تدخل بلاد السباسب العليا من القلعة الخصبة كأنك تدخل مملكة معلّقة فوق الجبال. ألف متر فوق سطح البحر. بعيدا عن المتوسط، قريبا من جبال الأوراس، تبدو السماء قريبة وتعجب من ظهور النجوم مع غروب الشمس. تستطيع أن تمد ناظريك إلى المنتهى كأنك فوق السحاب. أمامك مدن قديمة منثورة فوق سلسلة جبال الظهرية، نوميدية الاصل رومانية التأسيس، عندما تعرف تاريخها قد تعتبر العصيان جزءا من تكوينها. أرضها صلبة وطقسها بارد وهواؤها جاف، المناخ شبه قاري، قاس جدا ولكنه جميل. من حيدرة مركز الكتيبة الرومانية الثالثة منذ القرن الثاني ق.م إلى سبيطلة عاصمة القائد البيزنطي جرجير في 646م، مدن عرفت العمران والتجارة والحرب وارتقى بعضها إلى رتبة مونيسيبيوم (municipium) وتشهد الآثار والنقائش والضيعات الامبراطورية ومعاصر الزيتون على ماضيها التليد. تعيد أطلال الماضي المبعثرة في الطريق طرح تساؤل قديم؛ كيف لمدن كانت عواصم لقرون طويلة أن تنتهي أشباه قرى طاردة لسكانها؟ لماذا يكون ماضي الجهة أفضل من حاضرها على عكس التطور الطبيعي لحركة التاريخ؟