في الثالث عشر من شهر يناير 2011، خرج علينا الرئيس التونسي المخلوع في خطاب شهير، زعم فيه أن حاشيته “غلطوه” وأنهم “سيحاسبون”، وبعد أكثر من 6 سنوات، خرج وريثه الرئيس الباجي قائد السبسي في خطاب تلفزي مباشر طال انتظاره، ليعلن عن بداية المحاسبة التي لطالما هدّد بها بن علي، حيث قرّر السبسي الوريث غير الشرعي لنظام الحبيب بورقيبة، أن يكلف الجيش بحماية مناطق إنتاج الثروات من فسفاط وبترول وغاز، ممهّدا الطريق بذلك لانتقال تونس من مرحلة بناء الدولة الديمقراطية الجنينيّة إلى مرحلة تكريس الدولة شبه العسكرية.

الخطاب المنتظر لم يأت بجديد يذكر، سوى تأكيد ابتعاد ساكن قصر قرطاج عن الواقع تماما، حيث أراد قايد السبسي بلغة التهديد والوعيد، أن يقنع التونسيين بأن قانون المصالحة الاقتصادية مع الفاسدين سيمرّ وبأن هيبة الدولة ستفرض، وبأن كل معارض له ولائتلافه الحاكم خائن وعميل وجب القصاص منه وجعله عبرة للراغبين في الاصلاح.

قانون المصالحة الاقتصادية والمالية الذي يراهن السبسي على إخافة التونسيين لتمريره، بدعوى أنه سيُخرج البلاد من الأزمة، مستنكرا في الوقت نفسه الدعوات إلى إعلان العصيان المدني والخروج إلى الشوارع لإسقاطه، لن يحلّ أزمات البلاد التي كان هو أحد المتسبّبين فيها، بل سيخرجه هو من عنق الزجاجة التي وضعه فيها عدد من رجال الأعمال والفاسدين المقرّبين منه ومن حاشيته.

انتقال قائد السبسي من الحديث عن قانون المصالحة إلى السخرية من معتصمي الكامور في تطاوين المطالبين بحق منطقتهم في التنمية وفي جزء من المداخيل النفطية، جاء هو الآخر ليضع القيادة السياسية بالبلاد في موقف محرج، فمن ناحية نفت الحكومة في أكثر من مناسبة وجود البترول بكمّيات محترمة في بلادنا، ومن ناحية أخرى يقرّر رئيس الدولة الزجّ بالجيش الوطني لحماية المنشئات البترولية في الجنوب.

السبسي الذي تندّر وسخر من معتصمي الكامور في تطاوين خلال خطابه الذي شهد تحطيم الرقم القياسي في تصفيق حاضرين لرئيس دولة، أكد بما لا يدع مجالا للشك أن السلطة التنفيذية والتشريعية اليوم تعيش حالة من العجز غير المسبوق بعد أكثر من 6 سنوات من 14 جانفي 2011، كما كشف لنا أن “الحق كان زهوقا”.

قرار بداية عسكرة البلاد هو الأهم من بين كل القرارات التي أعلن عنها السبسي في خطابه الأخير، والذي قدّم له مبرّرات ظنّ أنها كافية، سيزيد الطين بلّة حسب قراءتنا الخاصة، لأن من رفع شعار “الرخ لا” سيصبح وجها لوجه أمام من يرفع شعار “الرحمة لا”.

ليس من مصلحة أحد اليوم في دولة جريحة بسبب سياسييها أن يتمّ الزج بالجيش في مواجهة المحتجّين قبل استنفاذ جميع الحلول مع من أصبح يرى الظلمة القاتمة في كلّ مكان نتيجة غياب التنمية والتشغيل وتفشّي البطالة، لأن قرار الزجّ بالمؤسسة العسكرية في الحياة السياسية أثبت فشله في تجارب عديدة ولنا فيما حدث في ثورة الخبز في جانفي 1984 دليلا قويا على ما نقول.

يبدو واضحا أن الخطاب الذي روّجت له أطراف حزبية وإعلامية عديدة إضافة إلى دوائر مقرّبة من الرئيس التونسي، ليس إلّا خطابا فاشلا شكلا ومضمونا خاصة وأنه لم يلامس الواقع ولم يقدّم حلولا ظلّ الملايين الذين يشاهدونه أنها ستأتي في نهايته، لكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه.

كل ما نخشاه اليوم أن لا يكون الفرق بين الباجي قائد السبسي والرئيس المصري عبد الفتاح السيسي سوى نقطة واحدة، فالأخير يقود مصر نحو المجهول بإدخاله الجيش في الحياة السياسية الموؤودة، والأول يبدو أنه بدأ في ذلك تدريجيّا بفضل توافقه المغشوش مع حلفائه وشركائه في الحكم.

على صعيد آخر وفيما يتعلّق بتذكير السبسي التونسيين بأننا نحارب الإرهاب، فنودّ تذكيره بأن دولا أخرى على غرار فرنسا وألمانيا وبلجيكا وإيطاليا والولايات المتحدة الأمريكية وغيرهم كثير، يحاربون بدورهم الإرهاب، ولكنهم في نفس الوقت يجتهدون في إيجاد الحلول والدفاع عن مصالح شعوبهم وتسيير دواليب دولهم وفق ما تقتضيه الديمقراطية الحقيقية.

في الأخير نقول، إن الفوضى التي تعيشها تونس بعد 14 جانفي ستتواصل مادامت عقول القيادة السياسية العليا متحجّرة، وما على الجميع إلا الوقوف لتونس اليوم بعيدا عن لغة التهديد والوعيد التي لن تزيد الأوضاع إلا سوء، وعلى من وأد الثورة في مراحلها الأولى وهلّل وطبّل وصفّق كثيرا لخطاب السبسي اليوم، أن يتحمّل مسؤولية ما آلت إليه الأوضاع، ولا داعي لتذكيرهم بما اقترفوه طيلة 3 سنوات من الحكم، لأن ذلك يطول كثيرا ولا يتّسع المجال لشرحه وكفى من القلادة ما أحاط بالعنق، واللبيب بالإشارة يفهم.