ندوة صحفية لجبهة الإنقاذ جمعت كل من الجبهة الشعبية، نداء تونس و المسار، أوت 2013

لم تكن الأنظمة السّابقة في حاجة إلى اعتماد سياسة “فرّق تسد” تجاه المعارضة لإضعافها بل تكفّل بذلك المعارضون أنفسهم. فخصومات الحركة الطلابيّة تواصلت مع الأحزاب في وقت لاحق. كانت مشاغل النّاشطين السياسيين في الوسط الجامعي لا تتجاوز خلافات بين يساريّين وإسلاميّين وحتّى بين فصائل داخل كلّ تيّار، وقد وصلت هذه الخلافات إلى العنف في عديد المناسبات. لم ينتقد هؤلاء النّاشطون السّلطة بقدر ما انخرطوا في صراع إيديولوجيّ ثبت أنّه لم ينفع إلاّ النّظام. كان كلّ طرف يسعى إلى إقصاء الآخر، معتبرا نفسه الوحيد صاحب الشرعيّة لتمثيل الطّلبة. هذا التشتّت جعل من المعارضين فرائس سهلة لم تجد السّلطة صعوبة في ردعهم. وكان السّجن الحلّ الأنجع لتكميم أفواههم وضمان عدم انتقال “عدوى” المعارضة إلى بقيّة شرائح المجتمع.

لم يختلف الأمر كثيرا بعد نضوج هذا الجيل من السياسيّين، فقد استمرّ الخلاف حتّى بعد الانتقال إلى العمل الحزبيّ. لم تنجح مختلف التّنظيمات في توحيد صفوفها لمواجهة النّظام الحاكم بل كان لكلّ منها أجنداتها وأهدافها. ومن المؤسف أن يكون اتفاقهم حول ميثاق بن علي الشّهير، فقد انطلت الحيلة على الأحزاب المعارضة باستثناء حزب العمّال. إذ اتضح أنّه لم يكن لبن علي من هدف سوى كسب الوقت حتّى يتمكّن من التغلغل في مؤسّسات الدّولة وجمع أكبر تأييد ممكن. عاد بعد ذلك إلى الممارسات القمعيّة التي عهدتها السّاحة السياسيّة وعادت المعارضة إلى السّجون والسريّة. وبقيت وظيفة جزء منها صوريّة لتلميع النّظام (معارضة الديكور)، فكان يفسح لهم مجالا كلّما أراد أن يثبت للدول الغربيّة إيمانه بقيم الحريّة والديمقراطيّة.

وفي سنة 2005، اتضح للنّاشطين السياسيين أنّ التّشتت لن يعود بالنّفع إلاّ على النّظام فاستغلّوا انعقاد القمّة العالميّة حول مجتمع المعلومات في تونس للدّخول في إضراب جوع شمل شخصيّات من كلّ الحساسيّات: حمّه الهمامي ونجيب الشّابي وسمير ديلو وعبد الرؤوف العيّادي. لم يكن لهذه التّجربة أثر مهمّ على مستوى المعارضة السياسيّة، إلاّ أنّها نجحت في تقريب وجهات النّظر. فقد كانت فرصة للبتّ في المسائل الخلافيّة على غرار حقوق المرأة وعلاقة الدّولة بالدّين وتمّ نشر عدّة إعلانات في هذا الغرض.
لم يدم هذا الوفاق طويلا، فسرعان ما ظهر تباين في المواقف حول مختلف القضايا خاصّة الموقف من الانتخابات الرئاسيّة سنة 2009. هذه الانتخابات كانت منعرجا تاريخيّا، نجح بن علي في البقاء على هرم السّلطة وفشلت تجربة المعارضة التي تصدّعت وعاد كل طرف إلى العمل الفرديّ.

معارضو الأمس، حكّام اليوم

أتاحت الثّورة الفرصة لكلّ الأطراف السياسيّة للمشاركة في الحياة العامّة وتقديم تصوّراتها. إلاّ أنّ انعدام الخبرة جعل منها محلّ سخرية من الشّعب الذي كانت له تطلّعات أرقى. أفضت انتخابات سنة 2011 إلى فوز الإسلاميّين وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية والتكتّل من أجل العمل والحريات الذين قاموا بتشكيل حكومة الترويكا. بيد أنّهم لم يتعلّموا من دروس الماضي -رغم كونهم من ضحايا- عند تعاملهم مع المعارضة. فقد تمّ تقزيمها ووصفها بعبارات لا تدلّ إلاّ على الانحطاط السياسيّ والأخلاقيّ مثل عبارة “صفر فاصل”. فكأنّ المناصب تقوم بتنويم أصحابها إلى درجة نسيان نضالهم ومعاناتهم وجعلهم يكرّرون ما مُورس ضدهم من ظلم وتهميش. وقد وصل الأمر إلى سفك الدّماء وحرمان أطفال من آبائهم بسبب خلافات سياسيّة، جرائم اقترفت في حقّ وجوه معارضة وحتّى إن لم يكن للترويكا يد فيها فهي تتحمّل مسؤوليّة أخلاقيّة بعد ما رأيناه من تحريض.

الاغتيالات السياسيّة وجبهة الإنقاذ

دفعت المعارضة ثمن مواقفها عندما تمّ اغتيال رجلين من أبرز وجوهها (شكري بلعيد ومحمد البراهمي). مَسَّت هذه الجرائم الشّارع التونسيّ الذي كان بإمكان أحزاب المعارضة توظيفه لخلق انتفاضة شعبيّة تقوم بإنهاء حكم الترويكا وما عرفه من مهازل. إلاّ أّنها اكتفت بتشييع جثمان قياديّيها والعودة إلى الحياة العاديّة كأنّ شيئا لم يكن.
بعد اغتيال الشّهيد محمّد البراهمي، وقع تقاطع بين مختلف الأحزاب المناهضة للإسلاميّين والترويكا. أفرز هذا التّقاطع تأسيس جبهة الإنقاذ التي شملت طيفا سياسيّا واسعا، أبرز مكوناته الجبهة الشعبيّة ونداء تونس. لم يعد شهداء الجبهة الشعبيّة مُلكًا لها بل تمّ توظيف هذه الاغتيالات من قبل الباجي قايد السّبسي لحشد الأصوات واستمالة النّاخبين. وقد تظاهر رئيس حركة نداء تونس بالتّحالف مع بقيّة المعارضة في حين أنّه كان يعقد الصّفقات مع الإسلاميّين سرّا وهو ما تأكّد بعد لقاء الشّيخين في باريس، لقاء قام بنحت مصير البلاد إلى حدّ السّاعة.

عصر “التّوافق”

لم يكن أحد يتوقّع تحالف الإسلاميين مع حركة نداء تونس، وهما الحزبان اللّذان تمحورت حَملة كلّ منهما على معاداة الآخر. وهو ما أنتج خللا في المعادلة السياسيّة بما أنّهما يمثّلان لوحدهما أكثر من ثلثي النوّاب، في حين لم تنجح المعارضة سوى في حصد بعض المقاعد التي لا تشبع ولا تغني من جوع. إلاّ أنّها تمكّنت رغم ذلك من إسماع صوتها في المجلس إلى درجة يعتبرها البعض مغالاة أحيانا، ولعلّ سامية عبّو أبرز مثال على ذلك. لا يمكن أن ننكر أنّ الكتل المعارضة تمتّعت بحقوقها التي يكفلها الدّستور مثل رئاستها للجنة الماليّة داخل المجلس، لكن ذلك لا يعتبر مزيّة من قبل أحزاب الوفاق بما أنّه تطبيق للنّص الدستوري. أمّا خارج المجلس فهي لا تزال تتعرّض للهرسلة ولو بطريقة غير مباشرة. ولم يكن تغيير الحماية الأمنيّة لكلّ من حمّه الهمّامي والمنصف المرزوقي سوى محاولة لضربها وإضعافها. وتتالت التّصريحات التي تهاجم سياسيّين، ذنبهم الوحيد التجرؤ على نقد الحكّام وخاصّة رئيس الدّولة الذي أصبح محاطا بهالة من القدسيّة، نقده كفر ومعارضته فسق.
ولا يمكن أن أنهي هذا المقال دون التطرّق إلى موضوع الأحزاب “النّصف معارضة”، تلك التي تضع ساقا في الحكم وساقا خارجه. هم سياسيّون لم يحسموا مواقفهم، يسيل لعابهم عند التّفكير في المناصب ويعودون إلى رشدهم عندما يدركون أن الشّعب لن يغفر لهم مساندتهم لسياسات فاشلة. فتراهم حينا في الصفّ الأوّل في المعارضة وحينا آخر يتودّدون إلى الأحزاب الحاكمة. هؤلاء تقودهم طموحاتهم الشخصيّة ولا يمارسون العمل السّياسي سوى طمعا في المنصب. ويبرّرون هذا التذبذب في المواقف بأكاذيب شعبويّة لا تنطلي على أحد.