Un garçon jetant des pierres sur l\'armée israélienne lors de la 2ème Intifada

بان منذ اللحظة الأولى لمعركة غزة أنّ الصراع بين مشروع المقاومة وحملة فرض التسوية يدخل جولته الثانية بعد أن حققت المقاومة اللبنانية انتصارها الحاسم في مرحلته الأولى. فالغارات التي يشنها الطيران الإسرائيلي على غزة تعيد إلى الذاكرة أحداث صائفة 2006 في لبنان. إذ أنّ التصريحات الإسرائيلية هي نفسها والموقف الرسمي من بعض الدول العربية في تبرير العدوان هو نفسه والتشكيلات السياسية الفلسطينية تذكرنا بالانقسام اللبناني المتواصل. بل حتى الأهداف التي أعلنت عنها القيادات السياسية والعسكرية الإسرائيلية بقيت نفس الأهداف أي محاربة إرهاب حزب الله في المرة الأولى وحماس هذه المرة وأن لا تراجع إلا بتصفية هذا الإرهاب. ومع ذلك بدأ المشهد الغزاوي ينحو لمخالفة قواعد اللعبة الإسرائيلية مثلما استعصى الواقع اللبناني عن آليات التخطيط الإسرائيلي من قبل.

لقد بدأت معركة غزة منذ حوالي ستة أشهر عندما أغلقت المعابر وأعلن الحصار التام لأكثر من مليون ونصف المليون فلسطيني في منطقة لا تزيد مساحتها عن ثلاث مائة كيلومتر مربع. فتارة منع الوقود ومرة الغذاء وثالثة الدواء وأخرى الحصار السياسي والدبلوماسي وهكذا تتدحرج الخطة الإسرائيلية مثل كرة الثلج فلا تقارب نهاية المنحدر إلاّ وقد أصبحت من الخطورة والصلابة ما ينذر بالزلزال الكبير. وبالفعل فقد أعلن أخيرا الإسرائيليون خطتهم ووحّدوا جبهتهم الداخلية لدعمها نظرا للأهمية الإستراتيجية لأهداف هذه الخطة ولخطورة الآثار المحتملة في حال فشلها.

وفي إطار تعبئة الموارد لإنجاح هذه الخطة قسم المخطط الإسرائيلي الأدوار بين:

* العمل المباشر: متمثلا في تشديد الحصار السياسي بغلق المعابر ومنع تدفق الأموال وخنق الاقتصاد وتعطيل أي عمل قد يحسن من الظروف المعيشية للمواطنين. كل ذلك من أجل خلق واقع يائس قد يتحول فيما بعد إلى انفضاض من حول حماس وعزل لمناضليها حتى تسهل تصفيتهم في وقت لاحق.
* تعزيز أطر الاهتراء الداخلي: فقد شجع الإسرائيليون حالة الانقسام داخل الساحة الفلسطينية، بل ولعبوا في اغلب الأحيان دورا محددا في العلاقات الفلسطينية/الفلسطينية إما من خلال الاشتراط على منظمة التحرير عدم التفاوض معها إن لم تستسلم للاملاءات الإسرائيلية فيما يخص الحوار الداخلي أو عن طريق الضغط الأمريكي المباشر على السلطة الفلسطينية في رام الله أو بافتعال محاور إقليمية عربية مؤيدة لهذا الطرف أو ذاك.
* تقوية تأثير المحيط الإقليمي المحفز: شهدت القضية الفلسطينية حالات جذب ودفع لكن كان المطلب الإسرائيلي دائما أن تبقى هذه القضية فلسطينية خالصة دون ربطها بمحيطها العربي ولا الإسلامي، لكن يبدو أن الإسرائيليين قد انتبهوا أخيرا إلى أن المحيط الجغراسياسي والإقليمي يمكن توظيفه لتكريس سياساتهم وأهدافهم خاصة في ظل تهرم الأنظمة السياسية العربية وضعفها واستعدادها للنجاح فيما يوكل لها من مهام مقابل الرضى الاميريكي ومن خلفه الدولي وتوفير الدعم لبقائها في السلطة. فلاحظنا أن النظام الرسمي العربي في أغلب تشكيلاته مثل الحلقة الأقوى في حصار القرار الفلسطيني المستقل والمقاوم.
* استغلال الوضع الدولي المناسب وتوظيفه: اتسم الوضع الدولي منذ قدوم بوش إلى السلطة في الولايات المتحدة الأمريكية بالتحفز الشديد للقبول بمنطق القوة وشرعية الأمر الواقع لذلك لم يجد الإسرائيليون أنسب من هذا الظرف لإعلان حروبهم من دون خشية لا من القانون الدولي ولا من الضغوطات السياسية الخارجية. ويبدو أنهم أرادوا الاستفادة قدر الإمكان من هذه الحالة الدولية في فرصتهم التي قد تكون الأخيرة لخوض مثل هذه المعارك غير المبررة أخلاقيا ولا قانونيا ولا حتى سياسيا.

هذه هي مقومات الخطة الإسرائيلية، مرحلتها الأولى الحصار والعزل والإضعاف ومرحلتها الثانية القصف والاجتياح لتكون مرحلتها الأخيرة استثمار نتيجة المعركة لتحقيق أهدافها.

فلقد أدت كل الأطراف مهمتها كاملة لكن عوض أن تنتظر إسرائيل اكتمال آثار الحصار أو ما تتوقعه من نتائج قد يؤدي إليها نراها تستعجل الغارات على غزة. فما الذي يبرر ذلك؟

يبدو أن اختراق القرار السياسي الفلسطيني وانتهاك استقلاليته قد أصبح أولوية في السياسات الإسرائيلية منذ مؤتمر مدريد سنة 1992. وقد نجحت في ذلك بتفاوت طوال المرحلة السابقة إلاّ أن ما أبداه الشهيد ياسر عرفات من تمسك بالثوابت الوطنية، قد ألجم صناع القرار الإسرائيلي وحول حلمهم الوردي إلى كابوس هستيري. هذا الوضع لم يجد الإسرائيليون غير سفك دم جديد لتجاوزه، وقد كان هذه المرة دم عرفات نفسه أمام اليأس من إمكان تطويعه. ولأنّ أبو مازن كان دوما مثار جدل على الساحة الفلسطينية لأدواره الهامة التي لعبها في المفاوضات السرية ولاستجابته للطلب الأمريكي للحد من صلاحيات أبي عمار ولتعهده المعلن بتجريم المقاومة وعزلها، نظرا لكل ذلك فان قدومه للسلطة مثل نجاحا آخر للتدخل الإسرائيلي في الشؤون الفلسطينية الداخلية، ومؤشرا على دخول مرحلة جديدة في مسار تسوية القضية الفلسطينية. ثم وأمام الحرص الأميركي على أن تكون التسوية دائمة كان لا بد من توفير غطاء من الشرعية لأي اتفاق قد يبرم مع الفلسطينيين. فجاءت قضية الانتخابات الفلسطينية، عنوانها الشرعية الشعبية وتقوية مؤسسات السلطة وأهدافها الديمقراطية التطبيعية. غير أن فوز حماس الساحق في هذه الانتخابات لم يمثل مجرد مفاجأة وإنما الحسم النهائي لصالح خيار المقاومة في مقابل سياسات التسوية. وقد قرأت إسرائيل هذا الحدث ذا الطابع الاستراتيجي جيدا، فأعلنت منذ اللحظات الأولى معارضتها لنتائج الانتخابات ورأت أن الشعب الفلسطيني بهذا الخيار قد افسد كل مخططاتها. في هذا الإطار جاءت الخطط الإسرائيلية المتتالية والتي آخرها “الكرة المتدحرجة”. وهذا ما يبعث على الاعتقاد في أن هذه الخطة ليست جديدة على الأقل في روحها. فالسياسات الإسرائيلية تجاه قطاع غزة منذ تولي الحكومة الفلسطينية المنتخبة كانت كلها توحي بهذا التدحرج أي بهذا التصاعد في الحصار والإعداد المتكاثف للمواجهة الشاملة. فبعد المعالجات الموضعية لقضية إطلاق الصواريخ على البلدات الإسرائيلية جاء الاجتياح الجزئي للقطاع ثم سياسة العقاب الجماعي من خلال الحصار وغلق المعابر وأخيرا إعلان الحرب المفتوحة. غير أن التحول للمرحلة الأخيرة من العملية المتدحرجة لم يأت تعبيرا عن مسار نسقي متصاعد من الضغط وإنما نلاحظ القفزة التي عبرت عنها السياسات الإسرائيلية من مرحلة الحصار إلى المحطة الأخيرة المتمثلة في المواجهة الشاملة. إن مرحلة الإعداد للانتخابات الإسرائيلية لم تكن المناسبة الأفضل لشن مثل هذه العمليات الواسعة إما لضعف الحكومة الإسرائيلية الآيلة للتغيير وعجزها عن تمرير مثل هذه الخيارات أو لتسويق كل الأطراف الإسرائيلية المتنافسة لخطاب السلام الذي يتناقض مع حالة التصعيد، أو للتأكيد على أهمية الأمن الإسرائيلي والتخوف من أن يؤدي التصعيد إلى ردود فعل قد تخرج على السيطرة مثل العمليات الاستشهادية أو إطلاق الصواريخ الأمر الذي قد يؤثر على الحظوظ الانتخابية لهذا الطرف آو ذاك.

إن ما يدعونا لاعتبار قرار الحرب الشاملة على غزة قرارا استباقيا، أنّ إسرائيل لم تعدم الوسائل في مواجهة حماس من اغتيالات داخلية وخارجية، سياسية وعسكرية، أو مواصلة الحصار السياسي والميداني لها. وربما كان الوقت سيكون كفيلا بتفتيت سلطتها في غزة وانكماش تأثيرها وعجز خياراتها. لكن مع أن مرحلة الحصار والخنق في خطتها لم تنته بعد إلا أنها لم تنتظر ولم تراع التدفق المتصاعد لسياساتها بل انتقلت إلى المرحلة الأخيرة.

إن ملاحظة تطور الأحداث ينبهنا إلى عوامل قد تكون وراء هذا الحسم، منها أنّ صانع القرار الإسرائيلي يرى أنّه بات من الضروري الاستعجال في حسم مسألة غزة نظرا لعدة أسباب:

* قد يتمثل السبب الأوّل في أن سياج الحصار حول حماس وحول غزة بدأ يتفتت نتيجة صبر الفلسطينيين ومقاومتهم ونتيجة المد الشعبي العربي والإسلامي والدولي الذي ناصر غزة المحاصرة ودعم صمودها.
* السبب الثاني يتمثل في عجز السلطة الفلسطينية على المسك بزمام المبادرة والتأثير الفعلي في واقع المقاومة. وقد تجلى ذلك في فشل مشروع دحلان ثم الطيب عبد الرحيم، فكان لا بد من التدخل المباشر للقيام بدورها في تصفية المقاومة.
* السبب الثالث أن السلطة الفلسطينية معرضة لاهتزازات عنيفة نتيجة انتهاء ولاية عباس وحرص أطراف فتحاوية على انجاز مؤتمرها القادم في اقرب الآجال وهو ما يدعو لتوقع تغيرات في التركيبة القيادية لفتح قد لا تتساوق مع السياسات الإسرائيلية.
* السبب الرابع الخشية من أن وصول الديمقراطيين للسلطة في الولايات المتحدة سيعطل مشاريعهم على الأقلّ من جهة حاجتهم لبعض الوقت لترتيب بيتهم الداخلي واستيعاب الواقع السياسي الخارجي. فمعظم الإدارات الأميركية المتعاقبة كانت تحتاج لمثل هذا الوقت في بداياتها وهذا من شأنه أن يعطل نسق السياسات الإسرائيلية.
* السبب الخامس أنّ السياسات الإسرائيلية قد منيت بهزيمة إستراتيجية في لبنان وان المجتمع الإسرائيلي بحاجة لرد اعتبار ولرفع من معنوياته قد تكون غزة فرصة سانحة لتحقيق هذا الهدف.
* السبب السادس يتمثل في أنّ غزة قد تكون في نظر الإسرائيليين فرصة حقيقية للتدرّب على خطط عسكرية لاعتمادها في حروب قادمة في جنوب لبنان أو حتى مع سوريا. والمتابع للمناورات والتدريبات العسكرية في شمال فلسطين أو على الحدود مع سوريا يلاحظ أن سيناريو الحرب في تلك البقاع يعد الشاغل الأهم في الفكر العسكري الإسرائيلي.

ما نستنتجه إذن أنّ الخطة المتدحرجة الإسرائيلية في غزة قد انطلقت منذ مدة طويلة وليس السبت الماضي. لكن المهم أيضا ملاحظته أن هذه الخطة قد تدحرجت بالفعل لكنها وحتى تدرك السبت الماضي كان لا بدّ من أن تقفز في الهواء أو أن تسارع حركتها بشدة – وهذا لم يحصل بالفعل- قبل أن تصل مرحلتها الأخيرة. فلا موجب نوعي ولا واقعي لان تبلغ ما بلغته اليوم، وهنا بالضبط يكمن ضعف السياسة الإسرائيلية. فقدرتها على التخطيط مشهود لها، وما دام هذا التخطيط يراعي اللين في التنزيل ويقيس بمقادير حدود الإمكان فانه يحقق أهدافه. أمّا متى يتحول إلى رعوانية واعتباطية فانه يطلّق النجاعة والفاعلية. فالهجوم على غزة سلط الأضواء من جديد على القضية الفلسطينية باعتبارها أحد المحاور المحدّدة في السياسة الدولية، كما عبّأ القوى الرافضة للسياسات الإسرائيلية بالمنطقة وأجج من مقاومتها لهذه السياسات. مثلما أن بعض الأطراف الفلسطينية و الأنظمة العربية التي حاولت تسويق منطق حصار حماس في غزة واستهدافها في الساعات الأولى للحرب، نراها اليوم تعجز عن الاستمرار في هذا الخطاب أمام الضغط السياسي والشعبي الذي يواجهها وتأخذ مسافة أبعد عن السياسات الإسرائيلية. وإنّ هذه السياسات العدوانيّة لا تستطيع أن تصمد طويلا أمام الضمير الأخلاقي الدولي والحسابات السياسية الداخلية. فالخروج للشارع في مدن وعواصم العالم العربي والغربي يمثل إدانة صارخة لهذه السياسات لا قبل لإسرائيل ذات الوضع الهش والتي تتغذى أخلاقيا من تسويق خطاب الاستضعاف، على تحمله. ورغم أنّ الخطاب الإسرائيلي يتحدث عن جاهزيته لحرب طويلة فان امتداد أيام الهجوم الجوي وتواصل صواريخ المقاومة في انتظار ملحمة المواجهة البرية والانزلاق في “بقعة الزيت” التي رسمتها حماس، هذا فضلا عن الحسابات الانتخابية التي ستظهر بعد برهة وتزايد التمايز السياسي والاصطفاف وراء قدسية الحقوق الفلسطينية كلها عوامل ستجعل من المرحلة الثانية من المواجهة الإستراتيجية بين مشروع المقاومة من جهة وفرض التسوية من جهة أخرى، مماثل لنتائج المرحلة الأولى التي تحققت في جنوب لبنان

رياض الشعيبي – باحث تونسي في الفكر السياسي