بقلم رجل الشارع البسيط

ان الملاحظ اليوم لما آلت اليه الثورة التونسية من انقضاض فئة من العلمانيين على الثورة و تهميش و اقصاء لباقي مكونات المجتمع التونسي، و خاصة في الميدان الاعلامي و السياسي أدى بما لا يدعوا للشك لانتشار حالة من الاحباط لدى رجل الشارع و المواطن التونسي العادي، و لاسيما في المناطق الداخلية كتالة و القصرين و سيدي بوزيد و الرقاب و المكناسي و غيرها من المناطق التي كانت وقود الثورة و ضحت من أجلها بأبنائها، لترى في الأخير أن ثلة من اللائكيين (التي كانت تربطهم علاقات ما بالنظام السابق، حيث لم يكونوا على الاقل في صدام معه ان لم نقل كانوا موالين أو منافقين له) ركبوا على الثورة وصاروا من منظريها الاساسيين.

و يتجلى هذا الركوب على الثورة في جانبين أساسيين هما المجال الاعلامي و الحقل السياسي:

ففي المجال الاعلامي، نذكر في البداية أن الاعلام التونسي لم يسمح طوال أكثر من خمسين سنة للمواطن العادي الذي يتكلم اللغة العربية و يرى أنه عربي وان كان في بعض الاحيان يعلم جيدا أن أصوله بربرية لكنه كان فخورا بالانتماء للأمة العربية، هذا المواطن المسلم الذي و ان كان قد لا يصلي و قد لا يصوم أحيانا لكنه كان فخورا بإسلامه، اذا طوال خمسين سنة أقصيت هذه الفئة من المنابر الاعلامية الوطنية، و قد كرس النظام البائد ذلك باختيار الاعلاميين الذين لا شخصية و لا انتماء لهم. و بعد حدوث الثورة ورث هؤلاء الاعلاميين الذين كانوا بالامس القريب يتزلفون للنظام السابق المنابر الاعلامية فأصبحت لهم حرية اختيار الضيوف فكانت الفاجعة و الطامة الاعلامية بكل ما تحمل الكلمة من معنى.

قال البعض انتقلنا من الاعلام الأحادي الى الاعلام الاحادي و من الاقصاء الى الاقصاء و من الانحياز الى الانحياز.

لقد ملت أذاننا طوال 23 سنة لغة الحداثة الزائفة لكننا اليوم أمام نفس الخطاب و بنفس المنشطين الاعلاميين الذين كرههم المشاهد و ملّ منهم. الحداثة و أدراك ما الحداثة، الحداثة في نظرهم اباحة كل شيء الا فيما يتعلق بالتمسك بالدين فيصبح حينها ارهابا، الحداثة بالنسبة اليهم هو ان تكون عبدا لاسيادك الاروبيين البيض و ليس كلهم بل الفرنسيين منهم فقط فتتعلم منهم الاعلام و الصحافة و طريقة الحديث و اللباس و أن تستعمل لغتهم في حياتك اليومية. باختصار أن تنسلخ عن كل ماهو عربي و كل ما يمت للاسلام بصلة.

اليوم الشباب و الكهول و الرجال و النساء يتحدثون علنا عن عدم رضاهم عن التركيز الاعلامي على النخبة العلمانية المنسلخة عن حضارتها و الذين لا يجدون حرجا عن التعبير عن عدم افتخارهم بحضارتهم علنا و أمام الملأ. وهو ما جعل رجل الشارع يعود شيئا فشيئا لقنواته العادية: الجزيرة و ام بي سي و الرحمة التي عادت للبث مؤخرا و غيرها من قنوات الشرق الاوسط.

نقول لهؤلاء اللائكيين الذين يسميهم رجل الشارع اختصارا بحزب فرنسا أنكم انتهازيون تسرقون الثورة و لا تتركون مجالا لغيركم ليعبر عن رأي مخالف لكم تدّعون الحرية و أثبتم في شهر بعد الثورة أنكم ألد أعدائها، تدعون الحداثة فلم نرى الا اطروحات القرن السابع و الثامن عشر للحداثة في حين أن العالم اليوم في المرحلة ما بعد الحداثة.

أما على الجانب السياسي فلا يشك اثنان في غياب تمثيل المواطن العادي رجل الشارع العربي المسلم في اللجان التي شكلت حيث كانت المحسوبية المقيتة السمة البارزة لاختيار أفرادها، و حتى الاشخاص الذين يترأسونها لم نرى فيهم الشخصيات الوطنية البعيدة عن الشبهات بل كلهم و بدون استثناء كانت لهم علاقات بعضها وطيدة مع النظام السابق. و قد كانت السمة اللائكية لأفرادها و تشيع أجواء من الريبة.

ان بعض أزلام النظام السابق من التجمعيين صاروا اليوم يتحدثون علنا للمواطنين عن أن التجمع كان انتهازيا لكنه لم يكن حزب فرنسا في تونس أما الفئة العلمانية التي تسيطر الآن على الاعلام و السياسة فهي انتهازية و لائكية و تمثل و بقوة حزب فرنسا.

كما أن البعض قد لاحظ حرص هذه الفئة على استعمال اللغة الفرنسية في مكانها و في غير مكانها وهم يعلمون أن هذه اللغة لم يعد لها مستقبل لا في تونس و لا في العالم، اليوم شبابنا يستعمل العربية و الانقليزية، شبابنا يذكر جيدا جرائم فرنسا الاستعماري في بلدنا، شبابنا يذكر دور فرنسا المساند للدكتاتور المخلوع من أجل محاربة الاسلام و الهجرة السرية، شبابنا يذكر ما قالته ميشال أليو ماري أمام البرلمان الفرنسي حول ضرورة دعم بن على بهدف قمع التظاهرات أياما قليلة قبل سقوطه.

كما لاحظ البعض أن أعمار هذه الفئة المنسلخة عن حضارتها تتجاوز الخمسين سنة وهو ما يدل على ارتباطهم بالماضي و عدم ارداكهم لما يحدث اليوم من تحولات عند الشباب ليس أقلها أن شباب تونس فخور بدينه و لغته العربية و لو قاموا باستفتاء عن اللغة الثانية بعد العربية لأختاروا اللغة الانقليزية و ليس الفرنسية البائدة و لكم في الفايسبوك و توتر مثال على ذلك.

ان ما يطمئننا اليوم هو أن هذه الفئة الاقصائية من حزب فرنسا ليس لهم وجود عند الشباب، حيث أن أبنائهم ان كان لهم أبناء مختلفون عنهم، حيث لا مستقبل لهم باذن الله، أما ما يحزننا هو سرقة هذه الثورة العظيمة و اعتلاؤهم لمنابرنا و افسادهم لاذواقنا بأطروحات أكل عليها الزمن و شرب.

لقد طلع علينا رجل كنا نحسبه من الناس العقلاء (صاحب صحيفة المغرب الكبير سابقا) ليعلن على قناة نسمة المشبوهة أنه بصدد الاعداد للحرب الايديولوجية القادمة في تونس، و أنه سوف يعيد اصدار جريدته مع التأكيد على ضرورة وجود الطبعة الفرنسية و على اعتزامه بعث حزب سياسي صحبة النساء الديمقراطيات ليشن حربه الموعودة على التونسيين. هذه بعض الأمثلة من هذه الفئة التي تنكشف حقيقتهم يوما بعد يوم. نحن لسنا مه اقصاء أي طرف لكننا ضد من يبرر بل و يمارس الاقصاء مهما كان و خاصة اذا كان من أذيال فرنسا ساركوزي.

يجب على كل التونسيين الشرفاء أن يتكاتفوا ضد حزب فرنسا و أزلامه من المنسلخين عن حضارتنا العربية و الاسلامية هؤلاء الذين لا يستسيغون سماع الأذان، و لا يحتفلون بأعيادنا و لا يتحدثون العربية الدارجة و لا يتشرفون بأصولهم العربية و لا يعترفون بتعاليم ديينا الحنيف. هؤلاء الذين يحاربون العفة و الصدق و الاستقامة و يروجون للاباحية والى تحرير المرأة من أخلاقها و ملابسها و يسعون لجعلها سلعة تقيم حسب وزنها المادي لا العقلي. لقد قمنا بالثورة و هزمنا الطاغية و عائلته و هزمنا التجمع و أزلامه و لم تبق في ثورتنا غير هزيمة الفئة اللائكية المتفرنسة العائدة من عصور السبعينات و الثمانينات والتي استولت على ثمار الثورة و منابره الاعلامية و السياسية و الاصلاحية، عندها نهنىء بتونسنا العربية الاسلامية الافريقية المتوسطية.

و كلمتنا الأخيرة لهؤلاء: تونس ليست مقاطعة فرنسية و فرنسا لا تتمنى أن تكون تونس جزءا منها، أنتم تروجون لفرنسا وهي ترفض أن تدخلكم لأراضيها لتقيموا عليها، و لن يقبلكم أي أحد سوى وطنكم الذي يتكلم العربية و دينه الاسلام شئتم أم أبيتم. عودوا الى لغتكم عودوا الى حضارتكم عودوا الى دينكم الاسلامي الحنيف و لنتجنب التطاحن اليديولوجي الذي لن يجلب لوطننا غير التفرقة. لنبني مع بلادنا موحدين متمسكين بأصلاتنا و ديننا، لنكن مثل الماليزين في تكاتفهم و اجتماعهم على أنموذج فريد من التأصل و التطور في آن واحد.