سبعة وزراء تولّوا منصب وزير الداخلية في تونس بعد 14 جانفي 2011، كان آخرهم لطفي براهم، آمر الحرس الوطني السابق وأحد كبار القيادات الأمنية في منظومة بن علي، الذي اختار طريق القمع والتهديد وسيلة لتثبيت كرسيّه في البناية الرمادية التي تتوسّط قلب العاصمة التونسية. الوزير الجديد، الذي رحّبت الدولة العميقة بتعيينه أيّما ترحيب وسخّرت لدعمه صفحات كبرى على مواقع التواصل الاجتماعي، أطل على الرأي العام منذ أيّام مهدّدا كلّ من ينتقده أو ينتقد وزارة الداخلية بالسجن والتتبعات القانونية، وكأنّه تناسى أنّ من هدّد التونسيين ذات شتاء 2011 كان مصيره الهرب إلى مزبلة التاريخ غير مأسوف عليه بعد أن سقط برصاصه المئات من الشهداء والجرحى. يظنّ وزير الداخلية لطفي براهم أنّ بإمكانه المحافظة على منصبه إذا ما اختار طريق قمع التونسيين والتنصّت على هواتفهم وترويعهم. إذ شرع بعد أيّام من أدائه اليمين الدستورية في إطلاق أعوانه لملاحقة الصحفيين وقمعهم ومتابعتهم، ناهيك عن رصد ما يكتبه المدونّون وإيقافهم.

لطفي براهم، القيادي الأمني السابق في منظومة بن علي والوزير الحالي في حكومة يوسف الشاهد، لم يعاد الصحفيين والمدوّنين فقط، بل نالت الجماهير الرياضية التونسية هي الأخرى نصيبها من القمع الذي عرفته البلاد خلال السنوات الأخيرة. كانت جماهير النجم الرياضي الساحلي والترجي الرياضي التونسي ضحيّة بطش أعوان الأمن واستفزازاتهم غير المبرّرة، على غرار منع جماهير الترجي من استقبال فريق ترجي واد النيص الفلسطيني والاحتفال به وبعيد ميلاد فريقهم التاسع والتسعين على طريقتهم الخاصّة.

في وقت سابق، وبينما كانت الاتهامات تُكال له من كل حدب وصوب، استنجد لطفي براهم عندما كان آمرا للحرس الوطني بوسائل الإعلام المحليّة لتوضيح بعض الملابسات والترويج لنفسه، وذلك تزامنا مع نفخ خليفة الشيباني الناطق الرسمي باسم وزارة الداخلية في صورته عند كلّ ظهور إعلامي. هكذا إذن تنكّر لطفي براهم ورفيق دربه خليفة الشيباني للإعلاميين وأصدرا تعليماتهم بالتضييق عليهم وقمعهم، بينما كانا في وقت سابق يزوّدان وسائل إعلام معيّنة دون غيرها بآخر الأخبار الأمنية. ولكن الانتهاكات الأخيرة وحّدت الصحفيين خلف نقابتهم وجعلتهم يتناسون خلافاتهم معها، مردّدين بصوت واحد “الصحافة في خطر”. هذه المرّة لم يخرج الصحفيون التونسيون للمطالبة بتحسين أوضاعهم الاجتماعية المتردّيّة، التي ساهمت في صنعها الحكومات المتعاقبة دون استثناء، ولكنّهم اصطفّوا وراء بعضهم البعض للوقوف سدّا منيعا أمام منظومة متكاملة لازالت تحاول غير يائسة إرجاع البلاد إلى مربّع الخوف والقمع وكبت حريّة التعبير، منظومة أصبحت تنادي بقتل واغتصاب الصحفيين ذكورا وإناثا.

يعلم لطفي براهم أنه لن يبقى طويلا في وزارة الداخليّة خاصة وأنّه ليس محلّ إجماع من قبل الأحزاب السياسية وحتى داخل الدولة العميقة التي يزداد تخبّطها يوما بعد يوم. لذلك عليه أن يختار اليوم بين أحد طريقين، كلاهما مليء بالأشواك والألغام المزروعة سلفا، فإمّا المضيّ قدما نحو إرساء منظومة أمن جمهوري قادر على حماية البلاد والعباد أو إجهاد النفس في إحياء منهج عبد الله القلال ورفيق الحاج قاسم، الذين فقدت تونس في عهديهما خيرة أبنائها بسبب إرهاب وزارة الداخلية.