تمّ تخصيص الثلث الأول من الحصة لحركة ”فاش نستناو؟“ عبر استضافة عضو الحملة قُصي بن فرج وتم تناول الحملة تحت عنوان “حملة فاش نستناو، هل هي احتجاجات حول غلاء الأسعار وضرب القدرة الشرائية للمواطن أم هي نهب وسرقة وتخريب؟ “. من خلال العنوان، نفهم مقاصد الحصة: فهي لن تكون حول مطالب الحملة، ولن تكون تفسيرا لمواقف الحملة المتعلقة بقانون المالية. ستكون فقط حصة مخصصة لاتهام الحملة وأعضائها بمسؤولية العنف والتخريب الذي انتشر في مناطق مختلفة من البلاد. وقد دام الجزء المخصص للحملة 32 دقيقة خُصّصت منها ثلاثة دقائق ونصف لتحقيق قام به صحفيو الحصة وسبع دقائق ونصف للناطق الرسمي باسم الأمن العمومي وتم تخصيص 20 دقيقة لاستجواب ممثل الحملة. ليس خطأً لغويا، لم تكن استضافة قصيّ بن فرج للحوار معه، بل كان استجوابا بأتم معنى الكلمة، تناوب على استنطاقه الصحفيان شاكر بالشيخ وفاطمة عبد الله الكراي، كلّ حسب أسلوبه.

العمل الصحفي: اجترار لبلاغات الداخلية

انطلق البرنامج إذا بتحقيق أجراه الفريق الصحفي للقناة. إلا أن ما يجلب الانتباه هو أن تغطية الاحتجاجات كانت دائما تتم من جانب البوليس، مع إضفاء منحى درامي بموسيقى صاخبة ترافق صور قوات الأمن عند قمعها للاحتجاجات. الأرقام والمعطيات والمعلومات كلها دون استثناء كان مصدرها بلاغات وزارة الداخلية. كما غاب عن هذا العمل شبه الصحفي أية قراءة نقدية للمعطيات التي قدموها، فقد مرّ خبر وفاة خميس اليفرني كأخبار احتراق العجلات المطاطية. كما غاب عن هذا العمل الصحفي أي ذرة نزاهة، حيث لم يكلّف الفريق الصحفي نفسه البحث عن أسباب ”الوفاة“ خاصة وأن بيان الداخلية الذي سردوا من خلاله ”الحقائق“ نوّه بوجود روايات أخرى. فلم نر شهود عيان ولم نر عائلة الشهيد. كما لم نر ما حصل خلال جنازته من ضرب بالغاز المسيّل للدموع ولم نسمع حتى بوجود جنازة.

ثم تلى التحقيق حوار هاتفي مع الناطق الرسمي باسم الأمن العمومي. فاستمتع المشاهدون وقتيا بقدرة الصحفيين شاكر بالشيخ وفاطمة عبد الله الكراي على حسن معاملة ضيفهم واستعمال عبارات اللباقة والاحترام وإبداء القدرة على الإصغاء لمدة طويلة. لم تتم مساءلة الناطق الرسمي حول الفراغ الأمني المريب في فضاء المحلات والمنشآت التي يتم الاعتداء عليها، لم يتمّ مساءلته حول الإيقاف في صفوف شباب حملة ”فاش نستناو“ على خلفية توزيع بيان أو رسم على جدار -والتي انتهت بإطلاق سراحهم- وكل هذا يأتي تزامنا مع الحرية التي يتمتع بها المخربون. ولم تتم حتى الإشارة إلى عملية القتل التي تعرض لها خميس اليفرني تحت عجلات سيارة البوليس. فعلا، أبدوا احتراما كبيرا للعميد، احترام العبد لسيّده!

الإستنطاق: بين الشرطي الطيب والشرطي الشرير

في لحظات، تحوّل شاكر بالشيخ من عون مأمور إلى صورة المُحقق فَرْعُون. انتقلت الحصة إلى عملية استنطاق لقُصي بن فرج دامت عشرين دقيقة، ولم يتمكّن خلالها من الكلام بسلاسة سوى تسع دقائق. تمت مقاطعته 23 مرة بأسئلة بوليسية دون احتساب المقاطعات الصغيرة والتي استطاع تجاوزها أي بمعدّل هزيل يقارب 25 ثانية لكل تدخل قام به. والملاحظ للعشرين دقيقة ما تميّزت به العملية من تقسيم للمهام بين الصحفيين: ففي الوقت الذي تميز به شاكر بالشيخ بالعصبية والتشنج والفوقية في التعامل مع ممثل الحملة، كانت فاطمة عبد الله الكراي تتدخل بأسلوب لبق وأبوي معه (”يعيّش ولدي!“) وشرعت تلقنه قواعد الحديث باسم الحملة.

كما تميّزت جميع الأسئلة التي طُرحت على قصي بن فرج بالرغبة الممنهجة في الربط بين الحملة وبين عمليات السرقة والتخريب: ” فاش نستناو؟ كملولنا  بقية الجملة: فاش نستناو باش ندخلو البلاد في حيط؟ فاش نستناو باش نحرقوها؟“ (دق 15 و20ث)، ”حاسس بتأنيب الضمير؟“ (حول وفاة خميس اليفرني دق16 و30ث) ”ما تعتديش على الشعب“ (دق 26 و17ث) بلغت ذروتها في مهزلة التي كان بطلها شاكر بالشيخ حين استعمل أسلوبا بوليسيا خالصا أثناء اتهام قصي بن فرج بأن له علاقة بعائلة شفيق الجراية. كما تميزت الأسئلة والتدخلات الأخرى بسوء نية مفضوحة، ليلبسوا الحملة مواقفا وآراء لا تتبناها: ”انتوما وين في حملات الحكومة على الفساد؟“ (دق 24 و50ث) ”تحب تقول إلي الحكومة هاذي مورطة مع شفيق الجراية ومع إلي شدوهم؟ (دق 29).“

هذا غيض من فيض. فقد أتقن الصحفيان-المحققان دورهما في هرسلة الشاب وفي تعويم مطالب الحملة في بحر من المغالطات ومن الاتّهامات. وإن تحدثنا عن الاتهامات، فإننا لا نتحدث هنا عن مشهد محكمة، فلا يوجد خصم وحَكم، بل يوجد محققان يقذفان ممثل الحملة بشتى التهم ويمارسان أرخص أساليب الهرسلة المعنوية، ولن نستغرب إن قاما بقذفه بـ”المُشطة“ والماتراك إن لم تكن هناك كاميرا ولم يكن البث مباشرا! حقّا، لقد رفع عنّا شاكر بالشيخ وفاطمة عبد الكراي حالة الفراغ الأمني، ولنصف ساعة من الزمن استتبّ الأمن على الشاشات المتابعة للقناة الحكومية.

التبني الكسول للسردية البوليسية: صحافة البلاغات وروايات المؤامرات

سبع سنوات ونفس المشاهد تتكرر، فكلّما بلغت الحركة الاجتماعية ذروتها، يخرج معها ”مخرّبون“ للاعتداء على الأملاك العامة والخاصة وحرق المغازات العامة والسطو على مستودعات الحجز للاستيلاء على ما تيسّر من الدراجات النارية ويقوموا بحرق المراكز. كذلك، سبع سنوات وإعلامنا الحكومي والخاص ”المهني“ و”النزيه“ يتحفنا بروايات حول الأطراف المشبوهة وحبوب الهلوسة والمخربين المدفوعي الأجر والأحزاب التي لا تريد خيرا للبلاد وما إلى ذلك من البكائيات. لم نر مرة تحقيقا جدّيا حول هذه العمليات. لم نر مرة إعلاما حكوميا ينزل إلى ميدان المواجهات لمعاينة ما يحدث خلالها. لم نر مرة وسيلة إعلامية مهيمنة تُخصص برنامجا، تحاول عبره إيجاد خيط رقيق يوصلنا إلى جزء من حقيقة عملية تخريب واحدة. يكتفون دائما بروايات وزارة الداخلية ويعدّدون لنا عشرات الموقوفين، ثم نمر إلى النشيد الوطني.

هذا الكسل في التعاطي مع أكثر الأحداث غموضا في البلاد منذ قيام الثورة يحتّم على مروّجي الاخبار الرسميين من تلفزات وإذاعات أن يتقيّدوا دائما بنفس الروايات حتى في تحليلهم للواقع. هي نفس السردية التي صاغتها أجهزة الدكتاتورية مُحمّلة بعديد الكلمات المفاتيح التي يصعب على أي مقدّم برامج من فئة شاكر بالشيخ أن يكون إعلاميا من دونها، من قبيل: ”أطراف تبث الفوضى، مأجورون مرتبطون ببلدان أجنبية يريدون زعزعة الاستقرار، شباب تقف وراءه أحزاب متطرّفة أو منظمات مشبوهة تكنّ الولاء للخارج، هي مسيرات  تؤدّي إلى تشويه سمعة البلاد في الخارج وإضرابات تعطّل حركة الاقتصاد وتعطّل النمو وتتسبب في تدحرج الدينار وتمنع تدفق الاستثمار…“ وغيرها من الخرافات، التي لا يستحي بعض كبار صحفيينا من ترتيلها صباحا مساءًا ويوم الأحد رغم تغيّر الحكام. نفس النظام مازال قائما، وإن فرضت موازين القوى احترام الحد الأدنى من الحريات فإن الذهنية العامة لأجهزة النظام لا تزال تعمل تحت البرمجيات القديمة. هو نظام بوليسي الهوى.

شئنا أم أبينا، لا تزال الدولة بوليسية في ممارستها وفي مخيالها. ففي الممارسة لا يعاقب البوليس وأي صاحب سلطة أو جاه عن أن الأفعال التي يقترفها (إلا ما ندر من الأفعال  الفاضحة) وفي المخيال السائد هو نظام أبويّ يرفض أن يكون الأفراد فيه مواطنين، بل يريدهم رعايا يقدّسون السلطة وأذرع السلطة وخطاب السلطة (الحاكم). هو نظام لا يعترف بالاختلاف السياسي ويعتبر التحزب خيانة، ويعتبر الانتماء لأي منظمة تُهمة إن لم نقل عارا. هو نظام يفرض على الشباب أن يمشي في خطى الآباء وأن يتعلّم من جيل الهزيمة كيف يحقق الانتصار.

الحركات الاجتماعية وإعلام الببغاوات: هل من أمل؟

كل أزمة تمر بها البلاد، تمثل بالنسبة لنا فرصة لنكتشف أن الببغاوات الإعلامية لم تُطوّر من لغتها ولم تُحيّن مفاهيمها. وكل حضور لممثل عن الحركات الاجتماعية أو الحملات الشبابية من ”مانيش مسامح“ إلى ”فاش نستناو“ يوجه لنا صفعة جديدة لتذكّرنا أن لا أمل في مواجهة النظام في رحاب أجهزة النظام. فلا مصلحة في إدراك الحقيقة بالنسبة للإعلام القائم على منظومة العلاقات الحالية ولأولئك الإعلاميين المتموقعين اجتماعيا في صفوف الفئات المهيمنة والذين يحتلون موقعا مؤثرا برصيدهم الرمزي الكبير. في سائر الأيام حين لا يكون النظام مهدّدا في ديمومته، يمكن أن يتعاملوا بنوع من التجرّد والحياد مع سائر الفاعلين على الساحة. لكن ما إن دخل النظام في أزمة، هم يتحولون إلى كلاب حراسة ليقمعوا أي بوادر للتغيير. وكما يُقاد شباب الحملة إلى مراكز الأمن على خلفية نضالهم في الفضاء العام، فإن للفضاء الإعلامي أيضا مخافره وأعوانه. فطُوبى لمن قضّى 75 دقيقة في المخفر!