صورة من تصميم هيلين الداغر

فهذه العبارة “أصدقاء تونس” كثيراً ما وردت على لسان المسؤولين المحليين. منذ عام 2011 عقدت الدولة التونسية الآمال الكبار على “الدول الصديقة” لتستثمر في البلاد وتوفر التمويل، وكررت على مسامعها ضرورة تقديم المساعدة لها، لما تمثله تونس من “حالة ديمقراطية استثنائية” في المنطقة، وفي مواجهة أزمة اقتصادية لا سابق لها. لكن وراء هذه اللهجة الدبلوماسية تستتر علاقات من نوع آخر، تعكس ميزان القوى ومدى التبعية للخارج، وتبرز بشكل صريح حيناً وملتبس أحياناً. ويشغل الدين العام الخارجي الذي قفز الى نسبة 48% من إجمالي الناتج المحلي قلب هذه العلاقات. فهو يربط الدولة التونسية بدول أخرى وبنوك عابرة للأوطان وبطبيعة الحال بمنظمات دولية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وكثيراً ما توجه الاتهامات الى هذه الهيئات بالتدخل السافر بل وبالسياسة الاستعمارية الجديدة، بسبب الشروط التي ترافق القروض ذات أسعار الفائدة المتدنية التي تمنحها.

كريستين لاغارد، المديرة العامة لصندوق النقد الدولي في ضيافة الرئيس الباجي قائد السبسي بقصر قرطاج، 8 سبتمر 2015. صورة من الصفحة الرسمية لرئاسة الجمهورية التونسية على فايسبوك

وتونس، شأنها شأن بلدان أخرى في المنطقة، كمصر مثلاً، شهدت صعوبات جمة في الماضي بسبب الدين العام الخارجي فهو الذي فتح الأبواب أمام الاستعمار الأوروبي في نهاية القرن التاسع عشر. والطريف بالأمر أن الاتفاقيات التي أرست أسس نظام المحمية الفرنسية في تونس – أي معاهدة باردو عام 1881 ومعاهدة المرسى عام 1883- أشارت منذ صفحتها الأولى الى “الصداقة” التي تربط إيالة تونس بالجمهورية الفرنسية. وفِي الوقت الذي يعاني التونسيون والمصريون الأمرّين من التقشف الذي فرضته المنظمات الدولية  على الحكومات التي لجأت إلى قروضها، فإن مسألة الرابط بين الدين وفقدان السيادة بل الدين والاستعمار باتت تطرح بإلحاح متزايد. وبالفعل فهذه المنظمات الدولية لا تنفك في ممارسة الضغوط على سلطات البلدين من أجل “تسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية”، ولا حاجة لنا هنا في توضيح توجه الإصلاحات هذه، كشرط إلزامي للإفراج عن الدفعات المتتالية للقروض الممنوحة، والتي لم تعد هذه السلطات قادرة على الاستغناء عنها. ولكن كيف وصلت الأمور إلى هذا الحد؟

صورة تمثيلية لتوقيع معاهدة باردو

ديون متفاقمة

لم يكن الدين في ظل نظام بن علي يتجاوز نسبة 40% من إجمالي الناتج المحلي. ولعل التسيير الجدي للاقتصاد التونسي الذي ولّد عبارة “المعجزة الاقتصادية التونسية” العزيزة على قلوب “أصدقاء تونس” كان الحجة الدامغة في عملية الترويج للنظام الدكتاتوري الذي أُرسِي عام 1987. ولكن شاءت الأقدار أن تكشف انتفاضة شتاء 2010 زيف ادعاءات “المعجزة التونسية”. فالفوارق بين المناطق والبطالة الواسعة ولا سيما في صفوف الشبان من حملة الشهادات قد انفجرت كالقنابل في وجوه كل من كان ينادي بالحفاظ على الوضع الراهن. وبعد فرار بن علي في 14 جانفي (يناير/ ت١) 2011، استمرت المظاهرات مطالبة برحيل المسؤولين في النظام القديم.وكما يوضح المحلل السياسي حمزة مدب:”أولئك الذين وصلوا الى السلطة بعد بن علي، سواءً أجاؤوا من النظام القديم أم من المعارضة، فقد بذلوا كل الجهود لسحب للبساط من تحت الحراك الثوري الذي كان يملأ الشوارع آنذاك. راحوا يوظفون الناس ويعدون الميزانيات في مشاريع بنى تحتية لصالح المناطق المحرومة سعياً لشراء السلم الاجتماعي. وكان الهدف تحويل الحراك من الشارع الى طاولة المفاوضات”. ولقد شكلت المساعدات التي وُزعت بسخاء، والتوظيفات التي أُنشأت بين ليلة وضحاها (وكانت في غالب الأحيان هشة معرّضة للزوال) في الوظيفة العمومية – ما يقارب 155000 بين 2010 و 2014 حسب المعهد الوطني للإحصاء – شكلت كلها عبئاً على ميزانية الدولة كما أدت الى تفاقم العجز في الميزانية الذي قفز من نسبة 1% عام 2010 الى 3,3% عام 2011 وبلغ 5,5% عام 2012. ومن ناحية أخرى فلقد تسببت انتفاضة 2011 ببعض التعطيل في تحصيل الضرائب. حيث “لم يتوجه القائمون على جباية الضرائب الى عملهم خلال الأشهر الأولى من عام 2011، مما أدى الى رصيد سلبي في جمع الضرائب مقارنة بالسنة السابقة.” هذا ما وضحه لنا أحد كبار الموظفين في وزارة المالية. ولقد كانت النتيجة المتوقعة لهذا الوضع لجوء السلطات المتزايد الى القروض الثنائية أو متعددة الأطراف بالإضافة، طبعاً، لإصدار سندات الخزينة.