ما تزال الأذهان التي تتراكم فيها خيبات الأمل من المردود الحالي للنظام السياسي بشكل عامّ، نتذكّر النشرات الرئيسية للأنباء منذ سنوات خلت وهي تطالعنا بالوجه المشرق لـ”صانع التغيير” و”صاحب النظرة الاستشرافية” و”القيادة الحكيمة”، وقد حُشِدت له الجماهير الغفيرة من كل حدب وصوب، “تجدّد له العهد” وتناشده “الترشّح لولاية جديدة”. المشاهد الجديدة لا يمكنها أن تمرّ دون طرح أسئلة، لماذا يستعيد مندوب التربية والوالي ومستشارو قرطاج هذه الممارسات ولا يقدّمون حلول جديدة مغايرة؟ ليس لأنهم لا يملكون فقط حلول جديدة، وإنّما لأنهم يغرفون عن اقتناع من معين ثقافي وسلوكي مُنبطح، يستبطنون من خلاله جميع آليات الخضوع. كذلك هي قلعة “الفارينة” الوطنية، حصن حصين لا يسقط بفعل تحرّكات في الشارع وبعض الشهادات الغربيّة بـ”نجاح الثورة التونسية”. فتغيير الذهنيات لا يكون عبر تغيير أشخاص بآخرين، وإنّما عبر الإسقاط الممنهج لآليات التسطيح والأدلجة الإخضاعية.

وسط عاصفة الانتقاد لاستغلال التلاميذ، حاول المسؤولون الترويج لتأويل يقرّب بين هذا المشهد ونظير له في العالم المتقدم، قصد تحويل وجهة السياق، من سياق السطو على سلطة الإطار التربوي لإخراج الأطفال من مكانهم الطبيعي في أقسام الدراسة -دون استشارة أوليائهم- واستغلالهم كاحتياطي بشري لإسناد الصورة التسويقية للسلطة، إلى سياق المشهد العادي المألوف في أعتى الديمقراطيات وأقدمها. وتقدّم تدوينة الناطقة الرسمية باسم الرئاسة سعيدة قرّاش خير دليل على ذلك. فكأنّهم بافتعال تأويل حداثي عصراني للمظاهر البدائية لممارسة السلطة، ينهلون من منبع آخر، هو منبع اصطناع الحداثة. هذا الدور تحاول السلطة السياسية العربية منذ زمن -بأنظمتها القديمة والجديدة- إتقانه.

فهل تستقيم المقارنة؟

من المجدي أن ينحو الخطاب الرسمي نحو مقارنات مع العالم المتقدم، مقارنات قد تنطلي على الكثيرين من المنخرطين حديثا في الاهتمام بالشأن العامّ وفي بلد يقرأ سكانه في المعدّل أقل من كتاب واحد في العام. وجميل أن نسافر بعقول فئات واسعة من مشاهدين حالمين بالهجرة لنداعبها بمشاهد تلفزية لقادة الديمقراطيات الغربيّة وهم محاطين بالأطفال في الزيارات الرسمية، علّها تقتنع أننا الآن في ديمقراطية. ثمّ نقول لهم أن ما يجري عندنا يُشابه ما يجري في بلدان ماكرون و ميركل وأوباما. لكن لماذا لا ينظر هؤلاء المسؤولون كيف تسير الأمور في المؤسسات التربوية في الغرب؟ فقبل نسخ صور الفعل -وهي منتشرة في غوغل- وجب فهم مناهج الغرب وأسلوبه.

يقول كاتب هذه الأسطر قوله هذا وهو يتذكر كيف كانت إدارة المدرسة الإعدادية وإدارة المعهد الثانوي تغرِّران به طفلا، لحسن أعداده في المواد الأدبية، كي يحرّر مقالا للمشاركة في مسابقة “السابع من نوفمبر المجيد” ويتمحور موضوعها في الغالب حول  إنجازات النظام في إحدى المجالات. فالإدارة التي تشارك بأكثر تلاميذ في تلك المسابقة، تحظى في ذلك الوقت بانطباع إيجابي من أولي الأمر، مثلما قد تحظى السلطة المحلية اليوم في 2017 بانطباع إيجابي من السلطة المركزية عندما تحشد لزيارتها التلاميذ أثناء وقت الدرس وتحت الأمطار وعلى حوافّ الشوارع. فكأني بالحكّام قد ذهبوا، لكنّ الغباء الذي حَكَموا به يظلّ جاثما على الصدور. هذا يختزل الإشكالية، التي لا يرغب أحد من علية القوم في الإفصاح عنها، بل يحاولون مراودة المخيال الجماعي وإيهامه بوجود تشابه وتوازٍ بين الصور ممّا ينسينا لبّ القضية وما وراء الخبر. وقد يفيدنا في هذا الصدد، أن نثري النقاش بالبحث في أسلوب المؤسسات التربوية في بعض الدول المتقدمة وتعاملها مع عمليّة إعفاء التلاميذ من الدروس.

في ألمانيا، التي استدلت بنموذجها الناطقة الرسمية باسم رئاسة الجمهورية، يوجد ما يسمى بـ”طلب إعفاء وقتي من الدروس”، وهو لا يخصّ فقط دروس التربية البدنية، كما قد يتبادر لبعض الأذهان. يتوفّر هذا الإعفاء في شكل استمارة للتعمير من طرف المؤسسات التربوية موجّهة للأولياء. مطلب الإعفاء هذا، كما تشير إليه مجلة “شبيغل” الألمانية في مقال صادر بتاريخ 10 ديسمبر 2016، هو من الاختصاصات الحصرية للولي لا ينازعه فيها أحد، بما في ذلك الدولة.

تحدد القوانين المدرسية أن مطلب الإعفاء من الدروس يجب أن يكون معلّلا وأن تتوفر في ذلك صفة “الأهمية”، مثل المرض أو المناسبة العائلية أو المشاركة في تظاهرات رياضية أو علمية أو فنية أو عمل تطوعي أو السفر أو برامج التبادل التلمذي أو زيارة مقرّات أو إدارات رسمية. لذلك فإن الصور التي قد تجمع مثلا انجيلا ميركل بتلاميذ في ألمانيا تأتي إما في إطار زيارة المستشارة لمؤسسات تربوية أو في إطار زيارة التلاميذ لمقرّات فيدرالية رسمية. بحيث لا مجال لتخيّل مسؤول ألماني مثلا، يرفع الهاتف ليخاطب مديري المدارس قائلا “اسمع يا سيد فلان، المستشارة ميركل قادمة اليوم في زيارة، أخرجوا التلاميذ من الأقسام للشارع لاستقبالها. ولا فائدة من إخبار الأولياء أو تقديم أيّة اعتذارات للمدرّسين”.

هذا بالإضافة إلى أنّ المؤسسات التربوية في ألمانيا تحرص على أن تتمّ دراسة المطالب المودعة والإجابة عنها في كنف السرية التامّة حتى لا يُسوّق للإعفاء من الدروس كأمر سهل التحقّق. وهي بذلك تستجيب لمقاصد الفلسفة العامّة للإعفاء من الدروس كما حدّدها القانون المدرسي والتي تهدف لحماية الزمن المدرسي وتوازن الحياة العائلية للتلميذ وتمكينه مثلا من مرافقة عائلته في سفر للخارج أو الغياب لأغراض أخرى هامّة. فهل يستدلّ مسؤولو الرئاسة عندنا بذلك، وهم يحبّون محاكاة مظاهر الديمقراطيات الكبرى.

في سياق آخر، كتبت جريدة “الدايلي مايل” البريطانية في 21 سبتمبر 2013 أن باراك أوباما وجّه خلال نفس السنة اعتذارا شخصيا لمدرّس ابنة أحد قدامى المحاربين، يعتذر فيه قائلا “التلميذة كينيدي غابت عن الدرس اليوم حتى تستطيع القدوم للقائي“. الرسالة كانت بطلب من والد التلميذة الذي كان حاضرا في زيارة الرئيس لمدينة غرين باي من ولاية ويسكونسين. وقام الأب لدى تسلّمه الرسالة بعرضها أمام الكاميراهات مصرّحا أنّ “الحادثة كانت من أفضل ما حصل له طوال حياته“. وقد قامت بيت سوزا، رئيسة فريق المصورين الفوتوغرافيين بالبيت الأبيض، بالتقاط صورة لأوباما وهو يحرّر رسالة الاعتذار ونشرها على شبكة تويتر. كما ذكرت الصحيفة أنّ أوباما لم يقم بذلك لأول مرّة، وإنّما سبق له في سنة 2009 أنّ حرّر اعتذارا يخصّ  تلميذة أخرى مثلما تضمّنه تقرير لجريدة “بيلد” الألمانية.

فهل يستدل مسؤولو الرئاسة عندنا، هم الذين يحبّون الاستدلال بما يجري في أكبر الديمقراطيات، بهذا المثال في احترام المدرّس، ويكتبون رسائل اعتذار للمدرّسين مثل أوباما؟ وهل سيتلقّى الأولياء هذه الرسائل ويصرّحون للقناة الوطنية الأولى أنّ ذلك “من أروع ما حصل لهم في حياتهم“؟ أظن أن ذلك محض خيالات محرّمة، “فبين عالمنا وعالمهم قرون“، كما قال ساكن نفس القصر في البالماريوم ذات يوم.

*الفارينة: مصطلح مُهذب يُقصد به في حقيقة الأمر مصطلح آخر، قد يخدش مشاعر من يهمهم الأمر.