قبل مائة عام عرفت مدينة غلاسكو البريطانية موجة احتجاجات عمالية كبرى، انتهت بمطالبة العمال ايقاف سير الترامواي ليوم واحد، احتجاجا على و ضعيتهم الاجتماعية المزرية، وحين رفضت الحكومة مطلبهم، قاموا بقطع الكابولات و ايقاف الترامواي، فما كان من الحكومة المركزية الى ان ارسلت رجال الشرطة لقمع الاحتجاجات، ويروي هاري ماكشين (أحد عمال غلاسكو) قصة ذلك اليوم البطولي و الذي انتهى بانتصار العمال على البوليس و تجريدهم من ملابسهم، و اعادتهم عراة.

police-mer-kerkennah

مشهد تكرر بعد مائة عام في جزيرة قرقنة -شرق البلاد- و مشهد سيارة الشرطة وهي تقبع في قاع ميناء سيدي يوسف، بعد ان انتصر العمال و المعطلون و الصيادون على اداة القمع البوليسية و تمكنوا من جعل البوليس يفر الى خارج الجزيرة، في مشهد لا يختلف كثيرا عن ما وقع في غلاسكو.

قرقنة، و التي احتفل اهلها بطرد البوليس، و استقبل الموقوفين المفرج عنهم بعد حملة الاعتقالات الاخيرة على الاعناق، تمثل اليوم نقطة ارتكاز جديد للحراك الاجتماعي الثوري الذي تعيشه البلاد منذ أشهر، و الذي انطلق من القصرين قبل مدة قصيرة و شمل كل البلاد ثم عاد ليهدىء من جديد، قبل ان تنفجر جزيرة قرقنة في وجه السلطة المركزية و تطالب بالتنمية و ايقاف شركة بتروفاك التي يؤثر نشاطها على سلامة البحر مصدر رزق البحارة الوحيد.

جهاز البوليس التونسي، الاداة التاريخية التي تستحتضرها الحكومة المركزية في مواجهة كل حراك اجتماعي، لم يدرك بعد ان المعاير في تونس قد تغيرت و ان حاجز الخوف قد كسر على يد الجماهير في جانفي 2011، و ان العقلية الامنية لم تعد حلا، وان العنف لا يخلف الا عنفا مضادا، ففي حين تستحضر الدولة اليوم مايسمى ”مشروعية العنف الذي تحتكره“ تستحضر ”الجماهير شرعية العنف الثوري الذي اكتسبته“، عنف جماهري متصاعد اربك الجهاز الامني، الذي حافظ رجالاته على خطابهم القديم في وصف المنتفضيين ”بالسكارى“ بحسب الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية، خطاب يذكرنا بالقذافي وهو يصف شعبة الثائر بمستهلكي حبوب الهلوسة قبل ان يتساءل ”من انتم ؟“

تصريحات امنية مستهلكة، في غالبها مضحكة، خاصة تلك التصريحات التي صدرت عن ”النقابي الامني الصحبي الجويني“ و الذي قال فيها ان احد القيادات الارهابية هي من تقود الحراك الاجتماعي في جزيرة قرقنة متحدثا عن امكانية استعمال الرصاص في تسوية الأمر، وكأن رصاصه هذا قد حسم الامر في جانفي 2011 ؟هذا الارتباك الامني مرده محاولة تصدر الامن الصراع و التحول الى طرف فيه، برغم انه لايتعدى ان يكون الا اداة تعمل وفق زر ”الحاجة“ الذي تضغطه الحكومة المركزية، ليدفع هذا الجهاز الثمن امام التاريخ و .الشعب، فالتاريخ في غلاسكو و بعد مضي مائة عام يتندر و يضحك من رجال الشرطة العراة و يمجد هاري ماكشين و رفاقه.

الحل في قرقنة هو حل سياسي، درس ترفض قيادة البلاد فهمه، و استعمال الحل الامني من شانه ان يوتر الوضع اكثر و يدفع نحو الانفجار و لو كان هذا الحل منقذا لكان انقذ بن علي في 2011، غير ان الحكومة وكما يبدو تعاني من الافلاس السياسي و تلتمس خطاها الاخيرة نحو النهاية بعد فشلها في الحسم مع العديد من الملفات الحارقة اهمها التشغيل و الارهاب الى ان يدرك الجميع في تونس ان تركيبة هذا الشعب النفسية تغيرت اوانه اصبح قادرا على الرد سنرى العديد من رجال الشرطة على طريقة غلاسكو قبل مائة عام.