مثلت مسألة التسلط الأمني والقضائي إحدى أولويات ثورة 17 ديسمبر، فاعتداء الشرطية على الشهيد محمد البوعزيزي كان أحد الأسباب المباشرة لاندلاع الثورة وقد رأى الكثير من التونسيين فيه القطرة التي أفاضت الكأس في علاقتهم بالديكتاتورية البوليسية. كان غضب المتظاهرين واضحا وتجلى عبر  حرق مراكز ومؤسسات أمنية، عبر المواجهات مع البوليس، ثم التظاهر يوم 14  جانفي أمام وزارة الداخلية ورفع شعار “دي‍ڤاج ” وعبر انتشار التعبيرات الفنية كالغرافيتي والراب التي تحمل في أغلب الأحيان رسالة تشهير بالعنف الأمني والتعسف  القضائي. كما ساهم المد الثوري في تكوّن مجموعات سياسية تعتبر هده المسألة من أولوياتها على غرار حركة “عصيان” و”حزب القراصنة” وكثفت مجموعات أخرى أنشطتها من ضمنها مجموعة “تكريز” أو المنظمات الحقوقية كالمنظمة  التونسية لمناهضة التعذيب. كما فرض ميزان القوى الذي أنتجته الثورة على الحكومات المتعاقبة إجراء إصلاحات منها حل جهاز البوليس السياسي، لكن هذه الإصلاحات ظلت كما يوصفها الباحث مالك بومدين1 إما منقوصة أو غير قادرة على مواجهة بعض الممارسات المتجذّرة أو ذات رد فعل عكسي كما هو الحال بالنسبة للنقابات الأمنية التي أصبحت الواجهة السياسية للمؤسسة البوليسية.

سبع سنوات تقريبا من اندلاع الثورة تغيبت خلالها مسألة التسلط الأمني والقضائي كقضية مفصلية شبه كليا عن الساحة السياسية وهذا يعود أساسا إلى انقلاب موازين القوى الذي أنتجته الثورة والذي تولّد عنه إقصاء المجموعات المضطهدة من المح‍ڤورين من العملية الديمقراطية وإخماد صوتهم، فمركزيتهم و مركزية مطالبهم لم تدم  طويلا ونجحت الثورة المضادة في إعادتهم إلى الهامش.

لا تُطرح اليوم مسالة التسلط الأمني والقضائي إلا كمسألة ثانوية عبر أطر حقوقية ضيقة متعلقة أساسا بالحريات الفردية (كتحركات حق  البوسة والإفطار في رمضان مثلا) أي تلك الأطر التي لا يرى فيها جزء هام من الطبقات الشعبية نفسه أو تُطرح بمنطق التجاوزات الفردية لأعوان البوليس  مما يحجب الجانب الهيكلي للسياسة الأمنية المرتبط أساسا بالهيمنة على “الجهات الداخلية” وأبنائهم المقيمين داخل المدن والمصنفين سلبيا داخل الخطاب الرسمي أي كمجموعات خطرة يتغلغل فيها العنف والإرهاب.  نشير في هذا المجال مثلا إلى مشروع أسطول كاميرا المراقبة الذي خُصت به المناطق “الحساسة” من جهة تونس الكبرى وجهات القصرين وسيدي بوزيد وجندوبة والكاف وسياسة العسكرة التي يعاني منها سكان المناطق الحدودية. هذا إلى جانب ما اشار إليه رئيس الجمهورية في احد خطبه عن ضرورة حماية الجيش لمواقع الإنتاج.

الدولة الوطنية وإنتاج صورة العدو الداخلي

غداة الاستقلال، انتهجت الدولة التونسية مثال تنمية ليبرالي تولّد عنه ارتفاع هام في نسبة البطالة. فسعت مع بداية الستينات إلى الاعتماد على تجربة التعاضد التي لم تخرج عن رأسمالية الدولة والتي قامت أساسا على التجميع القسري للملكيات الفلاحية الصغرى قصد تحديثها وإنتاج فائض قيمة يدعم السياسة التصنيعية، أي تسخير الفلاحة لصالح السياسة التصنيعية. وقد كان لهذه التجربة تبعات سلبية على صغار الفلاحين وتميزت هذه الفترة بارتفاع ظاهرة النزوح الريفي التي واجهتها الدولة البورقيبية بإعادة إنتاج نفس السياسات التي انتهجها الاستعمار2 في الثلاثينات والمتمثلة في تدمير الأحياء القصديرية والترحيل القسري لمتساكنيها نحو جهاتهم الأصلية. وقد واكب هذه السياسة القمعية خطاب عنصري حول خطر تريّف المدينة وانتقال الأوبئة و تنامي العنف، في حين أن هذه المجموعات هي من كانت تتعرض للعنف الذي سلطته عليها سياسة التحديث التي انتهجتها الدولة ولم ينجو من الوصم حتى من نجح في تبرير3 إقامته في إحدى المدن الكبرى والذين يمثلون اليوم جل سكان الأحياء الشعبية. تحمل الذاكرة الشعبية في طياتها حملات الدولة على “النزوح” والخطاب العنصري المرافق لها. والذي لا يخرج عن الثنائية التي قامت عليها الدولة البورقيبية  التي أشرت إليها في النص السابق والتي تقوم على التمييز العنصري والطبقي.

أرضى علينا يالميمة رانا مضامين نستانو في العفو يجينا من 76

أغنية مزود للفنان الشعبي صالح الفرزيط

في السبعينات توقفت سياسات البلدوزر4 كما يسميها الباحث مرشد الشابي وهذا يعود إلى تقاطع جملة من الأسباب منها ما هو اقتصادي (الليبرالية والانفتاح) ومنها السياسي (المساهمة المكثفة لأبناء الأحياء الشعبية في انتفاضة 26 جانفي 1978 ) واستبدلت بسياسات تجمع بين القمع والتأطير والرقابة. ولم يختلف حكم بن علي عن سابقه بل واصل في نفس المنطق مع إعطاء دور أهم للمؤسسة البوليسية وتطويع القضاء في “دولة القانون والمؤسسات”. لئن بدأ تدعيم المؤسسة الأمنية في نهاية فترة الحكم البورقيبية إلا أن تسخيرها كمركز ثقل للنظام لم يتم إلا في عهد المخلوع. وقد بُرِّر هذا التوجه بمواجهة خطر الأسلمة والتمرّد. في هذا السياق أشارت الباحثة ألفة لملوم في دراستها حول حي التضامن ودوار هيشر “عرف الحيّان تعزيزاً لآليات التأطير السلطوي لنظام بن علي التي تجمع بين الضبط والإكراه البوليسي وبين حشد الولاء والرقابة الاجتماعية عبر شبكات المحسوبية التي كانت تشرف عليها هياكل الحزب الحاكم ولجان الأحياء المعاضدة لها”.5

 لعباد في تركينة لحمها مقطع بالسكينة يزيد الحاكم يجينا يدز هين يذل فينا

فريد El Extranjero

ساهمت كل هذه السياسات في ترسيخ صورة “العدو الداخلي” ولم تنجح الثورة في تقويضها نظرا لغياب الأطر السياسية المعبرة عن المصالح الموضوعية لهاته المجموعات، كما أن الوضعية استفحلت بفعل نخبة سياسية لم تخرج من بلبلة التحديث وبفعل حالة الطوارئ الدائمة وقانون مكافحة الإرهاب.

المعيش المختلف

حجب النظام السلطوي الذي عاشته تونس طيلة عقود تموقعات الكيانات الاجتماعية المختلفة داخل منظومة السلطة. كما وحّد النضال ضد الديكتاتورية شرائح اجتماعية ذات مصالح متناقضة وأنماط عيش وآفاق مختلفة على مستوى الانتماء الطبقي وفي تصنيفها الإيجابي أو السلبي داخل المجتمع. في أحيائنا يمثل التسلط الأمني والقضائي واقعا يوميا له تجذّر تاريخي بداية من التجنيد القسري إلي “الرافل” وحملات التفتيش والتثبت من الهوية مع رقابة مستمرة وتضييق هام لحرية التنقل.

عشنا طحنا قمنا نلقاو رواحنا في الدبو

حمزاوي ماد امين و كافون

اسأل أبناء حيّك حين ينهرهم بوليس في المرسى أو في حي النصر “شتعمل هوني؟”، اسأل إخواننا في الجهات المضطهدة عن إحساسهم حين تطأ أقدامهم أحد المدن الكبرى ويوجّه لهم نفس السؤال. هذا السؤال يشكل حلقة من سلسلة تبدأ بالشتم وتنتهي بالإيقاف.

كانت السياسة الأمنية ولازالت تستجيب فعليا لمطالب المجموعات المصنّفة إيجابيا داخل المجتمع عبر حمايتهم وحماية امتيازاتهم الرمزية والمادية من خطر المح‍ڤورين في الجهات والأحياء الشعبية. وهذا ما يفسّر موقفهم المهادن والإصلاحي تجاه السياسة الأمنية. فما تعيشه هذه المجموعة كتجاوزات نادرة يمثّل الواقع اليومي للمجموعات المصنفة سلبيا داخل المجتمع. كما أن فكرة الأمن الجمهوري لا تعدو أن تكون مجرد سفسطة، فنحن لم نعرف غير الأمن الجمهوري. وهو كأي أمن جمهوري داخل دولة تابعة وقائمة على التمييز حيث يكون العنف الآلية الوحيدة لتسوية النزاعات وخصوصا تلك المصنفة سلبا داخل المنظومة القيمية المهيمنة، والفرق واضح في تعامل الدولة مثلا مع إضراب قطاعي تابع لإتحاد الشغل و التحركات في الجهات أوفي الأحياء الشعبية التي تصنف عادة كأعمال شغب أو صراعات قبلية وتسخر لها منذ اللحظات الأولى الترسانة القمعية. كما يمكن أن نذكر بالصمت المخزي او حتى الدعم المباشر لموجات القمع التي شهدها المفقرون في الأحياء الشعبية هذه الصائفة6

كما أن الفئات الاجتماعية التي يصفها الخطاب الشعبي بـ”القافزين” مازالت تدعو إلى دعم السياسات الأمنية وتتناسى أنها لن تكون في مأمن من العنف الأمني والقضائي وأن دورها آت لا محالة خصوصا مع التدهور المتواصل لمستواها الإقتصادي، وهي تربط العنف بالمضطهدين في الجهات وأبنائهم داخل الأحياء الشعبية، فيكفي في هذا المجال أن نفتح الصحف اليومية لنطلع على الخطاب السائد. فيمكن أن نقرأ نص للصحفي حاتم بوريال7 الذي يربط فيه بين الهجرة الداخلية وارتفاع العنف والسلوك غير الحضاري في العاصمة، أو نستحضر الخطابات في الفترة الثورية حول خطر انتشار الفوضى التى لم يسلم منها حتى الشهداء والجرحى الذين اتهموا بالخروج لسرقة وتدمير الملك العام والخاص. أما النخبة المثقفة و”الحداثية” فلم تخرج عن هذا الطرح وإلا كيف لنا أن نفسر ما أورده أحد “جهابذة” النخبة التونسية فتحي بن سلامة في كتابه “الثورة فجأة “حول ميزوجينية البوعزيزى أو عدم حمله لشهادة جامعية، في الحقيقة  كل هذا ليس إلا تبريرا للقمع في حالة عدم التطابق مع الصورة المصنفة إيجابيا داخل المجتمع.

الأثر المختلف للقوانين في ظل دولة قائمة على التمييز

في ظل دولة قائمة على التمييز يكون وقع القوانين دائما مختلفا، فقانون التحرش مثلا في الأماكن العمومية -بالإضافة إلى أنه لن يحمي النساء المصنفات سلبيا داخل المجتمع واللاتي طوّرن إستراتجيات خاصة للدفاع عن أنفسهن “كالشوهة والفضيحة”- لن يضر الرجال المصنفين إيجابيا بل سيكون وقع هذا القانون خصوصا على المفقرين والموصومين وبصفة غير مباشرة على الأمهات والأخوات اللاتي سيتحملن أعباء القضايا والقفة. كذلك الأمر بالنسبة للمولود الجديد للأسطول الأمني “الشرطة البيئية” والتي نالت استحسان “الأقنعة البيضاء” الذين يطالبون اليوم بتدعيم دورها وإعطائها أكثر صلاحيات قانونية. إن الديمقراطية البوليسية والحداثية تسير اليوم بخطى ثابتة، كما أن ترسانة القوانين العقابية ما فتأت تنمو وتتكاثر وبدأنا نلمس آثارها على حياتنا.

إن المسألة الأمنية والقضائية لا يمكن أن تتلخص في بعض التجاوزات أو الإخلالات التي يقترفها أعوان البوليس كما لا يمكن ان تُعالج عبر أطر حقوقية ضيقة لا يرى أغلبنا فيها نفسه. بل يجب أن نقوم بمراجعة جذرية للسياسات التي تأسست عليها الدولة الحديثة وساهمت في تشكيل صورة العدو الداخلي. فإلى متى ستظل هذه العنصرية قائمة؟ إلى متى ستتواصل هذه الحرب ضد الأحياء الشعبية والجهات المضطهدة ؟

كل ما أعلمه أنه “في هذا الظلام المضيء يجب على كل جيل اكتشاف مهمته. ينجزها أو يخونها8

  1. Boumediene, M. (2016). Armée, police et justice dans la Tunisie contemporaine. Pouvoirs, 156, (1), 107-118. doi:10.3917/pouv.156.0107.
  2. عرفت البلاد التونسية منذ الثلاثينات ارتفاع في نسبب الهجرة الداخلية و الذي يعود أساسا إلى تدمير الاستعمار للبنى الأصلية للمجتمع و قد واجه المستعمر هذه الهجرات بسياسة قمعية و قد تمثلت في جملة من الإجراءات كمنع السكن على ضفاف المناطق البلدية وخارج المناطق المحددة و ذلك تحت رقابة أمنية و صحية لصقية وقد تراوحت العقوبات بين السجن لمدة 6 أشهر بتهمة العطالة التسول السرقة , بالإضافة إلى تهمة تعاطي البغاء بالنسبة للنساء و الترحيل القسري الذي ذهب الكثير من التونسيين ضحاياه كما تزامنت هذه السياسات مع خطاب عنصري حول همجية و عنف المنبوذين و قد شمل الوصم من نجحوا في البقاء والحصول كما يشير لذلك الباحث كلود لونزلو”إن قراءة الصحف الأكثر رداءة و لكن الأكثر إطلاعا على العقليات تحيل إلى تمازج الهاجس الصحي بالهاجس الاجتماعي لدى سكان المدن نفس الهاجس يتقاسمه معهم المراقب المدني مشهرا بخطر العنف والتمرد ” يمكن الإطلاع على ,
  3. لتبرير الاقامة يجب الحصول على شغل وسكن مبني على النمط الحضري
  4. Morched Chabbi, « L’urbain en Tunisie » Nirvana 2012
  5. ألفة لملوم “مصائر شباب أحياء تونس لمهمشة .السفير العربي
  6. Majdoub Rania « Go Chahed ! ou la guerre contre les classes populaires »
  7. Violence, exode rural, gabegie : Etrangers dans nos propres villes
  8. فرانز فانون “معذبوا الأرض”