لعالم كرة القدم نواميسه الخاصّة التي تحكمه والتي لا يعرف أسرارها الاّ عشاق هذه الرياضة. لكنّ هذا المجال لم يعد حكرا على المشجعين والمهتمين فقط بل صار يُفرض حتى على غير المهتمين الذين يعتبرون هذه الرياضة خالية من المعنى أو من يعتقدون ببساطة أنّها رياضة مملّة. إنّ الالتقاء بين النظام الرأسمالي المتوحّش مع الرياضة عموما وكرة القدم بصفة خاصّة، يجعلنا نتساءل عن النتيجة التي سنصل اليها. فبعد الرياضة الهاوية، أصبحنا نتحدّث اليوم عن أرقام خياليّة وملايين الدولارات التي تُصرف لانتداب اللاعبين. والمتابع لهذا الوضع، يلاحظ أنّ هذا الجوّ في مجال كرة القدم عادة ما يتّسم بالتنافسيّة العالية التي تنحاز تدريجيا عمّا عرفته هذه الرياضة من روح رياضيّة في بداياتها. اذ دخلت في منطق النجاعة والربح الأقصى (المادي أو حتى على مستوى النتائج). وهي عوامل يستبطنها الفرد/ المشاهد لكرة القدم وينساق، لاشعوريا، ضمن نظرة أحاديّة تحتكم الى منطق الأنا ضدّ الآخر/ فريقي ضدّ الفريق الخصم.

إنّ العلاقة بين المشاهد وكرة القدم ليست حكرا على الملعب أو المنزل. فالحيّز المكاني قد يمتدّ ليكون الشارع بصفته مكاناً عاما أين يجد الفرد متنفّسا للتعبير عن آرائه ومحاولة اثبات وجوده للآخرين. ولعلّ خير دليل على ذلك ما تشهده شوارع العاصمة أثناء مباريات مهمّة (وخاصّة مباراة الدربي) وتلك الحمّى التي تمتدّ الى كلّ المدن التونسيّة حيث يتحوّل الاستعراض في الشارع الى منافسة قد تتحوّل بدورها الى مشادات كلاميّة وارتفاع التشنّج لدى المشجّع.

من المؤكّد أنّ مباريات كرة القدم في تونس (كما في كل أنحاء العالم تقريبا) هدفها الرئيسيّ الامتاع والفرجة والمنافسة الرياضيّة وهذا أمر بديهيّ. غير أنّ المشكل يكمن أساسا في اقتحام عناصر جديدة للمشهد في علاقة باتّساع القاعدة الجماهريّة التي تتأثّر، في ظلّ العولمة، بالعادات والتقاليد الجماهيريّة الأجنبيّة مثل الدخلات والأهازيج التي تتغنى بالفرق وأمجادها. كما أنّ كرة القدم في تونس سايرت التيار المهيمن على العالم الذي خوّل لرؤوس الأموال التحكّم وترؤّس الجمعيات فاختفت تلك الحدود بين عالمي المال والرياضة. هذا ما يجعل المشجّع فاقدا لمكانته المعتادة في علاقته المباشرة البسيطة مع اللاعب والفريق بتحوّله لمجرّد طرف في معادلة صعبة ومعقّدة. اذ يجد نفسه حاملا لعبء الفريق بصفته مشجّعا، محاصرا في المدارج من طرف رجل الأمن وقد انخرط، لا إراديا، في رهان معنوي مع الخصم. هذه العلاقة الثنائيّة التي تنشأ بين المشجّع ورجل الامن تمثّل انزياحا حقيقيا وتحوّلا مقارنة بالمشهد الرئيسي المعتاد الذي يحتوي على لقاء كرة قدم ولاعبين ومشجعين. فمنذ عقدين تقريبا، تتالت الأحداث وأعمال الشغب والمشادات مع البوليس. من ابرزها:

مباراة الأولمبي الباجي والترجي الرياضي سنة 1999

جندوبة الرياضيّة والنادي الافريقي سنة 2006

النادي الافريقي والأولمبي الباجي سنة 2009

ما الذي يمكن ان نستنتجه من هذه الأحداث؟

بعيدا عن التحليلات الكرويّة التي تلقي اللوم، في أغلب الأحيان، على الأخطاء التحكيميّة، وبنظرة أشمل لهذه الظاهرة يمكن ان نخلُص الى أنّ عقليّة المشجّع التونسي شهدت تغيرا فأصبح يتفاعل مع فريقه ومتأهّبا للردّ على عنف البوليس أيضا. لقد تمّ استبطان مسألة العنف الذي يحتكره رجل الأمن والاستعداد للردّ على أيّ شيء يحدّ من حرياته في المدارج. وهو في الحقيقة اسقاط لواقع معيش في الحياة اليوميّة على ما يحصل في الملعب. فالعلاقة بين المواطن والأمن متوتّرة لأنّ هذا الأخير ظلّ لعقود طويلة يمثّل عصا السلطة التي تضرب كلّ من يخرج عن الصفّ أو يحاول مخالفة الأوامر. هكذا نشأت حركات التمرّد صلب “الفيراج” بهدف الثورة على سلطة البوليس من خلال التصادم معه في كلّ لقاء ممكن.

إذا فالأمر يتجاوز محيط ملعب كرة القدم والمدرجات بل هو امتداد لعلاقة متأزّمة بين المشاهد/ المواطن ورجل الأمن/ممثّل السلطة فكلّ طرف يُشَرْعِنُ (أو يحاول إضفاء شرعيّة) على حضوره ويعلن أحقّيته بالسيطرة على المجال/ الفضاء. وهذا ما ينعكس على ردّة الفعل من الطرفين فنلاحظ وقعا لهذا الصّدام في أهازيج الفيراج التي تعتبر الوسيلة الوحيدة للتعبير والاحتجاج “حكومة فوتونا/ نريد الحريّة/ الحريّة للكورفا…” كلّها شعارات خرجت من جلسات وحلقات نقاش بين الأحباء الذين لم يجدوا سوى هذه الطريقة للتّعبير عن تسلّط البوليس الذي لطالما أفسد المشهد وتعاظمت سلطته بعد الثورة. لكنّ اللافت من جهة أخرى، هو هذا الانبهار بأحداث العنف التي تقع خارج تونس في ملاعب إيطاليّة أو أرجنتينيّة أو غيرها من الملاعب ومحاولة إعادة انتجها في سياق مختلف تماما من طرف مجموعات تتبنى العنف كمفهوم أساسيّ وبرهان عن حبّهم لفريقهم. فمن “الهوليغانز” إلى بن لادن والقاعدة، تظهر هذه المرجعيات وهذا العنف في الأهازيج ويعكس حالة من الاحتقان وتهيّئا للجوء الى العنف بشتى أنواعه في أيّ لحظة.

يشرح جوزي شابوش، وهو جغرافي وأستاذ محاضر فرنسي، أنّ “مساحات العنف” كما يسميها يمكن أن تكون بدايات تكوّنها من خلال توفّر الأسباب التي تمثّل أرضيّة تجعل الفرد قابلا لتلقي خطاب عنيف يخدم فريقه ويوظّفه في الملاعب. هنا يمكن أن نلاحظ نقطة التقاء بين التطرّف الديني والتطرف الرياضي. ذلك أنّ المشجّع الحامل لخطاب عنيف والمتبني لثقافة العنف يتوهّم أنّه يعزّز مكانته ضمن مشجّعي فريقه. وهو ما يساهم في تضخّم الأنا (التي ترى انعكاسها في المجموعة التي في صفّها) والتغييب التام للعقل من خلال الانصهار في الجماعة التي تؤثّر على خياراته وتوجّهه الى حدّ التماهي معها كما يشرح ذلك عالم الاجتماع الفرنسي غوستاف لوبون في كتابه “سيكولوجيا الجماهير”. إنّ البحث عن نوع من الاعتراف هو ما يجعل المشجّع يندمج في علاقة صراع مع الآخر ويدخل، لا إراديا، في عداوة مع الآخر (سواء كان خصما رياضيا أو رجل أمن). والحقيقة أنّ البوليس مساهم بدوره في تأزّم الأوضاع من خلال غياب قيم الأمن الجمهوري، اذ يغيب التحكّم في النّفس مما يؤدّي الى الدخول في مشادات كلاميّة تتكرّر كل لقاء تقريبا.

لا يمكن ان تكون كرة القدم التونسيّة في منأى عن التطوّر الذي تشهده هذه الرياضة في العالم لكنّ الخطير هو تجاهل السلطات لهذا الصراع الذي يدوم منذ عقود بين رجل الامن والمشجّع. فكلّ منهما في ركنه يفكّر بطريقة مضادّة للآخر: البوليس يتوهّم أنّه فوق القانون ويمكن ان يفلت من العقاب في حالة التجاوز والمشجّع يُفرغ طاقة كامنة وحقدا على السلطة القامعة من خلال التعبير عن غضبه في الملاعب التي تحوّلت الى متنفّس بالنسبة له. هكذا تتحوّل مباراة كرة قدم الى تجسيد للصراع الأزليّ بين المواطن والسلطة (ممثّلة في البوليس) وهو ما يفرغ هذه الرياضة من معناها ويشحنها برمزيّة وشحنة توتّر تؤدّي الى نتائج وخيمة قد تصل الى سقوط ضحايا كما حصل أكثر من مرّة في الملاعب التونسيّة.