قراءة في المؤامرة على الثورة و الوطن التي بدأت خيوطها تنكشف و ما ستؤول اليه خلال ستة أشهر

بقلم تونسي حر،

كنا أشرنا في الأيام الفارطة الى فرار بعض العناصر الاستخبارية الأجنبية التي دخلت للبلاد أثناء الثورة لزعزعة الاستقرار لكن يبدوا أن خيوط المؤامرة للاستحواذ على السلطة في تونس و زعزعة الاستقرار في المرحلة الانتقالية كان بأياد تونسية من تخطيط و تنفيذ و ربما بدعم خارجي لكن هذا أيضا أصبح مستبعدا نظرا لأننا و للأسف لدينا أخطر العناصر في التكامبين والتخطيط لزعزعة الامن و الاستقرار.

يسأل المواطن العادي اليوم، هل من السهل أن يقبل أناس كانت لهم سلطات غير محدودة، و مداخيل غير محصورة، بعيدين عن العقاب أينما ذهبوا وجدوا الترحيب و التبجيل في كل مكان، أن يتخلوا عن تلك المتيازات ببساطة ليس الحديث هنا عن الطرابلسية بل الحديث عن عددمن الوزراء السابقين (حتى من عهد بورقيبة)و عدد من نواب التجمع وعدد من أعضاء اللجنة المركزية ومجموعة من رؤساء البلديات و اعضاء المجالس البلدية والكتاب العامين للجان التنسيق و الجامعات و رؤساء الشعب الترابية والمهنية، عدد من رؤساء بعض النواد الرياضية، و الحديث أيضا هنا عن أعوان الاستعلامات و فرق مقاومة الارهاب و فرق العدلية و رؤساء المراكز والمناطق ومدراء الاقاليم و غيرهم ممن تورط في الرشا و التعذيب و تغيير المحاضر. و الحديث أيضا هناعن بعض المحامين الذين كانوا يحصلون على القضايا بتدخلات و رشاوى و بعض من القضاة الذين باعوا ضمائرهم و حققوا مقابل ذلك ثروة هامة و بصفة عامة كل المستفيدين من النظام السابق. هل كل هؤلاء و غيرهم هل سيقبلون بين ليلة و ضحاها بنتائج الثورة و الانتقال بكل بساطة للديمقراطية و المساواة بين المواطنين وتطبيق القانون و انحصار الرشوة و المحسوبية. هل سيقبلون بالتخلي عن الرشاوي و السلطة و خاصة الافلات من العقاب هل سيقبلون بالعودة الى مهامهم ووظائفهم الاصلية (معلمين ، أساتذة، حراس، موظفين من جميع الاصناف) و ينسون الماضي السياسي الرغيد. هؤلاء يُعدون بعشرات الألاف، هم أناس مختصون في السياسة أي في التكمبين و الحسابات يعرفون كيف يتحركون ومتى خاصة و أن لديهم شبكة معارف و تدخلات في جميع الجهات و الاختصاصات. هذه الفئة التي ربما تقدر بحوالي 40 ألف شخص هي التي سميت قوى الردّة.

هذه الفئة لا يهنأ لها بال الا اذا التهبت الاحداث و انتشرت الفوضى لتنتج بعدها دكتاتورية عندها يستعيدوا مكانتهم. هؤلاء كالخفافيش لا يحبون النور و الضوء يحبون العمل في الظلام بصحافة مقيدة و قضاء مسلوب الارادة و اجراءات ادارية متخلفة و معقدة.

حاولوا مباشرة اثر هروب المخلوع أن ينصبوا حكومة تكرس الماضي : التقسيم الجهوي العروف 70 في للساحل و فتات للبقية، وجوه التكمبين كانت حاضرة و بقوة. فشلت هذه الحكومة في اقناع الشعب و الثوار، فجيء بأخرى أكثر توازنا، و لما أحست قوى الردة بأنها في طريق الهزيمة الأكيدة، بدأت تحركاتهم أكثر علنية و على الطريقة المصرية انتداب “البلطجية” و ترويع المواطنين الآمنين و وخاصة التلاميذ و الأطفال. انهم يخططون ويجتمعون أمامنا في بلدياتنا و معتمدياتنا و مناطق أمننا، يستعملون سياراتنا الادارية و بنزيننا، يتحدثون عبرهواتف اداراتنا و يخططون باستعمال حواسيب اداراتنا. خطط منسقة في كل يوم تشتعل الأحداث في ولاية، في كل يوم يقتل شخص لديه معلومات هامة أو تحرق منطقة أمن أو ادارة عادية تحتوي على وثائق ادانة لبعض المسؤولين السابقين.

ضغطوا فحصلوا على ما يريدون 19 من بين 24 واليا من المسؤولين السابقين في التجمع، صحيح أن بعض هؤلاء قيل أن أيديهم نظيفة أي لم يضعوا شيئا في جيوبهم و لكنهم كانوا أداة القمع و أداة الظلم و الحيف و هؤلاء الذين وصفوا بنظافة اليد ربما كانوا في بعض الاحيان أشد تنكيلا بالمواطنين من غيرهم، ليثبتوا أنهم ليسوا أقل من غيرهم ولاء للنظام السابق.

و لسائل أن يسأن : من عين الولاة و كيف عينوا أو سؤال أبسط من ذلك من يحكم اليوم في تونس و يتخذ القرارات، هل من قلة الكفاءات في تونس و خارجها، هل ضاقت الدنيا كي لا نجد الا هؤلاء؟ من يضغط على الحكومة بهذا الشكل؟ الاكيد أن هناك مخطط قوى يضغط للوراء ، تعيين هؤلاء الولاة و من بعده حركة في المعتمدين هدفه واحد الانتخابات القادمة، والحزب الدستوري الجديد رائحته فاحت في سوسة و أحوازها ثم وصلت الى كل الجمهورية.

المخطط ببساطة: له ثلاثة أبعاد : سياسيى، اعلامي و أمني: سياسيا، تٌظهر الحكومة أنها لا تسعى لحل التجمع ثم تحدث القلاقل و تكثر الاتهامات للتجمع، يتم حل الحزب، ينشأ حزب جديد البعض يسميه الحزب الدستوري الجديد، و البعض يريد أن يقطع مع الاسم القديم تماما فيسميه حزب العدالة و التنمية، تتركز مركزية الحزب في احدى المدن الساحلية أو حتى في صفاقس لابعاد الشبهات عنه، تستعمل شبكة التجمع الدستوري الديمقراطي نفسها في كل الجهات، يستعمل الحزب الجديد لهجة العروبة و الاسلام و الاشتراكية و الدستورية في آن واحد، هدف هذا الحزب هو المواطن البسيط ،رجل الشارع الذي ترعبه كلمة علمانية أو لائكية أو يسار و الذي لا يرى أن النهضة تمثله. و قدرالبعض نسبة هذه الفئة من المنتخبين بحوالي 40%، يصبح الحزب الجديد هو الاقوى على الساحة، يحضى بدعم الولاة و المعتمدين و رؤساء البلديات (التجمعيين الذي بقوا في مناصبهم) في الانتخابات، يحصل الحزب على المرتبة الأولى بأقل من خمسين في المائة يأتلف مع حزب صغير صوري آخر. و يعاد انتاج الديكتاتورية شيئا فشيأ.

من الناحية الاعلامية، في المدة القادمة سوف يتم التركيز في وسائل الاعلام على النخبة اليسارية و العلمانية الى حين أن تأخذ الثقة في نفسها و تبدأ بطرح رؤيتها الحقيقية خاصة حول الدين و من بصفة أقل ربما حول الحضارة و اللغة، و الهدف من هذا هو تخويف المواطنين منهم، واظاهرهم بمظهر المنسلخين عن دينهم و حضارتهم و بالتالي يسهل في الانتخابات هزيمتهم اذا ما تم اللعب على الهوية و اللغة و الدين. أما فيما يتعلق بحركة النهضة، فهي لا تمثل لا رجل الشارع العادي الذي بقيت صورة النهضة التي كرسها النظام السابق حولها محفورة في دماغه، و هي أيضا لا تمثل الشباب غير العلماني وهم فئة لا يستهان بها اذا ما شاركت في الانتخابات لأنهم أقرب الى الفكر السلفي المعتدل منه الى النهضة التي لا يعتبرونها تمثل الاسلام الحقيقي لأن فكرها اخواني أشعري.

من الناحية الأمنية سوف تتواصل القلاقل كل مرة في جهة و تتعطل الدروس و تنهب محلات و تحرق مراكز أمن و ادارات، كي يحس المواطن العادي و رجل الاعمال بالحاجة الى رجل قوي يمسك البلاد حتى تنضبط الامور ويستتب الامن، و من ثم يخرج لنا هذا الحزب الوليد على أنقاض التجمع شخصا يقدمه على أنه المخلص و يُشهد له بنظافة اليد و الحزم معا و هو بكل بساطة الديكتاتور الجديد. هناك العديد من الاسماء المتداولة لكن كل مايجمعهم هوأنهم أبناء ولاية سوسة.

ان بلادنا مفتوحة على كل الاحتمالات، طبخة علمانية على اليسار يتم اعدادها لكن بدون وزن حقيقي في الشارع، يمين ضعيف و متفرق، و مافيا تجمعية تعيد بناء خيوطها و ترمم شعثها كي تعود لنا بديكتاتورية أكثر عدلا و انفتاحا و لكن باستبداد الماضي القريب.

و يتعين على كل القوى الحية في المجتمع الضغط على الحكومة الضعيفة أصلا كي تقصي جميع رموز التجمع من الحياة العامة و تعيدهم الى وظائفهم الاصلية و تنزع عنهم الامتيازات، و تضع بعضهم تحت الرقابة الامنية، و عدم السماح لهم بالمشاركة في الحزب الموعود أو في الترشح للانتخابات القادمة، يجب أن يكون التجمع خط أحمر، و لا يجب التعلل بالأيادي النظيفة كما بيّنا سلفا لان الذي لم يقترف جرائم كبيرة اقترف جنحا صغيرة ليس أقلها التدخلات لقضاء مصالح شخصية. كما يتعين اجراء اصلاحات كبيرة في الأجهزة الأمنية بحيث يتم القطع التام لعلاقة التآمر بين الامن و عناصر التجمع. و بناء جهاز أمن جديد بعقيدة أمنية مختلفة تماما تتركز على خدمة المواطن و ليس خدمة النظام و على مكافحة الجريمة و ليس مكافحة الارهاب، لأنه تبين أن تونس و الحمد لله تخلوا من الارهابيين حيث لم يتم تفجير أو قتل أو اختطاف أي أحد في ضل شهر و نصف من غياب الامن التام، الارهاب الذي ظهر علينا هو ارهاب النظام السابق و فلول التجمع الذين استعملوا السلاح لقنص و ترويع و قتل المواطنين العزل و هو مفهوم الارهاب الحقيقي. و اليوم كلنا فخر بشبابنا المتدين الذين كانوا يزجون به زورا في السجون بتهم الارهاب، هؤلاء لم نراهم انتقموا من الذين عذبوهم أو اعتقلوهم أو سجنوهم أو وشوا بهم، بل كانوا مثالا في الوطنية و السماحة. و يتعين على الحكومة أن تنظر اليهم و تشركهم كبيقية المواطنين و تأخذ رأيهم و لا تحرمهم من الوظائف بسبب البحث الأمني كما كان في السابق، و يتعين تبليغ صوتهم في وسائل الاعلام حيث لا اقصاء و لا تهميش لأي طرف.

كما يتعين تطهير المدارس و المعاهد من أزلام النظام السابق تمام، و تطهير الوزارات من الأطر المتعفنة، و على الحكومة و التحاد العام التونسي للشغل توعية الشعب بأن من يضرب عن العمل أو الدراسة فهو يخدم مصلحة أزلام النظام السابق مجانا.

الخلاصة أن لا يتم الرضوخ لقوى الرجوع الى الوراء، حل الحزب الحاكم سابقا و منع اجتماعاته جزء من الحل لكن المهم هو عدم تمكينهم من حزب جديد تحت أي مسمى، يتعين الحزم مع هذه الفئة، انهم جبناء و خونة لو تقوم الحكومة باعتقال ثلة منهم من كل ولاية و خاصة المشهورين من المتنفذين منهم سوف نرى أن الامور ستهدأ لأن الخوف و الرعب يسكن قلوبهم، النصيحة هي التعامل بحزم وقسوة معهم ليكونوا عيرة لغيرهم. أما اذا تم التراخي معهم و تم تقديم التنازلات لهم مثلما تم عند تعيين الولاة فسنقول على تونس السلام، لكن تونس فيها اليوم شباب ثائر لا يقدر عليه هؤلاء و لاأضعافهم. لقد هزموا الطاغية و عائلته فما بالك بأزلامهم.