لم يكن هناك في تاريخ الحكم في محيطنا العربي الإسلامي ما يحيل إلى المواطنة، لا بمفهوم الانتماء للوطن فقط ، بل بمفهوم مشاركة الشعوب في صياغة القرار والانخراط في الشأن العام والتداول السلمي على السلطة ومراقبتها وتساوي كل المواطنين ، مهما كانت مناصبهم ،أمام القانون، أي هذا المفهوم الحداثي الذي يعتبر بحق الوجه الآخر للديمقراطية التي نطالب بها ، ولذلك لا توجد مواطنة بدون ديمقراطية ، كما لا توجد ديمقراطية بدون حرية، إذ إنهما متلازمان إلى درجة التماهي، أحيانا.
فالفكر المتزمت الذي ساد اغلب فترات تاريخنا ومنع تطور مفهوم المواطنة واستغل الدين للتوظيف السياسي من اجل إعاقة تطور فكرة الحرية والعدالة والمساواة شل إمكانيات التطور وغلق باب الاجتهاد. وحدها المواطنة التي تجرد الفعل السياسي من القدسية هي التي تحقق هذه المبادئ، لأنها تحيل إلى اعتبار أن روابط الوطن (لا غير) هي التي تجمع كل المواطنين على الفعل السياسي المشترك، وذلك دون تمييز على أساس الدين والعرق و الأصل والعقيدة.
و حتى بعد ظهور ما عبر عنه المفكر السوري الطيب الطيزيني ب”الإرهاصات النهضوية” التي حملتها المشاريع القومية والليبرالية والاشتراكية في الوطن العربي و التي حاولت تطبيق أسس النهضة الأوروبية وبدأت بالنبش عن أسس الحداثة الغربية للاستنارة بها وتحسست الطريق الى محاولة بناء مجتمع يقوم على مبادئ التعاقد الاجتماعي وذلك منذ نهايات القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين فان هذه المشاريع تراجعت أمام هجومات الردة الفكرية الكاسحة ، و كذلك إخفاق الدولة الوطنية في الوطن العربي في ترسيخ قيم الحداثة ، بعد أن أرست قوائم دولة مستبدة ، وحصرت دورها السياسي في السعي المتواصل للاحتفاظ بالسلطة دون منازع، ورسخت كياناتها المعزولة بالإقصاء والتهميش و الاستيلاء على كل مؤسسات المجتمع المدني ورفض مبدأ التداول على السلطة ، فغاب مفهوم المواطنة وكرست احتكارها لكل جوانب الحياة الاقتصادية والسياسية والثقافية والدينية.
لكن ليست الدولة فقط هي التي غيّبت حقوق المواطن فحتى بالنسبة للحركة اليسارية – في مراحلها الأولى خاصة – فإنها لم تضع المواطنة بمفهومها العام في سلم أولوياتها ، لان الإيديولوجي طغى على السياسي ، مما عمق الهوة بين نقاوة الفكر و تعقيدات الواقع ، بل وحاول إكراه الواقع ليخضع للفكر ، وغذى الصراعات التي لازلنا نعيش اخفاقتها إلى اليوم. كما أنتج ضبابية في الرؤية، تغلّب مبدأ الصراع على الوحدة وتختزل الآخر، المختلف إيديولوجيا، في عدو فكري لا مجال للالتقاء معه .
كما حاولت القفز على مرحلة هامة من مراحل التاريخ البشري وهي مرحلة بناء الدولة الوطنية ليس بحدودها الجغرافية فقط بل بكل معاييرها السياسية والاجتماعية ، وهذا ما يجعلنا نتفق تماما مع المفكر المغربي عبد الله العروي حين يعتبر أن انحسار الحركات اليسارية في الوطن العربي يرجع الى القفز على القيم الليبرالية ، مثل الحرية والمواطنة والديمقراطية .
أما الأحزاب الليبرالية العربية نفسها فقد كانت تعمل دائما على الدفاع أفكار أحزابها وتوجهاتها وتدافع عن وجودها ولم تع أهمية ترسيخ أفكار المواطنة، والنتيجة إنها كثيرا ما كرست مبادئ الفردية و ضخمت أدوارها السياسية وغيبت العمل الجماعي فخسرت جماهيريا وفشلت في إرساء قيم المواطنة في نفس الآن.

ثم إن العصر العربي الذي نعيشه يؤسس إلى انهيار غير مسبوق لقيم الحداثة نتيجة لامعان الاستبداد وغياب الرأي الحر وعطالة العمل السياسي والثقافي والإبداعي، انهيار بدأ يقوّض أسس الدولة الوطنية ذاتها ليؤسس لمفاهيم تحسب نفسها انها تجاوزتها تاريخيا وهي مفاهيم الأسرة والعشيرة والمذهب…
لذلك يكتسي الدفاع عن المواطنة أهمية كبيرة ، لا باعتباره التقاء بين أطراف سياسية تسعى لإرساء قواعد عمل مشترك ، بل لأهمية عودة الحوار حول هذا المفهوم وما يمكن أن يثيره من جدل مفيد أمام تنامي ظواهر التعصب الديني والانغلاق و كذلك ما يمكن ان يضيفه على المستوى السياسي، حيث ان الاستنقاص من قيمة مبدأ المواطنة لصالح تصورات أخرى أضيق (إيديولوجية ،دينية ، برغماتية سياسية …..) ساهم في تشتيت القوى السياسية وحدّ من مجال تأثيرها، لكن يبقى الأهم في الفعل السياسي وهو : كيف الخروج من الدائرة الضيقة للأحزاب والإفراد الى دائرة الشأن العام؟ كيف تصبح المواطنة مطلبا شعبيا؟ كيف يمكن ان تتوفر الإرادة لدى المواطن التونسي حتى يسترجع مواطنته المفقودة؟

ذاك في رأينا رهان صعب ، إلى حد الآن لم يتعدى تشخيص قوى المعارضة للواقع الاعتراف بالضعف في التأثير والتشتت وعدم قدرتها على تغيير الواقع الى جانب تحميل السلطة مسؤولية خوصصة كل القطاعات الاقتصادية و تأميم السياسة لتبقى حكرا للدولة ، ولم تطرح في رائنا إمكانية تغيير الواقع، وكأن تغيير المشهد العام في البلاد هو حلم المعارضة الذي ينتظر إرادة السلطة في التحقيق. لكن أليست مسؤولية المعارضة –و كل المجتمع المدني – اكتساح الفضاءات العامة وإزالة كل القيود التي تحبس حرية المواطن من اجل المشاركة في الشأن العام؟ من المعني ، تحديدا ، بخطاب المعارضة؟ السلطة أم المواطن ، أم الاثنان معا؟
إن المعارضة التي لا تتجه للمواطن وتعرف همومه وترتقي بوعيه وتنزع عنه حاجز الخوف و تعيد له الثقة في العمل الجماعي لا يمكن ان تؤسس لتغيير الواقع، وحتى الانتخابات الدورية التي لا تكون تتويجا لمسار من التحركات الميدانية والتواصل اليومي مع المواطنين في كل مجالات الحياة، فإنها لا تعدو ان تكون مناسبة ظرفية للتعريف برأي آخر سرعان ما تنسى أمام التضييق المتواصل و زخم الحياة العادية التي تشكو الفراغ على كل مستويات الحياة المدنية، سياسية كانت أم ثقافية أم حقوقية.
وفي رائنا ، إن لم تكن النخب، سواء كانت سياسية او ثقافية او حقوقية ، محركا فاعلا في نحت المجتمع المنشود، يشغلها هاجس المراكمة الايجابية وحشد كل الطاقات أكثر من صخب الصراعات الهامشية ويؤرقها مستقبل العمل المشترك أكثر من غريزة تضخيم الأنا، ولها إرادة الفعل في الحياة العامة واستعادة كل الحقوق ،فان إمكانية تحقيق المواطنة يظل حلما جميلا بعيد المنال.