في بداية الثمانينات اشتد حصار القوات السورية والفصائل الموالية لها للمخيمات الفلسطينيّة في لبنان. وقد أشرف أهل تلك المخيّمات على الموت جوعا ومرضا. وقد كان المرحوم ياسر عرفات على علم بحسن علاقات الصّداقة بين الرئيس السوري حينها حافظ الأسد ورئيسة الوزراء الهنديّة في ذلك الوقت أنديرا غاندي. فأرسل إليها القيادي في حركة فتح بسّام أبو شريف علّها تتوسط عند حافظ الأسد ليخفف من معاناة المدنيين الفلسطينيين داخل المخيّمات. وبعد اللقاء الذي انتزع فيه أبو شريف وعدا من ابنة الزعيم غاندي بمساعدة الفلسطينيين بالتوسط لدى حافظ الأسد لمحاولة تخفيف الحصار وحين همّ بالمغادرة نادته رئيسة الوزراء الهنديّة وحمّلته رسالة يبلّغها لأبي عمّار تنصحه فيها بعدم الاعتماد على دول الخليج نهائيا. ففي نظرها تلك دول لا تملك من أمر نفسها شيئا لا سيادة لها ولا يمكن الاعتماد عليها بالمطلق لأنّها مجرّد محميّات أمريكية خاضعة صاغرة.

وحين ينظر المرء في آراء النخب السياسيّة التونسيّة الرسميّ منها وغير الرّسميّ في تونس ويتأمّل ردود أفعالها على ما يجري في الخليج حاليّا من أزمة بين قطر وجيرانها يدرك مع عميق الأسف القدر الرّهيب من الرّداءة السياسيّة والعمق المرعب للهوّة السحيقة من الغباء الاستراتيجي الذي انحدرت إليه نخبنا وتردّت فيه بكلّ اتجاهاتها دون التعميم في المطلق حتى لا نظلم بعض الأصوات الحكيمة على قلّتها. فما فهمته أنديرا غاندي بعقلها السياسي السليم وبفهمها الاستراتيجي الوقّاد، في بداية السنوات الثمانين رغم أنّها لم تشهد غزو الكويت ولا حرب تحريرها ولم تعش الحادي عشر من سبتمبر ولم تر غزو العراق ولا ولادة داعش، ما زالت النخب التونسيّة عاجزة عن فهمه إلى اللحظة الحاضرة في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين رغم تواتر النكسات وتتالي الهزائم وتلاحق الكوارث التي كانت دول الخليج دائما تقف وراءها أو سببا مباشرا فيها إن بشكل أو بآخر. وما هذا الانقسام السافر بين أهل السياسة في تونس بين مدافع عن قطر متعاطف معها ومهاجم لها شامت فيها إلاّ دليل جديد على صبيانية سياسيّة وقصور خطر وخطير في قراءة علاقات السّلطة على المستوى الدّوليّ.

تتعارك نخبنا وتتهارش بل يتسابب القوم فيشتم بعضهم بعضا من أجل صراعات بين دول بعيدة عنّا لا نفع منها يرجى ولا ضرر من الإعراض عنها يخشى بل لا تستحق حتى أن تسمّى دولا أصلا بسبب ضعف شرعيتها التاريخيّة. بل يخرج علينا في قناة الجزيرة أحد وزراء خارجيّتنا السابقون من المحسوبين على اتجاه سياسيّ معيّن فيتحدّث وكأنّه وزير خارجيّة قطر نفسها. ويصرّ من يستجوبه على معرفة موقف النخبة التونسيّة في الموضوع. فيسمح لنفسه بأن يتحدّث باسم الرأي العام التونسيّ ويجزم بميله لنصرة قطر وتعاطفها معها. وفي هذا على وجه الحقيقة النتيجة الطبيعيّة لقيام الفكر والممارسة السياسيّة على أساس التحالف الإيديولوجي وتقارب الدغمائيّات الفلسفيّة بدل العقلانيّة الاستراتيجيّة والواقعيّة البراغماتيّة. فمصالح الأوطان ومقوّمات أمنها بكلّ فروعه تستقيم على الاعتبار النفعيّ بالأساس قبل الانحياز لهذا التيّار الفكري أو تلك العائلة الإيديولوجيّة وقبل التقارب في المبادئ بينها. ولنا جميعا في مثل المستشارة الألمانيّة مثل طيّب وقدوة حسنة. فرغم كل ما تدين به أوروبا للولايات المتحدة منذ الحرب العالميّة الثانية إلى اليوم لم تتردّد إنجلا مركل تلك المرأة القويّة الذكيّة في دعوة أوروبا إلى الاعتماد على نفسها وتقوية اقتصادها وقدراتها العسكريّة الذاتيّة والكفّ عن الاعتماد على حماية الحليف الأمريكيّ بل وصلت بها الأمور إلى استثناء بريطانيا من تلك الدّعوة لخروجها من الاتحاد الأوروبي. فأفكار من هذا النّوع بالنسبة إلى المراقب السياسي الذكيّ الفطن تعتبر زلزالا من الحكمة السياسيّة والحنكة الاستراتيجيّة والقدرة على استشراف المستقبل والاستعداد له. بل يزداد احترامنا للمستشارة الألمانيّة مع معرفتنا لما تدين به ألمانيا على وجه الخصوص للولايات الأمريكيّة من حمايةٍ وتحريرٍ وإعادة بناءٍ.

فما دخلنا نحن معشر التونسيين أصلا في خلاف بين تلك المحميّات الغربيّة وتصارعها وخلافاتها على صيغ الحماية الأمريكيّة لها؟ ما هي مصلحتنا في الوقوف مع هذا الطّرف أو ذاك؟ ما الذي سنغنمه من نصرة السّعوديّة وحلفائها أو معارضتهم وما الذي سنخسره لو وقفنا مع قطر أو ضدّها؟ فلكلّ تلك الدّول مصالح وحسابات وأجندات إقليميّة تخصّها وحدها. فكل ما ترونه من توتّر في الخليج هذه الأيّام لا يزيد في النهاية عن تسابق فيما بينها على إرضاء الحامي الأمريكيّ الذي تغيّرت بوصلة سياساته الدّوليّة مع رحيل أوباما ومجيء ترامب بفلسفة حكم وإدارة جديدين.

ولا يفهمنّ من هذا الكلام دعوة إلى العزلة بالنفس عما يجري في العالم فما من عاقل اليوم يمكن أن يفكّر في زمن العولمة وثورة الاتصالات المرعبة بهذا الشّكل الانعزاليّ. ولكنها دعوة لترشيد فكرنا السياسي وإنضاجه. لقد آن الأوان لنفكر في مصالحنا نحن وحدها بغض النظر عن الرضى السياسيّ أو الأيديولوجي لهذه الجهة أو تلك. فنحن دولة فقيرة طبيعيًّا وليس أمامنا من خيار آخر إلا صنع الثّروة عبر طاقاتنا البشريّة ولا أرى شخصيّا لدول الخليج ذات الاقتصاديات الرّيعيّة المتخلّفة على غناها دور تلعبه في مشروع بهذه الطبيعة. فلتُعرض نخبنا إذن عن هذه المزايدات الإيديولوجيّة والمناكفات القبليّة التي تضرب الإقليم ولا تنفكّ تدمّره. ولنولّ وجوهنا شطر الدّول القويّة اقتصاديا وعسكريا وصناعيّا التقليدي منها كألمانيا واليابان والناهض كالصين والبرازيل وجنوب إفريقيا ولم لا تركيا ما لم تتدخّل في شؤوننا. تلك الدّول التي قد ترضى ببيعنا ومساعدتنا على توطين التكنولوجيا والعلم الحديث فكرا وصناعة وإنجازا لنراكم ثروتنا بعمل سواعدنا وجهد أيدينا. فلا أرى شخصيّا أيّ نفع يمكن أن يلحقنا من مصادقة دول الخليج أو التقرّب منها أو الاصطفاف إيديولوجيا أو استراتيجيا في نزاعاتها فيما بينها. بل على العكس تماما تلك دول لا يمكن أن يلحقنا منها إلا الضرر البالغ فهي فضلا عن رداءتها الثقافيّة إمّا تتآمر على ديمقراطيتنا وتريد قتلها في المهد كما تفعل الإمارات أو تريد توجيهها في اتجاه إيديولوجي يوافق هواها كما تفعل قطر. وتذكّروا ما قاله وزير داخليّتنا لطفي بن جدو عمّا اكتشفه أبناؤنا في المؤسّسة الأمنيّة والقضائيّة من وجود تمويلات قادمة من الخليج لعمليات إرهابيّة تستهدف زعزعة استقرارنا وتسعى إلى إرسال الإرهاب المتأسلم إلينا انطلاقا من ليبيا وتشجيعه على مهاجمتنا. بل إني أجزم جزم عقل وفكر متروّي لا جزم عاطفة واندفاع طائش أنّ أسر الخليج الحاكمة هي أكثر الناس غيضا من ديمقراطيتنا. وإني لا أشك لحظة في ودّهم لو تقتل الديمقراطيّة التونسيّة في مهدها وتوأد في مولدها. فبنجاحنا نحن معشر التونسيين في حل مشكل اقتسام السّلطة أعقد مشاكل العقل العربي ولأول مرّة في تاريخ العالم العربيّ على علاّته وحدوده تشكّل ديمقراطيّتنا الناشئة خطرا على عروشهم المفتقرة لأي شكل من أشكال الشّرعيّة السياسيّة أو التاريخيّة. وهذا الفقر في الشّرعيّة هو الذي يفسّر الرّفض الشّعبي في الخليج لعزل قطر وقطع العلاقات معها. ولعلّ الرأي العام في الخليج كان أذكى من نخبنا السّياسيّة المنقسمة على نفسها كالعادة بسبب هذا الموضوع. فهي تعلم علم اليقين أنّ هذه حسابات أنظمة ومناكفات أسر حاكمة أمّا الشّعوب كلّها فخاسرة الخسران كلّه من هذه القطيعة.

فتلك دول منافقة متلاعبة لن يزيدنا الخوض في شؤونها إلا توتّرا على توتّرنا واضطرابا على اضطرابنا ولا يغرنّكم ما تسمعونه منهم جميعا فكلّهم كذَبةٌ متآمرون على الأمن القومي العربي والإسلاميّ بما فيه الأمن القومي التونسيّ فضلا عن تبديدهم للثّروة العربيّة وإهدارها إما بفتح استباحتها للأجنبي أو في إنفاقها على تفاهات وسخافات ببناء اقتصاديات ترفيه بلا جدوى ودون قيمة. فلا قطر حريصة على حق الشّعب الفلسطيني كما تدّعي إذ لا مشكل عندها في إقامة علاقات مع إسرائيل وقد فعلتها في الماضي ومن يدري فقد تكون اتصالاتها مستمرّة مع الدّولة العبريّة سرّا. ولا السّعوديّة جادّة في الحرب على التطرّف والإرهاب ولا الإمارات ساعية في صدّ التوسّع الإيرانيّ. كلّها شعارات زائفة. بل إنّه من المضحك أن نصّدّق أن السّعوديّة التي يعتبر نظام تعليمها وحده آلة رهيبة لصنع السّلفيّة الجهاديّة المتأسلمة تحارب الإرهاب وتقاطع من يدعمه. ومن السّخيف أن نصدّق أن الإمارات -التي تُعتَبر إيران أوّلاً أقوى شريك اقتصادي لها والتي ترفض ثانيا أن تعرض خلافها الحدودي مع الإيرانيين على المحكمة الدّوليّة والتي يعيش فيها ثالثا مئات الآلاف من الإيرانيين إلى حد تشير فيه بعض التقديرات أنهم أكثر عددا من الإماراتيين بالولادة- تسعى في الحدّ من خطر الهيمنة الإيرانيّة. فممّن يسخر هؤلاء من أنفسهم أم من عقولنا وذكائنا؟ بل إنه من المؤسف المحزن المخزي أنْ تقاطع أربع دول عربيّة فيما يشبه إعلان الحرب الكاملة على دويلة صغيرة بحجم قطر في نفس اليوم الذي تحتفل فيه إسرائيل بالذكرى الخمسين لاحتلال القدس ولنصرها على العرب. بل لقد قرأت هذا الصّباح تصريحا مزهوا لأفيجادور ليبرمان وزير الدفاع الإسرائيلي يتغنى فيه بنصر إسرائيل على العرب ويحيّ تحالف الدّول العربيّة التي حاربت إسرائيل في سنة 1967 ووقوفها مع إسرائيل في وجه الإرهاب. بل جزم بأن إسرائيل والصّهيونيّة لم تعد خطرا على الشّرق الأوسط. وإنما الخطر كل الخطر في الإرهاب الإسلاميّ.

إن ما يجري في الخليج لا يعنينا على الكليّة نحن التونسيون. إنه مجرّد تصفية حسابات بين العائلات الحاكمة في الخليج على ثمن الحماية الأمريكيّة وعلى صيغها وعلى من يستحقّها أكثر من غيره وعلى من هو أقدر على خدمة مصالحها أكثر من غيره. ومن المؤسف في الوقت الذي يغرق فيه وطننا في مشاكله الدّاخليّة المستعصية بأنواعها أن نصطفّ نحن التونسيون وننغمس في صراع فضلا عن أنّه لا يعنينا هو في العمق صراع عمالة لا أكثر. وهو كذلك خلاف على ثمن الحماية الأمريكيّة لا غير. فما يجري اليوم في الخليج هو خلاف بين قطر وباقي جيرانها ولكلّ أجندته في خدمة المصالح الأمريكيّة. لذلك لم تنتصر الولايات المتحدة كما فعلت نخبتنا “العبقريّة” لصف على آخر. ففي كل الحالات هي الرابح الأكبر من غباء العرب السياسيّ وانقساماتهم وتشرذمهم البائس.

ولننأى بأنفسنا عما يجرى بين أعراب الخليج يجب أن نفهمه الفهم الصحيح الذي يقتضي الحياد الكامل تحليلا وتصرّفا. هذا التحليل الذي مهما كان وجهه يدلّ على أنّ نتائج ما يحدث ليس في مصلحة العرب كلّهم وليس في مصلحتنا نحن التونسيون على وجه الخصوص مهما كانت مسوغات هذا الطّرف أو ذاك. فالقطيعة القائمة بين قطر وباقي دول الخليج الكبرى ومصر ليست إلا نتيجة طبيعيّة لتغيّر فلسفة الحكم في الولايات المتحدة. فبانتخاب ترامب عادت فلسفة المحافظين الجدد إلى رسم السّياسات الأمريكيّة وهذا يعني نهاية مشروع أوباما الذي كانت قطر في قلبه والذي كان يقضي بتكليف الإسلام السياسيّ السني الإخوانيّ باحتواء المدّ الشيعي الذي يمثّله الإسلام السياسيّ الإيرانيّ وحلفاؤه دون التدخّل الأمريكي المباشر. وفي ضوء هذا التحالف الذي همّش دور السّعوديّة يكمن تفسير نشاط قطر وتنظيم الإخوان المسلمين في تسليح الثّورة السّوريّة وتشجيع الشباب السنيّ على المشاركة فيها. فقد كان شرط تمكينهم من السّلطة في البلاد العربيّة. وهذا ما يفسّر كذلك حماس الإسلام الإخواني في الدفاع عن قطر وعن سياساتها.

وباستلام الجمهوريين للسّلطة في واشنطن عاد معه تصوّر السّياسة الخارجيّة الأمريكيّة التقليديّ والقائم على الالتزام الكامل بحماية حلفائها الخليجيين ومعاداة إيران عبر التدخل والتسليح المباشر. ذلك السّمت الذي خرج عنه أوباما بالسير في الخطّ القطري القائم على تسليم المنطقة للإخوان المسلمين ثم بدعوة السّعوديّة للتعايش مع إيران حين فشل المسعى القطري وأُطرد الإخوان من السّلطة في مصر وتونس. لكن ترامب ليس رئيسا كباقي الرّؤساء الأمريكيين. فتصوّره للسياسة ولدور الولايات المتحدة ليس تصوّرا فلسفيّا أو سياسيّا إذ من الواضح أنّ طريقته في إدارة الرئاسة تستمد استراتيجيّتها بالكامل من شخصيّة رجل الأعمال لا من شخصيّة السياسيّ. فزاد على التصوّر التقليدي للسياسات الأمريكيّة في الشّرق الأوسط الرغبة في استغلالها اقتصاديا إلى أقصى الحدود. وقد كان ذلك عين ما فعله. فكانت أولى زياراته الخارجيّة للسّعوديّة حيث نفّذ تهديد حملته الانتخابيّة بابتزاز دول الخليج فرحل عنهم وفي حقيبته ما يقرب من نصف تريليون دولار أمريكي [ما يقرب من 500 مليار دولار] بما فيها أموال الحج والعمرة. وهو ما يعادل ميزانيّة العربيّة السّعوديّة بل يزيد عليها لسنة كاملة. ورغم هذا الثمن الباهض والمشطّ للحماية الأمريكيّة إلا أنّ سياسة ترامب قد وافقت هوى السّعوديّة وحلفائها. ولا يمكن لعاقل أن يقنعني بأن ما جرى في صباح الخامس من جوان قد تم دون ضوء أخضر أمريكيّ. لذلك انقضّ الجميع على قطر في هذه اللحظة تحديدا. فالسّعوديّة لم تغفر لها تهميش دورها التقليدي في المنطقة ولم تغفر لها دعم الإخوان وتقويتهم لينافسوها في تمثيلها لسلطة الإسلام وعلى النطق باسمه. ولا مصر غفرت لها دعمها الإخوان حين حكموا ولا إيوائها لهم وتمكينهم من التعبير عن أنفسهم بعد انقلاب السيسي ومهاجمة سياسات نظامه العسكريّ. أما الإمارات فموقفها من الربيع العربي كان واضحا منذ البداية. فهي تعتبره كما تعتبره السّعوديّة وكل دويلات الخليج [باستثناء سلطنة عمان] أيضا خطرا على وجودها وذلك لوعي أفراد الأسر الحاكمة هناك بعدم شرعيّة أنظمتهم التاريخيّة وبخطورة كل تحرك شعبي قد يحتج على السلط القائمة أو قد يتدخل في احتكارها للسلطة والثروة بل قد يدعو قولا أو يسعى فعلا إلى الإطاحة بها وتغييرها. فاتهام مصر والسّعوديّة والإمارات لقطر بدعم الإرهاب هو على الحقيقة اتهام لها بدعم الإخوان المسلمين العدو الأوحد لهم جميعا. ولا فائدة من الحديث عن الموقف البحريني فهو امتداد للموقف السعودي ذائب فيه خاضع له. ورغم أنّ قطر تبدو ضحيّة لهذه المؤامرة إلا أنّها هي أيضا لم تكن في دعم الإخوان خالصة النّيّة. فلا هي ساندتهم لنشر الحريّة ولا هي موّلتهم لدعم الديمقراطيّة ولكنّها وقفت وراءهم بالمال والسّلاح لسببين يخصّانها وحدها ولا مصلحة فيهما للشعوب التي ينشط داخلها الإخوان. أما الأوّل فيندرج ضمن حرصها على بناء صورة الدّولة القويّة القادرة على لعب دور في الإقليم يعادل دور كباره. ومن هذا الوجه تكون الصّفعة التي تلقتها منهم في بداية هذا الأسبوع رسالة لتحجيمها وإعادتها إلى ما يعتبرونه حجمها الطبيعي. وأمّا الثاني فمتعلّق برغبة القطريين في نشر تصوّر مسيّس للإسلام يمكنّها من استخدام الإخوان للتحّكّم في حياة البلدان التي وصلوا فيها إلى السّلطة السّياسيّة وتوجيه القرار السياسيّ فيها والتدخّل في شؤونها ومشاركة شعوبها في مقوّمات سيادتها وفرض نموذج مجتمع وطريقة حياة عليها. وهذا ما كانت قطر تأتيه فعلا حين كانت النّهضة وكان الإخوان في الحكم في تونس ومصر. وتذكّروا كيف وقف حمد أمير قطر إلى جانب المرزوقي وقال في منتهى الوقاحة وبصفاقة ليس من بعدها صفاقة أنه يعلّم رئيسنا كيف يقف وكيف يتكلّم. فجمل من تلك القبيل وبتلك اللهجة تدل على ما يدور في عقل صاحبها وعلى نواياه.

فكما نرى الكلّ سيء النيّة والكلّ يبيت الشّرّ والكل طوى الغدر والكلّ يستعمل الخديعة. فلماذا نحشر أنفسنا في صراعات الكل فيها خاسر منذ البداية. ولا رابح فيها مرة أخرى إلا الأمريكيّ. وكالعادة يختصم العرب فيما بينهم وتخرج أمريكا منتصرة. فرغم أنّ الأمريكيّ غير بعيد بل من شبه الأكيد أنه وراء هذا التوتّر كلّه إلا أنه نجح وكالعادة في إقناع الجميع بأنه صديق الجميع. وقد يرى بعضكم أنّ في هذا الموقف نفاقا وانتهازيّة لكنّنا مع ذلك مجبرون على الاعتراف بأنّ فيه كذلك كثيرا من العبقريّة السياسيّة. فلنتعلّم من الأمريكان السياسة وننأى بأنفسنا عن صراعات لا تعنينا. فثوبوا إلى أنفسكم يا أهل تونس. وانظروا في أمركم واهتموا بشأنكم واعتمدوا على أنفسكم. وتذكّروا قول أنديرا غاندي في دول الخليج. وتذكّروا من بعده غزو الكويت وتدمير العراق. فتلك دول لا يعتمد عليها. ولكم في التاريخ عبر يا أولى الألباب. أفلا تتدبّرون.