بقلم رانية مجدوب،

شهر رمضان في تونس هو شهر الإنتاج التلفزي المحلي بامتياز، بعد الصوم إحدى عشر شهرا تتحفنا التلفزة التونسية بما لذ وطاب من البرامج الترفيهية المسلسلات الكوميدية والإنتاج الدرامي. تُعتبر المسلسلات التلفزيونية في المنطق العام تعبيرا عن الواقع ومستوحاة منه لما تعتمده من آليات قد تجعل التماهي مع القصة مُمكنا، فتجدنا قد نتشبه بالبطل و قد نبكي حرقة لمأساة الضحية.

مع اندلاع الثورة تعددت نسبيا الدراسات الناقدة للمحتوى التلفزي والإعلامي والثقافي كَكل، فالثقافة كما يشير إليها الباحث والمناضل الإنكليزي -أصيل جزر القمور- ستيوارت هول “هي مجال صراع بين ثقافة المهيمن وثقافة المهيمن عليه “1 ولعل الثورة أحيت كذلك الفكرة القرامشية عن الإيديولوجيا القائلة بأن الهيمنة لا تمر فقط عبر الحديد والنار، بل كذلك عبر انخراط جزء من المستضعفين في الترويج للثقافة المهيمنة، لا فقط فكريا، بل كذلك عبر الحصول على جملة من الامتيازات الرمزية والمادية واستبطان الجزء الآخر من المستضعفين نظرة دونية عن أنفسهم تتحول إلي أفق يحدّد حياتهم ومستقبلهم.

وإذا نظرنا اليوم إلي ما تعيشه الجهات الداخلية والأحياء الشعبية (أبناء النزوح الريفي) من منظور الهيمنة يمكننا العودة إلى الصورة النمطية التي تشكلت عبر الإنتاج الدرامي التونسي على مر السنين والتي لا تخرج عن الثنائية البورقبية التي تُمايز بين الناس حسب اعتبارهم داخل المنظومة الحداثية أو خارجها إذ يقول الكاتب جون فيليب برا “القومية التونسية واحدة وهي منضوية داخل مشروع مشترك لكنها ثنائية في الآن ذاته، فالخطاب البورقبي حول الأمة التونسية منتج كذلك لتونس أخرى لا تتموقع في نفس الدرجة داخل المشروع القومي وفي مسار التنمية، هذه الغيرية مرسومة حدوديا و مسماة بـ”الجنوب” والإحالات إليها متعددة في الخطاب البورقبي”2 ويضيف الكاتب أن صورة “الجنوب” التي أنتجها الخطاب البورقبي تراوح بين عدم التحضر والخطورة ولا تخلو من نعوت أخلاقية كالكسل والجهل.

يطرح هذا المقال قراءة لبعض الأعمال الدرامية التونسية…

مسلسل الخطاب على الباب في جزئين1997/1996

تدور أحداث المسلسل في المدينة العتيقة وهو عبارة عن كوميديا عائلية تتباين فيها الشخصيات حسب الدور رئيسي/ ثانوي وحسب الصفات، فنجد مقابل شخصية “الشادلي التمار” صاحب المال والأعمال والذي يحيل في هيئته وسلوكه إلي البرجوازية الحداثية المثقفة وشخصية سليمان الذي يحاول جاهدا الانسلاخ عن جلدته، عن لكنته، ليتشبه بالشاذلي التمار. فنراه في إحدى حلقات المسلسل يجلس في المكتب مكانه ويحاول تقليده باعتباره المثال المُقتدى به. هذه اللقطة تحيلنا علي ما يشير إليه فرانز فانون من رغبة المستعمَر في أخذ مكان المستعمِر حتى على فراش نومه. كما يمكن ملاحظة التباين بين شخصية سيدة المنزل “صفية الشقراء”، المتأنقة، التي نراها فى كل حلقات المسلسل تدخن سيجارتها كرمز على انفتاحها وتحررها، وهي تتباين مع شخصية “حدة” التي لا تفهم رغبات سيدتها في العمل ويضنيها شغلها كخادمة تقوم بأعمال شاقة وتتعرض لهرسلة “الشيخ تحيفة”.

منامة عروسية تم إنتاجه سنة2000

تلعب دور البطولة فيه الممثلة منى نور الدين وتدور أحداثه في منطقة ريفية ولا يلعب سكان الريف فيه إلا دور الخدم. تتباين شخصية منى نورالدين، المرأة الحديثة التي ترتدي ملابس أوروبية وتتحدث بلكنة البلدية وذات الصفات المعقدة مع شخصية تجسدها الممثلة لطيفة القفصي، التي تخدم الأرض وتحرس المسكن في غياب “للاتها”. المرأة التي جسدتها لطيفة القفصى تعكس شخصية بسيطة إلى حد الانتفاء، إمرة مكتنزة يهتز كل جسمها حين تتحرك.

حسابات وعقابات: مسلسل تم إنتاجه سنة 2004

لئن كان هذا العمل الدرامي يجسد صورة “إيجابية” لسكان الريف عبر شخصية “لزهر عروش”، فإن ثمنها الاندماج في الثقافة المُهيمنة والتخلي عن الانتماء الأول للشخصية. فالبطل حتى وإن ظل يدافع على لكنة أهله وطريقة كلامهم، فإنه ينتقدهم بشدة، ينتقد طرق عيشهم وعدم قدرتهم على قبول التحديث وتمسكهم بعاداتهم “البالية” ويراهم هو بدوره بمرآة الهيمنة. وقد تم إنتاج هذا المسلسل سنة 2004 أي ما يحيل علي “فترة الانفتاح ” وسعي المخلوع لكسب مشروعية عبر مشاريع تحديث “مناطق الظل”.

إنتاجات ما بعد الثورة: استمرار الصورة النمطية

أما إذا تطرقنا إلي إنتاجات ما بعد الثورة، فإننا نجد تسويق نفس الصورة النمطية لسكان الريف وأبنائهم المقيمين في المدن. ولئن تغيرت لكنة منى نورالدين من التونسي إلى “الصفاقسي” في السلسلة القصيرة “نسيبتي العزيزة” فإننا لم نخرج عن ثقافة المركز، فشخصية “الفاهم نحلة” وعائلته لا تخلو من الكليشيهات.

إن أغلب الإنتاجات الدرامية في تونس تسوّق صورة نمطية وعنصرية عن سكان الريف والأحياء الشعبية، ولم تخرج عن الثنائية البورقيبية التي أشرنا إليها في بداية النص، إذ تُصور شخوص يراوحون بين السذاجة والعنف، ويفتقدون لكل تعقيد كأنهم خارج الإنسانية وأقرب إلى البدائية. أما فيما يخص الشخصيات السود فهي مغيبة تماما و في هذا الغياب دلالة.

الإنتاج التلفزي لا يخرج عن الإيديولوجيا سوى كان كاتب القصة واعيا بذلك أم لا وهو نتاج قراءة متموقعة تستند إلي آليات تحليل، لو تغيرت لأنتجت حتما قراءة مختلفة. فالناظر للجبل من القمة لا كمن يراه من السفح على حد تعبير مكيافيل. كما أن قوة الإيديولوجيا تكمن في قدرتها علي التخفي ولباس رداء الواقعية.

إن الهيمنة على “المناطق الداخلية و الأحياء الشعبية ليست خارج المسار التاريخي وهي مرتبطة أساسا بإعادة إنتاج هرمية عنصريةفي الداخل مع بناء الدولة الحديثة وككل مؤسسات الدولة الناشئة لعبت التلفزة دورا في بناء المشروع ”الوطني“ و نشر إيديولوجيا الحداثة و التنمية أي ثقافة المستعمر”3 هل لنا أن نسأل اليوم، ماذا قدمت لنا الحداثة؟ فمشروع الحداثة الأوروبي عشناه استعمارا ومشروع التحديث البورقبي عشناه كإعادة استنتاج استعمار داخلي عبر اقتلاع مجموعات بشرية كاملة من طرق حياتها وطمس تاريخها و تحقير معرفتها. لعل الرهان الثوري اليوم يدعونا إلى الخروج من الحداثة لا الدفاع عنها، وهذا لا يتم طبعا بالبحث عن ذواتنا في ماضي لا يمكن الرجوع إليه بل في السعي إلى تحررنا وكما قال درويش في رائعته طباق “لا تثق في الحصان و لا تثق في الحداثة.لا غدا في الأمس فلنتقدم لعلنا في تقدمنا نبني جسر الرجوع إلى البربرية”.

هوامش

  1. Hall, Stuart. Identités et cultures : politiques des Cultural Studies, Paris : Amsterdam, 2007.
  2. Bras, Jean-Philippe, «L’autre Tunisie de Bourguiba. Les ombres du Sud», Michel Camau et Vincent Gesseir (dir) La trace et l’héritage, Habib Bourguiba, Michel Camau, Vincent Geisser, Karthala, 2004.
  3. Khiari Sadri , « la contre révolution rampante » Tunisia in Red 2015, Contretemps 2016.