contre-reconciliation-economique-graffiti

تجدد في الآونة الأخيرة الجدل الدائر حول ما يُسمّى بقانون المصالحة الاقتصادية المطروح منذ أشهر بمبادرة من رئيس الجمهورية الذي يبرر هذه الخطوة بكونها السبيل الوحيد حسب اعتقاده لإعادة إحياء الدورة الاقتصادية المعطلة من خلال فتح المجال أمام رجال الأعمال لإعادة الأموال المهربة أو المودّعة في الخارج إلي تونس واستئناف نشاطهم الاقتصادي والاستثماري وذلك مقابل إيقاف التتبعات العدلية ضدهم القائمة أو المحتملة مع الإشارة إلى أن هذا القانون يشمل أيضا كبار الإداريين المورطين في قضايا فساد وجرائم إدارية ذات صبغة اقتصادية.

وعلى إثر الكشف عن فضيحة باناما بايبر والشكوك التي تحوم حول تورّط عدد من كبار السياسيين التونسيين، المنتمين في أغلبهم إلى أحزاب سياسية حاكمة في ممارسات غير قانونية ذات صلة بتهريب الأموال والبحث عن سبل إخفائها في ملاذات ضريبية آمنة، برز من جديد موضوع المصالحة بصيغة جديدة طرحتها حركة النهضة على أحزاب الائتلاف الحكومي.

خلفيات قانون المصالحة الاقتصادية و فعاليته المحدودة

ويجدر التذكير بأن ملف المصالحة الاقتصادية كان قد آثار في حينه ردود فعل سلبية عنيفة من قبل أحزاب المعارضة وعديد النشطاء في المجتمع المدني الذين اعتبروه انحيازا من السلطات الحاكمة إلى جانب شريحة معينة من رجال الأعمال الفاسدين المقربين من النظام السابق و الذين استطاعوا العودة من خلال الانتخابات إلى مواقع النفوذ المؤثرة في دوائر السلطة. وقد أضحوا يعملون على التأثير في القرار السياسي باتجاه تكريس ثقافة الإفلات من العقاب وتصفية ملف المحاسبة و مقاومة الفساد و كذلك تعطيل العدالة الانتقالية والقضاء على المؤسسات العاملة في مجال مقاومة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة ومنها خاصة هيئة الحقيقة والكرامة.

ودون الخوض أكثر من تفاصيل هذا الجدل، فإني أعتقد أن محاولات عرقلة مسار مقاومة الفساد والعدالة الانتقالية بحجة احياء الحركية الاقتصادية من خلال القفز على الآليات والمؤسسات القائمة المتعهدة بهذه الملفات لن يجدي نفعا وسيزيد في تأجيج الاحتقان السياسي وأزمة الثقة الحادة القائمة أصلا بين السلطات الحاكمة والمعارضة لا سيما و ان ظاهرة تهريب الاموال و مغادرة المستثمرين التونسيين و الاجانب الى خارج تونس في تفاقم مستمر رغم تعدد الحوافز المتخذة لفائدتهم في قوانين الميزانية المتعاقبة بعد الثورة.

كما اثبتت التجربة في الدول التي سبق لها سن مثل هذه القوانين على غرار المغرب، محدودية النتائج المحققة و صعوبة التحقق من دقة و صحة البيانات المتعلقة بالحجم الحقيقي للأموال المهربة التي يتم استردادها فضلا عن استحالة ضمان عدم اعادة تهريبها.

المصالحة الاقتصادية إقرار بفشل سياسة استرداد الأموال المنهوبة و المهرّبة إلى الخارج

في واقع الأمر لابد من التذكير بأن مشروع قانون المصالحة الاقتصادية يرتبط ارتباطا وثيقا بملف استرداد الأموال المنهوبة والمهرّبة إلى الخارج الذي طرح منذ المراحل الأولى للثورة وكان ذلك من خلال الالتزام الذي اتخذته مجموعة الثمانية (حاليا مجموعة السبعة) للدول الصناعية الكبرى أثناء قمتها المنعقدة بمدينة دوفيل الفرنسية (ماي 2011) بمساعدة تونس على استرداد أموالها «المسروقة» وأيضا تمكينها من برنامج ضخم للمساعدات المالية بشروط تفاضليّة و ذلك سعيا للحفاظ على توازناتها المالية و استقرارها السياسي و الاقتصادي الضروريين لإنجاح الانتقال الديمقراطي المنشود.

والملاحظ أن هذا الالتزام غير المسبوق، ورد في البيان الختامي للقمة تعبيرا عن رغبة مجموعة السبعة المعلنة في تيسير الانتقال الديمقراطي والاقتصادي في تونس وبلدان الربيع العربي و ذلك من خلال التعبير عن اعتزام هذه الدول على ادخال تغيير جذري في السياسة الغربية باتجاه القطع مع سياسة الدعم للأنظمة الدكتاتورية و غير الديمقراطية وتمكين الشعوب الثائرة ضدها من استرجاع أموالها المسروقة المهرب جلها إلى الملاذات الضريبية الآمنة المرتبطة بالدول الغربية وبعض الدول الحليفة لها من الخليج العربي المشاركة أيضا في قمة دوفيل.

إلا أن الحكومات التونسية المعاقبة بعد الثورة أقرت بفشلها في استرداد الأموال المنهوبة لأسباب عديدة من بينها عدم تعاون الأطراف الخارجية المعنية بهذا الملف مع تونس ومنها مجموعة السبعة (الولايات المتحدة الأمريكية، فرنسا، بريطانيا، اليابان، كندا، إيطاليا، المانيا) التي تنكرت أيضا إلى وعودها المتعلقة بتوفير المساعدات المالية الضخمة الملائمة لإنجاح الانتقال الديمقراطي والحفاظ على الاستقرار السياسي والاقتصادي بتونس.

ويبدو أن هذا الإخفاق، إلى جانب الصعوبات المالية الخانقة التي تواجهها تونس، هو الذي دفع برئيس الدولة لتقديم هذه المبادرة اعتقادا منه بأنها ستساعد على إقناع قطاع المال والأعمال التونسي بإعادة أمواله المودعة بالخارج وإعادة إحياء حركية الاستثمارات بما سيؤدي إلي إنعاش الدورة الاقتصادية المشلولة بتونس.

لكن حظوظ نجاح هذه المبادرة تبدو ضعيفة لشدة المعارضة التي تواجهها خاصة وأن السلطات الحاكمة أثبتت فشلها في إيقاف نزيف تهريب الأموال الذي ازداد بنسبة 20٪ منذ اندلاع الثورة، وفقا لتقارير منظمة الشفافية الدولية المؤكدة على عدم وجود إرادة سياسية لمعالجة هذه المعضلة في أعلى مستوى القرار بتونس.

وبالتالي لا يبدو أن الحكومة ستنجح في تمرير مشروع قانون المصالحة الاقتصادية لاسيما في ظل التطورات الأخيرة ذات الصلة بهذا الملف ومنها تحديدا تفعيل دور هيئة الحقيقة و الكرامة التي نجحت في استقطاب عدة رجال أعمال – من بينهم العديد من رموز النظام السابق من اصهار الرئيس المخلوع – الذين أبدوا الرغبة في الاستفادة من الآليات المتاحة لهم لتحقيق المصالحة مع الدولة التونسية وإعادة الأموال المنهوبة والمودعة بالخارج مقابل تعليق التتبعات العدلية والأحكام الزجرية الصادرة ضدهم.

لكنه و على افتراض نجاح الدولة بأي وسيلة كانت ،في تحفيز رجال الاعمال التونسيين على اعادة الاموال الى تونس فان مساهمتهم في انعاش الوضع الاقتصادي ستكون محدودة او منعدمة لعدة اسباب من اهمها سيطرة راس المال الاجنبي على القطاعات الانتاجية في تونس و هجرة قطاع الاعمال التونسي باتجاه القطاعات الخدماتية و التجارية او حتى التجارة الموازية و الاقتصاد غير المنظم.

شروط تحقيق المصالحة الاقتصادية الحقيقية

و هكذا يتضح أن تحقيق المصالحة الاقتصادية مع رجال الأعمال يفترض أن لا تقتصر على استعادة الأموال المودعة أو المهرّبة إلى الخارج بل التوصل إلى إعادة ضخّ هذه الأموال في الدورة الاقتصادية والاستثمارية المنتجة بهدف إنعاش الوضع الاقتصادي وفقا للأهداف المعلنة لهذه المبادرة. وبالتالي يفترض أن تحرص الدولة على التفاوض مع رجال الأعمال أو الأطراف المعنية بالمصالحة، حول سبل استثمار هذه الأرصدة في مشاريع محددة تندرج في إطار خدمة الاولويات الاقتصادية الوطنية و المصلحة العامة والمخططات التنموية للبلاد. كما يفترض أن يكون تحقيق المصالحة ورفع التتبعات مرتبطا بالتأكد من صحة البيانات المقدمة حول حجم الأموال المهرّبة ووضع الآليات الكفيلة بعدم إعادة تهريبها أو إخراجها مجددا بطرق غير قانونية.

يبقى أن نشير إلى أن الأرقام المكشوفة حول حجم الأموال المهرّبة من تونس إلى الخارج قبل الثورة وبعدها (حوالي 60 مليار دينار حسب منظمة الشفافية الدولية) تشير إلى تفاقم هذه الظاهرة وارتباطها أيضا بخروج العديد من المستثمرين التونسيين والأجانب وهجرتهم نحو وجهات استثمارية أخرى أكثر استقرارا مثل المغرب والجزائر.

وهكذا يتضح أن إعادة الحيوية للدورة الاقتصادية التونسية لا يمكن أن ينحصر في مجرد تحقيق المصالحة مع رجال الأعمال الذين سيقبلون على الانخراط في الآليات المتاحة عبر هيئة الحقيقة والكرامة أو عبر القانون المطروح من رئاسة الجمهورية في حالة نجاحها في تمريره.

اصلاح السياسات الاقتصادية ضروري لإنعاش الوضع الاقتصادي المتردي بتونس

و خلاصة القول ان المصالحة الاقتصادية مع رجال الاعمال التونسيين تعتبر قضية هامشية نسبيا اذا تعلق الامر بالبحث في سبل معالجة المأزق الاقتصادي و المالي الخطير و غير المسبوق الذي تردت فيه تونس لأسباب عدة من اهمها تمسك الحكومات المتعاقبة بعد الثورة بنفس السياسات الاقتصادية و الخيارات الدبلوماسية ذات الصلة المتبعة في ظل النظام السابق مما زاد في تعميق الازمة الاقتصادية و ازمة المديونية التي خرجت عن دائرة السيطرة مما ضاعف في تكريس تبعية تونس ازاء البرامج و القروض المشروطة لصندوق النقد الدولي و افقدها استقلالية قرارها في تحديد خياراتها الاقتصادية.

و من هذا المنطلق فان القضية الاساسية المطروحة على تونس اليوم هي في تقديري فتح حوار وطني بمبادرة من رئاسة الجمهورية حول سبل بلورة وفاق جامع للقوى و الاطياف السياسية الفاعلة بخصوص الملفات ذات الصلة بإنقاذ تونس من خلال اصلاح الاوضاع الاقتصادية و منها خاصة استعادة تونس لتوازناتها المالية المنهارة عبر معالجة قضية المديونية المفرطة و استردادها لأموالها المنهوبة الى جانب مراجعة العلاقات و الاتفاقيات و المبادلات غير المتكافئة مع الاتحاد الاوروبي و مجموعة السبعة.

و قد تكون مبادرة رئيس الجمهورية الأخيرة المتعلقة بتشكيل حكومة وحدة وطنية للخروج من ازمة الحكم والمأزق السياسي و الاقتصادي الحالي فرصة سانحة لبلورة توافق وطني حول هذه القضايا المصيرية الحساسة التي ظلت منذ اندلاع الثورة محتكرة من دوائر السلطة و القرار و مغيبه رغم اهميتها القصوى عن الرأي العام و اطر الحوار الديمقراطي كما كان ذلك الشأن في ظل النظام السابق.