عبد السلام جراد أمين عام للإتحاد العام التونسي للشغل

بقلم نضال،

يعم الشارع التونسي شبه إجماع على ضرورة عزل عبد السلام جراد عن وظيفته كأمين عام للإتحاد العام التونسي للشغل. إلا أن هذا الإجماع يخفي وراءه تنوعا و تشعبا في الدوافع و الأسباب التي تدعو لهذا الرفض. و لقد إرتأيت أن أصنف في هذا المقال الناقدين و المعارضين لعبد السلام جراد إلى خمسة أصناف، محاولا إلتزام الحياد و الموضوعية، رغم إقتناعي باستحالة الوصول إلى موضوعية مطلقة.

الصنف الأول من المعارضين هم التجمعيون و خاصة منهم المنخرطين في الشعب المهنية التابعة للتجمع. نقدهم، و إن كان في ظاهره نقدا للأمين العام للإتحاد، فإنه في باطنه نقد للإتحاد في حد ذاته. خلال فترة حكم بن علي، تم إنشاء الشعب المهنية كي تنافس نقابات الإتحاد العام التونسي للشغل و كي تمثل تكتلات بديلة عن الإطار النقابي، تكتلات قائمة على التطبيل و التمعش و القوادة، بديلة عن الإطار النقابي القائم على المطالبة بتحسين أوضاع الشغالين. كانت هذه الشعب المهنية المثال الصارخ على تجذر ديكتاتورية الحزب الواحد في كل الأوساط و المجالات. و قد كان أعضاء هذه الشعب متمتعين بامتيازات هم بصدد فقدانها بعيد الثورة. فالثورة تعتبر بصفة أو بأخرى انتصارا للإتحاد على التجمع، و لعل سيطرة النقابات على مكاتب الشعب المهنية حال سقوط بن علي، دليل على هذا الإنتصار. و في هذا النطاق، فما الحملة التي يقوم بها التجمعيون على جراد إلا ردة فعل انتقامية سافرة على الإتحاد.

الصنف الثاني من الناقدين لجراد هم ما أسميه باليمين الليبرالي. وهم بنقدهم للأمين العام للإتحاد ينقدون أيضاً في الحقيقة الإتحاد. إلا أن دوافعهم مختلفة حيث تستند خاصة على تخوفهم من أن تكتسب النقابات في هذه الفترة من الثقل ما يجعلها قادرة على فرض مطالب عمالية مشطة قد تضر بالمؤسسات و بالاستثمارات و بالتالي بالإقتصاد. هذه الأفكار اليمينية الليبرالية، و لئن لم تتبلور في أحزاب أو جمعيات، فإنها برزت بوضوح على الساحة السياسية من خلال مظاهرات القبة و شعاراتها اليمينية البحتة : الأولوية للعمل، الأولوية للأمن و الإستقرار، لا لجراد (و الذي يجب فهمه لا للإتحاد). هذه الفئة تتكون خاصة من الطبقة “المتوسطة البرجوازية”، من رجال الأعمال و من أصحاب المهن الحرة.

يتمثل الصنف الثالث في المواطن التونسي العادي، الذي لا يستهدف بالضرورة الإتحاد كهيكل نقابي بل يستهدف شخص عبد السلام جراد كرمز من رموز نظام بن علي. قد يكون هذا المواطن على إطلاع بدور الإتحاد و نضالاته كما قد يكون على جهل كامل بالعمل النقابي و بدور الإتحاد، إلا أنه ببساطة سئم من عبد السلام جراد كما سئم من غيره من الوجوه “البائدة” التي تذكره بفترة حكم بن علي سواء كانت وجوها سياسية أو إعلامية أو غيرهما. و لعل ما زاد من حنق المواطن العادي على الأمين العام تصريحات هذا الأخير للصحافة قبيل سقوط بن علي و مساندته للدكتاتور حتى آخر رمق.

الصنف الرابع هم شرائح من الطبقة العاملة الشغيلة التي تعتبر أن القيادة العليا للإتحاد قد خانت مطالب العمال و الكادحين إما بسبب تدجينها من طرف النظام أو بسبب تقديمها للقضايا السياسية القومية مثل قضية فلسطين و العراق على قضايا الطبقة العاملة في تونس، و لقد برز هذا التجاذب خلال بعض الأحداث و منها أحداث الهجوم الصهيوني على غزة أو أحداث الحوض المنجمي بقفصة حيث طرحت مسألة أولويات الإتحاد. و للتذكير، فإن اهتمام الإتحاد العام التونسي للشغل بالقضايا السياسية ليس وليد المرحلة الحالية، فمنذ أن تم إحداثه في الفترة الإستعمارية، قام الإتحاد بالمزاوجة بين دوره النقابي و دوره السياسي النضالي ضد الإستعمار. أما في فترة حكم بن علي، ففي ظل غياب أحزاب معارضة ذات قواعد شعبية بسبب تضييقات النظام، كان الإتحاد العام التونسي للشغل، علاوة على دوره النقابي، بمثابة حزب سياسي يساري قومي.

أما الصنف الخامس، فهو يتكون من النقابيين الذين ضاقوا ذرعا من تبعية قيادته للنظام. إلا أن من الملاحظ تقلص هذه الفئة في المرحلة الحالية في ظل التفاف النقابيين حول قيادتهم لحمايتها من المعارضين و الناقدين الخارجيين و خاصة منهم الصنفين الأول و الثاني، و عدم قبولهم لتدخل أطراف من خارج الحركة لتقرير خياراتها و قياداتها.