يجب التمييز بين الحس الثوري و الوعي الثوري، الحس يقوم على العاطفة و ان كانت ضرورية في تحريك الناس من اجل الثورة الا انها تفتقد التنظيم و ضوح الاهداف و رسم خارطة طريق متماسكة تمكن الوصول الى هذه الاهداف. اما الوعي بالثورة هو وعي بضرورة الانتقال من مرحلة تاريخية الى اخرى اكثر اتساقا مع المفاهيم الاجتماعية. و ينبثق هذا الوعي عن استيعاب للمرحلة المنقضية التي تميزت بصدام بين ثنائتين علاقات المجتمع المبنية على القمع والظلم من جهة و مفاهيم المجتمع التي اصبحت تتوق الى الحرية و الكرامة و العدالة من جهة ثانية.

ان الثورة تحتاج الى العقل في المرحلة الانتقالية حتى تؤتي ثمارها، فلا يكون تحرك الشارع نابعا عن الاهواء و الشعارات المغرية بل عن رؤية واضحة للمستقبل حتى لا نقع في العدمية او المثالية. لا يمكن رسم خارطة طريق واقعية الا بتحديد خصائص مجتمعنا في الوقت الراهن و التنظير لما يلائم واقعه في ظل الوضع العالمي الراهن.

ان ازمة الحكومة الحالية هي ازمة ثقة حيث انها فرضت نفسها على المجتمع التونسي و استنادا الى دستور لا يستوعب روح الثورة. و المتابع لهذه الحكومة يرى انها حكومة ترتجل خطواتها و ليس لها توجه واضح و قد ارتكبت العديد من الهفوات ( تباطؤ في اتخاذ قرارات صارمة، تعتيم اعلامي حول العديد من النقاط) التي ساهمت في ازدياد التشكيك بمصداقيتها. اضافة الى ان السلطة تفتقد الى قوى فعلية في جهاز الدولة تراقبها او تتوازن معها. فاتفقت العديد من الاحزاب و الجمعيات على تكوين مجلس لحماية الثورة لسد هذا النقص. باعتبار ان مجلس لحماية الثورة هي الية فعالة يمكن لها ان تضمن المسار الصحيح للثورة فلا يمكن ان تتفق كل الاطراف السياسية و الاجتماعية بتضارب مصالحها على ما يدعم الالتفاف الى الوراء نحو الاستبداد. الا ان رفض الحكومة لهذا المطلب و تجاهلها له ادى الى ارتفاع سقف المطالب فاصبحت مطالبة باسقاط هذه الحكومة و تكوين مجلس تاسيسي لصياغة دستور جديد للبلاد و تنبثق عنها حكومة جديدة.

في هذه الظروف يجب ان نذكر ان الترتيب الزمني في المطالب ضروري. تفاديا للحكم العسكري كما ينادي به البعض يجب المطالبة بتكوين مجلس دستوري اولا ثم اسقاط الحكومة الحالية. ان الاعتصام بالقصبة اليوم ..هو دليل عن تمسك الشعب التونسي بمطالبه الاساسية، فالهدف المرحلي هو ارساء نظام ديمقراطي و كل خطوة في هذا الاتجاه هي مرحب بها، نتقدم و لكن بثبات.. و ذلك حتى لا تستغل الاوضاع بعض الاطراف التي بامكانها فرض اجندتها الخاصة.

ان جل المهتمين بشؤون الحكم اصبحوا ينادون بتجاوز النظام الرئاسي برمته و اعتماد نظام برلماني و نحن لا ننكر الجاذبية التي يتمتع بها هذا الاسلوب في الحكم لكن ننبه الى ان شروطا كثيرة تجب لنجاحه ومن بينها الخبرة الديمقراطية و الولاء الحزبي و قوة المؤسسات … و نحن نقدر ان هذه الشروط غير متوفرة في تونس حاليا، اضافة انه لا زلنا نلمس عند الشعب ارتباطا بالاشخاص شئنا ام ابينا و بالتالي فان اعتماد الاسلوب البرلماني سيكون سببا لعدم الاستقرار السياسي و الحكومي و لفقدان الدولة لهيبتها.

و من اجل هذا فاننا و على عكس الكثيرين و من موقع المسؤولية التاريخية نرفض النظام البرلماني و نطالب بحكم شبه رئاسي او نصف رئاسي قد يمهد في اوقات لاحقة لاعتماد اسلوب حكم اكثر تطورا.

حركة التغيير الاجتماعي