تقوم الجمعيات المائية بإدارة و استغلال المنظومات المائية التي تزود المناطق السقوية و الريفية بالماء وهي بذلك تسهر على إدارة 80% من الموارد المائية بالبلاد التونسية أي أنها تدير قسطا من المياه أكبر أربع مرات مما تستغله الشركة الوطنية لاستغلال و توزيع المياه.

حسب الإحصائيات الرسمية، يوجد بالبلاد التونسية 2500 جمعية مائية، نصفها يسير منظومات مائية لتزويد المناطق الريفية بالماء الصالح للشراب أما النصف الأخر فهو يقوم بتسيير منظومات الري بالمناطق السقوية. على خلاف الشركة الوطنية لاستغلال و توزيع المياه التي تضم ألاف المهندسين و التقنيين في مختلف الاختصاصات (هندسة المياه، الهندسة المدنية، الهندسة الميكانكية، الإعلامية و التصرف، القانون و الإدارة …) يدير كل جمعية مائية فريق يضم 5 إلى 7 أعضاء من المتطوعين من سكان تلك المنطقة الريفية الذين لا يمتلكون مهارات على علاقة مباشرة أو غير مباشرة بتسيير المنظومات المائية. تلك هي الخيارات الإستراتيجية للطبقة السياسية بالبلاد التونسية في بدايات التسعينات من القرن الماضي، التي رأت أن تقدم تسيير هذه المنظومات المائية هدية للموالين للحزب الحاكم أنذاك.

الفساد في الجمعيات المائية عنوان أسال الكثير من الحبر على أعمدة الصحافة في تونس. في متابعة غير منتظمة لجريدة الصباح اليومية قمنا برصد 25 مقالا في سنة 2015 متعلقا بالفساد في المجامع المائية التي تسهر على ادارة توزيع المياه بالمناطق السقوية و الريفية. تناولت هته المقالات الصحفية مشاكل لجمعيات مائية بطول و عرض البلاد التونسية، شمالا و جنوبا، شرقا و غربا: ولاية نابل، بنزرت، جندوبة، سيدي بوزيد، المهدية، صفاقس، القيروان، القصرين و توزر. و ترجع هذه المقالات سبب المشاكل داخل الجمعيات المائية لضعف التصرف، غياب الصيانة ، غياب التكوين للمسيرين، ضعف التأطير ، مشاكل هيكلية و تشريعية، تفشي الفساد ،المديونية و الربط العشوائي.

المديونية و الربط العشوائي، سببان كثيرا ما تستعملهم السلط المعنية لتبرير فشل المجامع المائية على اعتبار أنهما يتعلقان بفساد المشترك لتستر على فساد المسيرين و هذا باعتقادي خلط متعمد بين الأسباب و النتائج للتمويه و التستر على الفساد، إذ أن المديونية و الربط العشوائي ما هما إلا نتيجة حتمية لسوء الحوكمة داخل الجمعيات المائية.

إن المناطق المعزولة و الغير مزودة بالماء الصالح للشراب لا تعاني فقط الفقر و التهميش بل أيضا اليتم. و الحديث عن تنمية في المناطق الداخلية في غياب حلول لتزويدها بالماء الصالح لشراب هراء، أما الحديث عن حلول لاضطرابات التزود بالمياه خلال هذه الصائفة فهو هذيان.

في خضم هذه المشاكل و الفوضى، يتواصل استبعاد الكفاءات في القطاع الخاص و العام. حيث أن القرار عدد 335 المؤرخ في 14 فيفري 2002 الذي يقضي بإلزامية إجراء الكشوفات المائية للمناطق السقوية و كبار مستهلكي المياه في إطار البرنامج الوطني الاقتصادي في الماء لم يفعّل إلا في مجال المياه المستعملة لأغراض صناعية أو سياحية رغم أن نسبة هذه المياه لا تتعدّى 7% من الاستهلاك الوطني بيد أن المياه المستعملة لري المناطق السقوية تمثّل 80 % من جملة الاستهلاك الوطني.

عدم تطبيق القرار عدد 335-2002 على الجمعيات المائية التي تعنى بشبكات تزويد المناطق الريفية و المناطق السقوية يفقد البرنامج الوطني للاقتصاد بالماء مصداقيته كما يفوت علينا فرصة تقليص نسبة ضياع الماء في هذه الشبكات التي تصل الى حدود 50% حسب دراسة نشرتها مؤسسة المخطط الأزرق في نوفمبر 2012. و اذا ما احتسبنا كلفة المتر المكعب المعد للري حوالي 400 مليم، نجد أن الخسائر الناتجة عن التسربات في شبكات المياه بالمناطق السقوية تصل إلى حدود 750 مليون دينار في السنة. ارتفاع منسوب ضياع الماء جراء التسربات، وسوء إدارة الجمعيات المائية، أو قلة صيانة شبكات الماء ، وتفشي الفساد و تلوث المياه عادة ما يؤدي الى اضمحلال الجمعيات المائية و بالتالي إلى خراب المنشآت المائية و شبكات المياه التي هي عادة ما ينفق عليها الكثير من مال المجموعة الوطنية لإحداثها، ففي معتمدية سجنان من ولاية بنزرت مثلا سجّل في العشر سنين الأخيرة غلق 7 جمعيات مائية كما أغلق نفس العدد في معتمدية بوحجلة من ولاية القيروان. و إذا ما قدرنا أن كلفة انجاز شبكة مياه لتزويد منطقة سقوية أو منطقة ريفية بالماء يراوح مليون دينار فإن الخسائر في المعتمديتين آنفتي الذكر تبلغ 14 مليون دينارا مع العلم و أن كلفة شبكة مياه لري منطقة سقوية تصل أحيانا الى 30 مليون دينار، لكم أن تتصوروا حجم الخسائر في بلد يضم 264 معتمدية.

كثيرة هي الجمعيات المائية التي تعاني من مشاكل هيكلية و تفتقد للكفاءات فتقوم بتزويد مواطني الأرياف بمياه ملوثة نظرا لعدم تركيز أجهزة لتعقيم المياه مما ينجر عنه كلفة صحية جراء تفشي الأمراض.

منظومة الفساد داخل الجمعيات المائية هي عبارة عن مثلث متوازي الأضلاع يتكون من عدم الكفاءة، غياب المساءلة و غياب القيم. لاختراق هذه المنظومة وجب العمل على تنمية الكفاءة داخل الجمعيات المائية كي نفقد هذا المثلث توازنه وذلك ب:

  • تنقيح القرار 335-2002 ليشمل كل المجامع المائية التي تزود المناطق الريفية و المناطق السقوية لا فقط المجامع التي يفوق استهلاكها 5000.000 م3 في السنة.
  • احداث دورات تكوينية دورية للمهندسين بهدف إعدادهم للقيام بالكشوفات المائية للأنظمة للمناطق السقوية و الريفية.
  • إحداث دورات تكوينية دورية لمسيري المجامع المائية.
  • اختيار مؤسسة وطنية للقيام بالدورات التكوينية في مجال الكشوفات المائية.

يمكن لهذا المشروع إذا ما أنجز أن يحرك المياه الآسنة و أن يحدث ديناميكيك وتفاعلا يستفيد منه مسيري المجامع المائية و المهندسين و الجامعيين وسيمكن الجميع من اكتساب خبرة ميدانية تستفيد منها الفلاحة بالبلاد التونسية علاوة على خلق ألاف مواطن الشغل وتحسين مردودية الأنظمة المائية، كما يمكن من تحسين التدفق و ضغط المياه داخل الشبكات و بالتالي تحسين جودة تزويد الفلاحين و المواطنين بالماء. يمكن لهذه المجامع المائية أذى ما تحسنت مهاراتها و كفاءتها أن تصبح القاطرة التي تدفع التنمية بالمناطق الريفية بالبلاد التونسية.