Valery Giscard d’Estaing
Hedi Nouira

تكتسي الآفاق العشرية للتنمية أهمية خاصة في التاريخ الدبلوماسي و الاقتصاد التونسي باعتبار أنها تشكل أول إستراتيجية وضعتها الدولة التونسية الناشئة  خلال مرحلة الستينات لبناء اقتصاد انتاجي و التخلص من رواسب الاستعمار  الاقتصادي الفرنسي و ذلك بعد تأكد الرئيس بورقيبة ان استرداد مقومات الاستقلال الحقيقي و التام يحتاج الى تبني أسلوب التخطيط الاستراتيجي  و تولي  الدولة التونسية،  كفاعل إقتصادي رئيسي، السهر على إنجاز المخططات التنموية  المجسدة لهذه الإستراتيجية. و رغم حصول هذا الخيار على تزكية البنك الدولي فانه اصطدم بصعوبات داخلية و خارجية من بينها الموقف الفرنسي المعارض المسنود داخليا من اللوبيات الفرنكوفونية  التونسية المدعومة من فرنسا.

أسباب تبني تونس للتخطيط الاستراتيجي كمنوال للتنمية و للتخلص من الإستعمار

وكما سبق بيانه لم يكن بروتوكول  الاستقلال المبرم مع فرنسا بتاريخ 20 مارس 1956 سوى إعلان للمبادئ وهو ينص على إجراء مفاوضات لاحقة قطاعية بداية من أفريل 1956 لنقل مقومات السيادة إلى تونس مرحليا في القطاعات السيادية كالأمن والشؤون الدفاعية والخارجية والاقتصادية وغيرها. غير أن وثيقة الاستقلال التام كانت قابلة للتأويل من حيث أنها أبقت على اتفاقيات الحكم الذاتي لسنة 1955 سارية المفعول والحال أنها تكرّس الهيمنة الفرنسية المطلقة على مفاصل الاقتصاد وتضمن للفرنسيين وللجاليات الأوروبية الحفاظ على حقوقهم المكتسبة أثناء فترة الاحتلال بموجب منظومة الامتيازات الخاصة بالأجانب.

وهذا ما يفسّر تعثر مفاوضات نقل السيادة و تعدد مظاهر التوتر والصدام والأزمات  التي سادت العلاقات بين تونس وفرنسا طيلة العقد الأول الموالي للاستقلال  وإلى آخر الستينات  كما هو مبين في الدراسات الأكاديمية ومنها    اطروحة الدكتوراه للكاتب الجامعي الألماني Werner Ruf وهي صادرة باللغة العربية بتونس سنة 2011 بعنوان “البورقيبية والسياسة الخارجية لتونس المستقلة” . وإزاء موقف فرنسا غير المتجاوب مع تطلعات تونس للحصول على استقلالها التام والمعرقل للمساعي التونسية الرامية لبناء علاقات تعاون متكافئة ومفيدة للجانبين مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية، ارتأى الرئيس بورقيبة اللجوء مطلع الستينات  إلى التخطيط الاستراتيجي لوضع مشروع مجتمعي متكامل يقوم على استرداد تونس لحقها في تقرير مصيرها  و بناء أسس الدولة التونسية الحديثة.

و الملاحظ في هذا الصدد، أنه باستثناء الاتفاقية الموقعة بتاريخ 15 جوان  1956 التي استردت تونس بموجبها استقلالها في مجال السياسة الخارجية استمرت فرنسا في توخي أسلوب المماطلة وظلت تقايض كل خطوة بشروط  تعجيزية من قبيل المطالبة بتعويضات للمعمرين الفرنسيين لتحقيق الجلاء الزراعي مما اضطر الرئيس بورقيبة لتأميم الأراضي الفلاحية وذلك في إطار استراتيجية  الآفاق العشرية للتنمية لمرحلة الستينات التي شكلت تحولا كبيرا في استراتيجية تونس لتجسيد تحررها من الاستعمار الفرنسي.

الدعم الدولي للتخطيط الاستراتيجي التونسي  و أسباب التخلي عنه

يجدر التذكير بأن تونس، سبق لها أن لجأت خلال السنوات الخمس الأولى الموالية للاستقلال إلى عدة خطوات سيادية  ومنها خاصة استراد السيادة النقدية والمالية بإحداث البنك المركزي التونسي والعملة الوطنية وتأميم القطاع البنكي إلى جانب تأميم الخدمات والمرافق الأساسية في مجالات انتاج و توزيع الماء والكهرباء. هذا إضافة إلى العديد من الاصلاحات الكبرى الأخرى التي شملت التجارة الداخلية والخارجية ومنظومة الصرف فضلا عن الاصلاحات المتعلقة بالقطاعات الاجتماعية والتعليم وتحرير المرأة وغير ذلك من القطاعات الحيويّة.

و تزامنت هذه الجهود مع حركية دءوبة للدبلوماسية التونسية لتوسيع دائرة العلاقات الخارجية لتونس وتنويع شركائها الاقتصاديين  و حشد الدعم الدولي لإستراتيجيتها الجديدة و لمخططاتها التنموية فضلا عن مبادراتها  الهادفة  لتحقيق الجلاء العسكري عن أراضيها و استكمال مقومات سيادتها الوطنية.

لكن تونس سرعان ما أدركت أن العمل على التحرر من التبعية و الهيمنة   الاقتصادية الفرنسية   المستمرين منذ اكثر من سبعة عقود من الزمن، يحتاج إلى نفس طويل وإلى تبني  التخطيط الاستراتيجي كمنوال للتنمية وهو ما تجسّد عبر الآفاق العشرية للتنمية 1962 ـ 1971 التي كرست الدور المركزي للدولة التونسية الناشئة و القطاع العام في ادارة الشأن الاقتصادي  و تحقيق اهدافها الاستراتيجية  بعيدة المدى المتمثلة في إزالة الاستعمار الاقتصادي من خلال بناء اقتصاد انتاجي صناعي و فلاحي حديث يرمي الى الارتقاء بالإنسان التونسي و جعله اداة فاعلة في العملية التنموية.

و رغم القيود و المحاذير الصارمة التي وضعتها الآفاق العشرية للتنمية في مجال التداين الخارجي واللجوء الى  التمويلات و الاستثمارات الخارجية،  فقد بدا واضحا منذ البداية ان الموارد الذاتية التونسية المحدودة ستضطرها الى الاقتراض من الخارج و الى التعاون مع المؤسسات المالية الدولية  و البلدان الغربية المنتمية لما يسمى بكتلة العالم الحر فضلا عن فرنسا التي احتفظت بمكانتها على راس الشركاء الاستراتيجيين لتونس.

وبذلك تبين منذ مطلع الاستقلال أن احدى  نقاط الضعف الرئيسية لتونس، التي شكلت عبر التاريخ المصدر الأساسي لتبعيتها للخارج و لخضوعها كلقمة سائغة لموجات متعاقبة من الغزاة و المحتلين هي حاجتها المستمرة لموارد مالية تتجاوز إمكانياتها الذاتية، و قد اثبتت التجربة التاريخية على مر العصور أن هذه العقبة، الى جانب الفساد و سوء الحوكمة، ساهمت بقسط وافر في إجهاض التجارب الاصلاحية و التنموية الوطنية بل انها غالبا ما تؤدي، كما هو الحال  اليوم، إلى جر البلاد الى التداين المفرط  و الى  الافلاس المالي و الاقتصادي و ما يترتب عنه من مخاطر وتهديدات على أمن تونس و مستقبلها.

و قد ثبت منذ مطلع الثمانينات في غمرة أزمة المديونية و الأزمة الاقتصادية المتزامنة مع الانتشار القصري لمنظومة اقتصاد السوق و العولمة التجارية و الاقتصادية المفروضة من الدول الصناعية الغربية الكبرى ان تونس فشلت في الحفاظ على توازناتها المالية الكبرى و أضحت منذ 1986 رهينة  والقروض المشروطة للمؤسسات المالية الولية  و فقدت بذلك استقلالية قرارها في رسم و تحديد خياراتها الاقتصادية بما يخدم مصالحها.

وبالعودة إلى  استراتيجية الآفاق العشرية للتنمية فقد  تم الشروع في تجسيدها  عبر المخططات التنموية الثلاثة التي وضعت لتنفيذها،   ورغم ما تخللها من عثرات و من عقبات اثبتت الدراسات الأكاديمية انها شكلت   منعرجا حاسما  في سياسة تونس التنموية خاصة بعد  نجاحها  في الحصول على تزكية البنك العالمي لهذا الخيار وذلك حرصا على تأمين الدعم الدولي و التمويلات اللازمة من الدول الغربية الفاعلة صلب المؤسسات المالية العالمية لإنجاز المخططات التنموية التونسية ومواجهة الموقف الفرنسي المتحفظ المسنود من قبل اللوبيات الفرنكوفونية الداخلية التونسية التي كانت تسعى بكافة السبل لإفشال التجربة التنموية الاشتراكية وإسقاط مهندسها الوزير أحمد بن صالح الذي تم استبعاده فعلا اواخر الستينات.

و قد أدى ذلك لحصول تحول جذري ليبيرالي جديد سابق لأوانه في الأولويات الاقتصادية التونسية، مهد  للعودة  بتونس مطلع السبعينات إلى دائرة النفوذ الفرنسي وسياسة التبعيّة والانفتاح الاقتصادي والتجاري غير المتكافئ وهي الخيارات التي سبق تكريسها باتفاقيات الحكم الذاتي لسنة 1955 وبرتوكول الاستقلال لسنة 1956 وكذلك اتفاق «المشاركة» الذي تم إبرامه بين تونس والمجموعة الاقتصادية الأوروبية سنة 1969 وهو أول اتفاق تجاري توقعه تونس مع المجموعة الأوروبية بعد الاستقلال.

و لكل هذه الاسباب فان الافاق العشرية للتنمية،  و ان مكنت من وضع اسس النمط المجتمعي التونسي الجديد، فإنها لم تمكن من تحقيق  اهدافها الرئيسية و الإستراتيجية بعيدة المدى  و في طليعتها  بناء اقتصاد انتاجي صناعي و فلاحي عصري و ازالة الاستعمار الاقتصادى الفرنسي الذي كان يتطلب المحافظة على سياسة التخطيط الاستراتيجي و الدور الاقتصادي التعد يلي للدولة التونسية  و مواصلة التحكم في المديونية و المواظبة  على بناء قطاع خاص تونسي منخرط  بفاعلية في  منظومة انتاجية صناعية و فلاحية وطنية بما يجعله  شريك فاعل و اساسي للتنمية.

و هكذا يتضح أن العودة المبكرة، من خلال قانون 1972، الى النمط الاقتصادي الليبيرالي القائم على استقطاب الاستثمارات الاجنبية و الصناعات التصديرية الاجنبية كقاطرة للتنمية‘ أدى فعليا إلى تراجع تونس عن خيار التخطيط الاستراتيجي و فقدانها لاستقلالية قرارها في رسم سياساتها الاقتصادية  فضلا عن تكريس تبعيتها للمؤسسات المالية الدولية بفعل  خضوعها منذ سنة 1986  لإملاءات صندوق النقد الدولي وهو ما كرس فشل سياسة التحرر من   الهيمنة الاقتصادية الفرنسية الاوروبية  الغربية على تونس التي لم يكن من اليسير التخلص منها خاصة و انها تستمد جذورها من عمق التاريخ الاستعماري الفرنسي الطويل في المنطقة .

الطابع التجاري البحت  لاتفاق ” المشاركة” المبرم سنة 1969 مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية

تجدر الاشارة إلى أن الأزمات العديدة التي تخللت العلاقات بين تونس وفرنسا خلال العشرية الأولى الموالية للاستقلال وخاصة في بداية الستينات أثرت سلبا على المفاوضات التي شرع فيها منذ 1963 لإبرام اتفاق تعاون بين تونس والمجموعة الاقتصادية الأوروبية.

ورغم التحسّن الذي طرأ على العلاقات التونسية الفرنسية بداية من 1966 واستئناف التعاون التجاري والمالي والعسكري بينهما إلاّ أن المباحثات التونسية الأوروبية لإبرام اتفاق تعاون تعثرت في عدة مناسبات، و لذلك لم يكن  الاتفاق الذي تم التوصل اليه سنة 1969  مرضيا لتونس المتطلعة لإقامة علاقات جديدة مع فرنسا والمجموعة الاقتصادية الاوروبية تراعي التفاوت في مستويات النمو بين الجانبين وتقوم على ابرام  «عقد للتنمية» يهدف إلى مساعدة تونس على إنجاز مخططاتها التنموية المجسدة للآفاق العشرية للتنمية و الرامية الى بناء اقتصاد انتاجي يخول لها الاستفادة من التبادل التجاري مع اوروبا.

غير أن اتفاق 1969 شكل بالنسبة لتونس خيبة أمل كبرى من حيث أنه اكتسى صبغة تجارية بحتة وهو ما يتجلى من توجهاته الاستراتيجية  والأسس المرجعية الليبيرالية التي استند إليها حيث ورد حرفيا في مطلع الاتفاق أنه يهدف إلى “إزالة كافة العوائق أمام المبادلات التجارية” كما خلا هذا الاتفاق من أي ميزة تفاضلية حقيقية لفائدة تونس، باعتبار أنه يستند إلى قاعدة التبادل الحر والتبادلية في المنافع.

وهكذا اتضح منذ البداية أن الجانب الفرنسي والمجموعة الأوروبية لم يكونا مستعدين لتطوير نظرتهما للعلاقات مع تونس ومع الضفة الجنوبية للمتوسط باتجاه إقامة علاقات متكافئة تراعي مصالح الجانبين  و تراعي التفاوت الشاسع  في مستويات التنمية بين  الضفتين الجنوبية و الشمالية للمتوسط وتقطع مع عقلية  الاستعمار و الهيمنة والتبعية التي ظلت تميّز الروابط شمال جنوب منذ بداية  الاستقلال وهو ما سيتأكد لاحقا في كل الاتفاقيات التي ستبرمها تونس مع المجموعة الأوروبية بما فيها  اتفاق 1976 الذي، وان اكتسى ايضا طابعا تجاريا، فانه  بدا أكثر توازنا وأكثر انسجاما مع مقتضيات التنمية في تونس حيث تضمن التزاما من الجانب الاوروبي على مساعدة تونس على بناء اقتصاد انتاجي و انجاز مخططاتها التنموية.

خصائص اتفاق سنة 1976 بين تونس و المجموعة الاقتصادية الأوروبية

في واقع الامر هذا الاتفاق، هو ثمرة الجهود المضنية التي بذلتها تونس منذ إنطلاق المفاوضات سنة 1963 مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية لتحقيق التناسق بين اهدافها التنموية الواردة في الآفاق العشرية للتنمية و اتفاق التعاون “الشامل” الذي كانت تصبو اليه مع أوروبا على نحو يراعي الفوارق الشاسعة في مستويات التنمية بين الجانبين و يساعد تونس على بناء اقتصاد إنتاجي و تحقيق نهضتها الصناعية و الفلاحية الكفيلة بجعلها قادرة على الاستفادة تجاريا من التبادل الحر مع السوق اللأوروبية المشتركة.

و بالفعل فقد تضمن هذا الاتفاق في جانبه المتعلق بالتعاون التزاما أوروبيا بمراعاة التفاوت في مستويات التنمية مع تونس في اطار رؤية أوروبية جديدة متجهة نحو اقرار ” نمط جديد للعلاقات بين الدول المتقدمة  و الدول النامية يتماشى مع تطلعات المجموعة الدولية لإقامة نظام اقتصادي أكثر توازنا و أكثر عدالة”. وتجسيدا لهذا الالتزام تتعهد المجموعة الأوروبية بالمساهمة في تنمية تونس مع مراعاة ” أهداف  و أولويات البرامج التنموية التونسية ” بما في ذلك المساعدة على “بناء صناعة تونسية و تحديث القطاع الفلاحي لهذا البلد” من خلال إرساء ” تعاون في المجالات العلمية و التكنولوجية و حماية المحيط”.

و الملاحظ أن أهمية هذا الاتفاق تكمن في كونه يتنزل في إطار رؤية أوروبية جديدة للتعاون   المتوسطي  تم  إقرارها خلال قمة  باريس المنعقدة  في أكتوبر 1972 وهي “المقاربة المتوسطية الشاملة و المتوازنة” الا ان هذه المقاربة ظلت غامضة و غير واضحة المعالم و الاهداف. كما انها لم تؤثر جوهريا على مسار العلاقات التونسية الأوروبية خاصة و أن تونس كانت قد تخلت منذ مطلع السبعينات عن المنوال التنموي لمرحلة الستينات الوارد في الآفاق العشرية للتنمية وهو الأكثر انسجاما مع اتفاق 1976 في جوانبه المتعلقة بمساعدة تونس على بناء اقتصاد إنتاجي حديث يرتكز على الصناعة و الفلاحة مع الاشارة الى أن الدول الغربية الكبرى المتحكمة في الاسواق العالمية و السياسات الاقتصادية الدولية  و كذلك البلدان الصاعدة سبق لها ان مرت بثورات صناعية متعاقبة مكنتها من السيطرة على التجارة الدولية و من احتكار  أدوات الهيمنة السياسية و الاقتصادية على العالم.

وفي مقالاتنا اللاحقة  سنتولى تقييم  حصيلة هذين الاتفاقيين في اطار مواصلتنا لدراسة  و تقييم المسيرة التنموية لتونس ومدى تأثرها سلبا أو إيجابا بطبيعة العلاقات والاتفاقيات التي ستوقع تباعا مع المجموعة الاقتصادية الأوروبية ثم مع الاتحاد الأوروبي.