطن وعلى العدالة ومكافحة الفساد وتحقيق المصالحة والاستقرار في البلد واصلاح المؤسسات وانصاف ضحايا حقبة الاستبداد، وهي كلها مرتبطة بمواثيق وقوانين دولية وقواعد دستورية تفرض من هيئة التعديل السمعي البصري التدخل العاجل لارجاع الامور الى نصابها.

ولكن كان من المفروض ايضا احتجاج الاحزاب المعارضة التي تحملت الاقصاء الممنهج دون رد فعل وجب ان يكون متناسبا في الحدة مع الخروق القانونية والمهنية من وسائل الاعلام الخاصة والعامة التي انخرطت على خط التضليل والتدليس فضلا على البروباغندا والدعاية المفضوحة، ولم تستثمر بذلك بما يستوجب راي لجنة البندقية الذي مثل “ضربة قاضية” تجاوزت مجرد زعزعة للمشروع الرئاسي.

راي لجنة البندقية: نسف المشروع الرئاسي

راي لجنة البندقية الحقيقة الصادر بتاريخ السبت 24 اكتوبر في الدورة العامة عدد 104، والذي تم نشره الاربعاء 28 اكتوبر على موقعها الرسمي في 12 صفحة و62 فقرة مهيكلة، كان واضحا وحاسما في النسف العميق لمشروع رئاسة الجمهورية الذي صبغه التضارب والضعف والضبابية فضلا عن التناقض مع المنظومة القانونية النافذة وعلى راسها الدستور ومنظومة العدالة الانتقالية، وهو ما “استدعى” كل هذه المكينة الاعلامية “الثقيلة” للتشويه والتضليل لانقاذ الاساطير المؤسسة لمشروع القانون المتهالك.

فهذا الراي الانتقالي افضى في المحصلة بشكل صريح الى انه لا يمكن احداث “لجنة مصالحة” (التي ارساها مشروع قانون المصالحة) دون تشريك “هيئة الحقيقة والكرامة” و”المجتمع المدني” في صياغة (في الصياغة وليس مجرد الاستشارة او تعديل نص جاهز) قانونها،(فقرة 61)، ما يعني انه لا مجال ولا امكانية حاضرا او مستقبلا لمقترحات قوانين في هذا الخصوص بطريقة احادية من الرئاسة او من غيرها، كما انه لا مجال لمجرد ادخال تغييرات لمشروع القانون امام لجنة الشريع العام.

ولئن لم تر لجنة البندقية ما يمنع في الدستور او قانون العدالة الانتقالية تبني تشريع خاص متعلق بالمجالات الاقتصادية والمالية، بانشاء لجنة خاصة تكلف بالملفات المالية لتسريع الاجراءات الحالية لغاية تحقيق العدالة الانتقالية في الاجال التي حددها المشرع (4 سنوات يمكن تمديدها بسنة)، (فقرة 54)، فانها في حالة مشروع قانون المصالحة لم تقبل تماما مرتكزات هذه اللجنة في جعلها منظومة العدالة الانتقالية بطريقين “à double voie”، بين “هيئة الحقيقة والكرامة” و”لجنة المصالحة”، وهو ما لا يمكن ان يتلاءم مع الفصل 148 من الدستور الذي يقضي بالتزام الدولة بتطبيق العدالة الانتقالية “في جميع مجالاتها” الا ضمن شروط، اهمها “تطابق الطريقين” و”تحقيقهما اهداف العدالة الانتقالية” واحترام دولة القانون، وهو ما يتناقض وما تضمنه مشروع القانون،(فقرة 55).

الراي الانتقالي القادم من البندقية، انتهى في تعارض واضح مع ما روج له مشروع الرئاسة في شرح الاسباب (اي دوافع مشروع القانون)، اذ ان مشروع القانون المقترح من الرئاسة في صيغته الحالية لا يمكن ان يقود “لا الى تسريع مسار العدالة الانتقالية” و”لا الى تحسين فعاليته”، وخاصة فيما يرتبط بالفصل 12 القاضي بالغاء جملة من الفصول القانونية، وذلك لمخالفته مبدأ “الامان القانوني” باعتبار وجود خطر التسبب في نزاعات اختصاص لا يمكن تجاوزها بين “هيئة الحقيقة والكرامة” و”لجنة المصالحة” التي نص عليها المشروع المقترح (فقرة 59).

وفي تركيزها على طبيعة وخصوصية “لجنة المصالحة” التي تم ارساؤها في مشروع قانون المصالحة والاجراءات التي ارسيت امامها، اعتبرت لجنة البندقية ان “لجنة المصالحة” تفتقد لما يمكن من ضمانات الاستقلالية الكافية في مجال الفساد المالي وتحويل المال العام لكي تكون مطابقة لما يمكن ان تضمنه هيئة الحقيقة والكرامة (فقرة 56) حسب ولايتها التي حددها القانون، كما خلصت الى ان الاجرءات امام “اللجنة” لا يمكن ان تضمن اقامة العدالة الانتقالية وخاصة لارساء “الحقيقة” ولا “الاعلام” (فقرة 57)، ولا تُمَكّن من تحقيق احد ابرز اهداف هذه المنظومة واساسا “اصلاح المؤسسات” (فقرة 58).

عنصران في المحصلة ينسفان نهائيا المبادرة التشريعية الرئاسية
– اعتبار لجنة البندقية ان “الاساس القانوني لهيئة الحقيقة والكرامة لا يمكن تحويره بطريقة تجعل اشغالها دون موضوع وتجهض بذلك هدف المصالحة الوطنية” (فقرة 60)، وهو ما يتناقض ومسعى مشروع السبسي الذي يهدف لافراغ هيئة الحقيقة والكرامة من كل مضمون ووظيفة في المجال المالي والاقتصادي.
– وكذلك اعتبارها ان سير كل نظام عدالة انتقالية يتطلب قبول واسع (فقرة 52)، وهو ما يتناقض جوهريا مع التمشي الرئاسي الحالي المبني على المغالبة وشيطنة الخصوم السياسيين والمرتكز على شبهات عالية بخدمة منظومة الفساد في نطاق صفقات سياسية تتوفر عديد القرائن والمؤشرات على وجودها.

مكابرة الرئاسة وجوقتها واصراهم على الهروب الى الامام وتعمدهم المغالطة والتدليس والالتباس وزرع الضبابية وعدم فهم البعض الاخر للموضوع بعد زرع الغموض بطريقة القصف الاعلامي المركز لن يغير موقف لجنة البندقية الذي جاء حاسما لقضية تخفى فيها اغلب ادعياء القانون الذين تحولوا الى فقهاء سلطان بامتياز خرسوا اليوم وخاصة تلك السدنة المتكونة من الصادق بلعيد وعياض بن عاشور وسليم اللغماني وغازي الغرايري وامين محفوظ التي امتدحها السبسي دعما لمشروعه الذي اكتشفنا اليوم بجلاء مدى تهالكه وتهافت فتاوي فقهائه وعمق الارتجال والتخبط في اعداده!

(*) قانوني وناشط حقوقي