قد تباعد بيننا المشاغل و تخالف بيننا القضايا و الآراء و لكن مهما اختلفت مشاغلنا و مهما تغيرت مناهجنا و أفكارنا في النضر لقضايانا يبقي موضوع يكاد يكون وحيدا نسلم به و لا نختلف عليه و هو كوننا تونسيون نتقاسم نفس الوطن نعيش على ترابه و نجتمع تحت سمائه نشرب من مائه و نأكل من زرعه و لا نختلف في ذلك حتى مع من حكمت عليهم ظروف الحياة بالغربة بأننا لا نرضى وطنا غيره.

و ليس الكلام في حب الأوطان خاصية فينا بل تراث شائع لدى البشر في كل قطر و بر. و لكن ليست بعض الأوطان ككل الأوطان في بعض الأحيان و خاصة عندما يسكنها “الثعبان المقدس” على قول شاعرنا الكبير أبو القاسم الشابي ” لا رأي للحقِّ الضعيف، ولا صدّى ، الرَّأيُ، رأيُ القاهر الغلاّبِ” و شتان بيننا و ما يتجلى من حقيقة واقعنا و كم نحن بحاجة اليوم إلى لحظة صدق يطرح كل واحد فيها على نفسه هذا السؤال: أي تونسي أنا؟

هذا السؤال حاولت دوما طرحه على نفسي حتى لا أخطئ فينالني الشطط و أتيه في أوهامي أو أماري فاسقط في النفاق و تضطرب السبل أمامي حتى رأيت أن الوطن ليس لنا جميعا سيان. ذلك أن الوطن عندما يصبح بالنسبة للبعض تركة موقوفة يغترفون منها دون حياء من سرعة و فحش الثراء فيعربدون غير آبهين بالمحرومين حتى أصبحت البطالة قدرا لأبنائنا و الضيق والخصاصة طبيعة لحياة أغلبية مواطنينا. فعندما يستبد النّافذون و يعتصبوا على النهب المقنن تصبح صورة الوطن مشوهة تحتاج إلى إعادة نضر و تقويم.

لقد عرفنا نحن التونسيون على مر تاريخنا الطويل صنوفا لا تحصى من الإستغلال و القهر و الإضطهاد في وطننا على أيدي جحافل لا تحصى أيضا من الغاصبين دون أن يختلف الحال بين غاصب و آخر على اختلاف مللهم و نحلهم حتي أمسو من بني جلدتنا يحكمون علينا بالصمت و إن نطقنا يشككون في وطنيتنا. و كما هو الحال اليوم فقد كان هناك دائما نوعان من التونسيين:

– صنف إنحاز للغاصبين و الطغاة و المستبدين يتملقهم و يستجدي عطائهم طمعا في فتاتهم. يمدحهم في ظلمهم و يفاخر لهم بقسوتهم و بطشهم و يؤلبهم على مزيد التنكيل ببني وطنه و جلدته.

– و صنف لم تردعهم صولة المتجبرين و لم تخدعهم ثروات نهبهم. بقوا على العهد صابرين لخلاصهم و تحرر وطنهم منتظرين.

كما لم تختلف قط نضرة الغاصبين لنا و لا خوفهم منا. و كم برعوا في تلك الأوصاف التي لا يزال ينضح بها خطابهم في استغبائنا و استغفالنا و في تمجيد شأنهم و تعضيم وسداد حكمهم حتى و هم في أسفل السافلين كما برعوا في تلك الألفاظ الجوفاء حول رسالتهم في تحضيرنا و تنميتنا و الرقي بنا. لذلك لم نعرف لحد اليوم دولة تنتسب فعلا لنا و تبني سياستها على ما نري فيه خيرنا تصادق من يصادقنا و تعادي من يعادينا.

و لعل الحال لا يختلف اليوم عندنا نحن التونسيين بين من يقاسون كيد ونهب الغاصبين لوطننا و بين تلك الشريحة من الأنذال من بني جلدتنا ممن ركنوا دوما للطغاة المتجبرين و كانوا و لا يزالوا حزب الموالاة للمتسلطين أعداءا لحقنا في الحرية و كرامة الحياة.

لذلك عندما ننظر في أنفسنا ثم نتطلع إلى بعضنا لا يمكن أن يخفى على أحد منا الحد الفاصل الذي بيننا و الذي يفرقنا بكل وضوح كاختلاف البياض على السواد.

هناك تونسيو الإستبداد و الظلم و القهر و النهب و الإضطهاد المتملقون الساجدون للأسياد و هم أعوان الغاصبين حكامهم و مستشاريهم و هم سفهائهم و كذّابيهم و هم سياطهم و أدوات العذاب التي تحركها أيديهم، هم إرهابييهم.

و لهؤلاء نقول كما كنتم خدما و عبيدا لظلم البايات و كما تحولتم وشاة وأعوانا و سفاحين للمستعمرين لازلتم أداة ذليلة كريهة في أيدي المستبدين، أعوانا للغاصبين و الناهبين ناكرين للحق شهودا على الباطل، أعداءا للأحرار و لكل التونسيين.

لذلك كم هو حري بنا اليوم أن نعلن الإنفصال على المارقين فينكشف صفهم و يدركوا أنهم ليسوا منا و أننا لسنا منهم و لا من طبعهم اللعين. فالتونسي اليوم لا يمكن أن يكون عدوا للحرية يضجره خطابهم و تشدقهم صباحا مساءا بقيم جمهوريتهم المكذوبة و بديمقراطيتهم الرخيصة المزورة و تفوقهم على كل دول العالم في نسب نمو نصبهم و احتيالهم. و التونسي اليوم لا يمكن أن يكون عدوا للعدالة و المساواة في الحقوق و الواجبات أمام القانون و أين هذا من جور عدالتهم و فحش امتيازاتهم و صلف محاباتهم. و ما هذا إلا فيض من غيض من شناعة ما يقترفون.

لذلك قبل أن نتناول السياسة و قبل أن نتحدث في الديمقراطية و قبل كل إنتخابات علينا أن نحدد قبل كل شيء من هم أولائك الذين ضلوا على سبيل الوطن و معايير الوطنية و من هم أولائك الذين عبثوا بمؤسسات الدولة و قيم الجمهورية و من هم أولائك الذين أجهضوا الإستقلال و يعربدون خارج السرب منتهكين القيم و المبادئ و القانون…

المختار اليحياوي 1 رمضان 1430 – 23 أوت