بقلم عبد الحميد رويس،

لا شك أن حل التجمع الدستوري الديمقراطي يشكل نقطة فارقة في تاريخ البلاد، و لا يختلف إثنان أن في ذلك لعبرة لمن لا يعتبر من دروس الأمس، منذ الرابع عشر من كانون الثاني/ جانفي و المشهد المدني و السياسي إنقلب رأسا على عقب، فكل ما كان يعتبر من “التابو” قبل ساعات أصبح مجازا و محللا بعد رحيل “الطوطم” الذي سجد له الكثيرون و تسابقوا في تقديم قرابينهم إليه عندما كان متربعا على العرش، تقوده خيالات النفاق السياسي الذي أحاطوه بها و هم أنفسهم ممن كانوا يناشدونه الجثوم على صدر المواطن و كتمان أنفاسه لولاية سادسة، نراهم اليوم يتغنون بالثورة و يدعون حمايتها بل و يحتكرونها أيضا. إن إسقاط حزب تاريخي لعب دورا مركزيا في النضال ضد المستعمر دليل على أن التاريخ لا يشفع لأي تنظيم مهما كانت نضالاته في الماضي، و هو إنذار أخير إن لم نقل أن هذا منعرج جديد للقصاص.

لقد سارعت الكثير من الأحزاب السياسية المعروفة “بأحزاب المساندة” إلى حفظ ماء وجهها بتغيير أمنائها العامين و بقية أعضاء هياكلها المتهمة بالتواطؤ مع النظام السابق عكس الإتحاد العام التونسي للشغل و كأنه يبعث برسائل إلى الجمهور بأنه منزه عن الخطأ، إن هذا التعنت في إتخاذ تدابير المراجعة الذاتية لهياكله المسيرة بداية من الأمين العام للمركزية النقابية عبد السلام جراد المتورط حتى النخاع في عرقلة الحياة النقابية ولاء لأعلى هرم السلطة السابقة يطرح تساؤلات جدية حول إلتزام النقابة بمبادئ التحول إلى الديمقراطية. حتى الأرشيف الإلكتروني لجريدة الشعب الناطقة بإسم النقابة حذفت منه كل المقالات التي تساند و تبايع الرئيس المخلوع إلا نظيراتها التي صدرت قبيل أو بعيد السابع من نوفمبر و ذلك ذرا للرماد على الأعين و محاولة لاستغفال الشارع التونسي الذي يعلم أن هذا الطوفان من الإضرابات الذي شل البلاد لا يهدف إلى تحقيق مكاسب عمالية، بل لتحقيق مكاسب سياسية تراود عبد السلام جراد في أحلامه، و أن هذا الشخص أجبن من شن هجوم مماثل في عهد بن علي. و لقد تعاطى الشغالون مع ذلك إما طمعا في تحقيق مكاسب كانوا يعتقدون أنها مهنية أو تأثرا بالبروباجندا الضخمة أو بمهزلة إنشاء مجلس حماية الثورة المسمى باطنا بمجلس حماية “الكعكة”.

إن مراجعة مكانة الإتحاد داخل المجتمع المدني تحيلنا أن هذا التنظيم يأخذ أشكالا ثلاثة، فهو نقابة و حزب و جمعية في الآن ذاته، فلا يعقل أن في ظل سكوت المشرع عن تحديد صلاحيات النقابات في الدائرة الشغلية لا غير، و في ظل التبنى المعلن لأهداف الثورة من قبل الإتحاد العام التونسي للشغل، أن يستغل هذا الضعف التشريعي بداية من الدستور أعلى الهرم القانوني مرورا بالمجلة الإنتخابية وصولا إلى قانون الشغل و أن يتمتع بمكاسب الإضرابات على الصعيد السياسي و تجاوزه مبدأ “إستمرارية المرافق العمومية” لإتصالها الوثيق بالمصلحة العامة و بالنظام العام و هذا ما يتعارض مع قانون الوظيفة العمومية، في ظل مرجعية قانونية هزيلة و هو قانونه الأساسي و نظامه الداخلي الذي يجيز تدخل الإتحاد في المسائل السياسية، فيكون بذلك أقرب إلى الحزب السياسي المتمتع بإمتيازات نقابية و بأذرع أهلية. في حين كان الأجدر بالمنظمة أن تبرهن على نزاهتها و تحول دون لعب دور “التجمع” البديل الذي يمد أذرعه الأخطبوطية داخل المؤسسات السياسية و المدنية ثم انتظار تأسيس مجلس تأسيسي منتخب يصوغ دستورا جديدا و تكمّل على أساسه الفراغات التشريعية بوضع نص صريح يقيد النقابات داخل اختصاصها.

من جهة أخرى، لا تدخر النقابة الوحيدة في تونس جهدا لإحتكار الثورة الشعبية التي قادها شباب مثقف و جامعي، و إستنشق غازها و تأذى من دوي رصاصها كما الأساتذة و المحامون و قطاعات أخرى من الشعب، لم تكن تتظاهر لا لأجل النقابة و لا بدافع تأطيرها بالرغم من أن المنظمة و بناء على موقعها الرسمي تتفاخر بعدد منخرطيها الذي يفوق 600 ألف، و هي النقابة الوحيدة على الساحة الوطنية و الحريصة أيضا على الإنفراد بالتواجد في المضمار بعد أن راهنت على السلطة و قدمت لها تنازلات لحرمان الجامعة التونسية للشغل من الظهور و ممارسة نشاطها بصفة قانونية بعد أن انشقت عن الإتحاد العام احتجاجا على تهاونه و المتاجرة بحقوق العمال.

هذا الإحتكار المرفوض أخلاقيا قبل كل شيئ تنعكس صورته على مرآة مجلس حماية الثورة التي يرعاها عبد السلام جراد و ينضوي تحتها عدد من الأحزاب المغلوب على أمرها بسبب ضعف قواعدها البشرية و الإتحاد العام لطلبة تونس المعروف بولائه للحزب الشيوعي التونسي طوال نشاطه في فرنسا.

إن الأفق الضيق الذي يحلق فيه عملاء الأمس لن تتسع له أجنحتهم السوداء خاصة بعد الحركة المنافية كليا و التي أسقطت القناع عن وجه قادة الإتحاد و المتمثلة في منع أنصار الحزب الديمقراطي التقدمي من إقامة مؤتمر في دار الشباب و الثقافة تحت تعلة عزل الثقافة عن السياسة، هذا المفهوم الغريب على المنطق يفسر تخبطا فكريا و عمليا لهؤلاء و خشيتهم من المنافسة الجدية من الحزب المذكور و حركة التجديد و التكتل الديمقراطي من أجل العمل و الحريات، خاصة أن العزل الحقيقي و الذي يجب أن يمارسوه هو التراجع عن تسييس الإتحاد و تشويه نضالاته التاريخية أكثر من ذلك. و الأجدر به أن ينشئ مجلس لحماية العمال لأن العمال فعلا يحتاجونه اليوم أكثر من أي وقت مضى في ظل تقهقر الأوضاع الإقتصادية داخل البلاد خاصة، و في العالم عامة. هذا بدلا من مسرحية اللجنة الوطنية لمتابعة وضعية المؤسسات المتضررة المحدثة يوم 24 فيفري. و الجدير بالذكر أن بعض الأطراف الوطنية الشريفة رفضت المشاركة فيه كالنقابة الوطنية للصحفيين التونسيين معللة موقفها بـ “تمسك النقابة الكامل باستقلاليتها ورفضها المشاركة في أي تكتل ذي طابع سياسي مهما كان عنوانه” كما استغرب حزب التجديد تأسيس المجلس و جاء في بيان الحزب الصادر يوم 16 فيفري “أن الصلاحيات الموكولة لهذا المجلس حسب الإعلان تجعل منه أداة لاحتكار كامل السلطة وإخضاع الحكومة المؤقتة والمجالس واللجان إلى إرادة مجموعات نصبت نفسها ناطقة باسم المشروعية الثورية وجمعت صلاحيات واسعة تعود في الحقيقة للسلطة التنفيذية والسلطة التشريعية وحتى السلطة التأسيسية وذلك بدون أي تفويض شعبي.”

و من البداهة أن الثورة الشبابية لا تصان بعقد لجان أو مجالس، بل بتشجيع الحريات و ممارستها و إبداء الرأي و النقد البناء طالما كان تحت مظلة الإحترام المتبادل، و هذا ما سيدعم التنمية السياسية و المشاركة الفعلية من قبل الأفراد في الحياة العامة، من الخطأ على مهما كان أن يوكل نفسه مدافعا على مصالح الشعب و انتفاضته، إن محاولة توسيع القاعدة الشعبية للإتحاد لن يحول دون محاسبة المقصرين في قياداته، و إن قطاعا واسعا من الشعب يرفض تعليب الثورة في مجرد لجنة لم تكلف نفسها عناء الدفاع عنه في عهد القمع و الفساد. كما أن رمزية حل التجمع الدستوري الذي يضرب بجذوره في زمن الكفاح ضد الإستعمار حتى نيله،عليها أن تدفع الإتحاد العام التونسي للشغل إلى مراجعة نهجه بمختلف تفاصيله الكبيرة و الصغيرة و تجديد قياداته و تشبيبها من منطلقات الممارسة الديمقراطية البحتة… و إذا كان الكاتب العام يراهن على بعض المناورات التي سيحاول من خلالها أن لا يسقط عنه ورقة التوت أو إذا كان يعول على تاريخ و أمجاد الإتحاد العام التونسي للشغل زمن فرحات حشاد فالأحسن له أن يعيد التأمل في يومي الرابع عشر من جانفي و السابع من نوفمبر من سنة 1987.

مركز دراسات شباب 14 جانفي بسوسة

عبد الحميد رويس