بقلم نضال

لطالما إرتبط مصطلح “السلفية” في ذهني، و في ذهن العديد من التونسيين، بمرادفات من قبيل “الرجعية” و “التطرف” و “الإرهاب”. و لقد إسترعى إنتباهي مؤخراً حملة فايسبوكية تهدف إلى نفض الغبار عن المذهب السلفي و إلى تخليص مصطلح السلفية من المعنى السلبي (le sens péjoratif) الذي إلتصق به. فتعرف السلفية ببساطة على أنها “إتباع السلف الصالح” و تربط المذهب السلفي بالفكرة البسيطة التالية : مثلت الفترة النبوية و فترة الخلافة الراشدية مرحلة ذهبية في تاريخنا العربي الإسلامي و في تاريخ البشرية، لذلك من الطبيعي و من الواجب أن ننهل من دروس و وعائظ تلك الفترة و أن نلتزم باتباع سيرة الصحابة خاصة في ما يتعلق بتطبيقهم السليم للدين الإسلامي.

و أنا، و مع إحترامي لهذه الفكرة و مع إعترافي بجاذبيتها و نظارتها، فإنني، ك”تقدمي” أرفض فكرة التشبث بمرحلة من مراحل الماضي و تقديس فترة تاريخية مهما كانت مثاليتها و نظارتها. فأنا أؤمن بأن التقدم هو المسار الطبيعي للتاريخ البشري.

و بمصطلح التقدم لا أقصد التقدم التكنولوجي و العلمي، بل أقصد “التقدم الإنساني” أي تكريس مبادئ الحرية و المساواة و العدالة الإجتماعية و الكرامة الإنسانية. إذ أن مسألة التقدم العلمي و التكنولوجي مسألة مفروغ منها و لا تمثل جوهر الإختلاف بين السلفيين و التقدميين. و لقد عبر صديق فايسبوكي سلفي على ذلك بطرافة بقوله أن السلفية لا تهدف لتعويض ال BMW بالبغال و الحمير.

أما التقدم الإنساني فهو التقدم الذي يكرس مزيدا من الحريات الشخصية و المساواة و العدالة الإجتماعية و حرمة الذات البشرية. و الأمثلة التاريخية على ذلك كثيرة.

ففي تاريخنا العربي الإسلامي، مثل ظهور الإسلام خطوة تقدمية هامة. فقد قطع الإسلام مع العادات البائدة للماضي الجاهلي للقبائل العربية، و من ذلك مثلا منعه و تحريمه لظاهرة وأد البنات و التي تمثل جريمة إنسانية و رمزا للنظرة الدونية للمرأة في العصر الجاهلي. كما أن الإسلام، و إن لم يمنع تماماً العبودية، شجع على عتق العبيد و اعتبر الحرية مبدأ من مبادئ الإنسانية، و من ذلك قول عمر بن الخطاب “متى استعبدتم الناس و قد ولدتكم أمهاتكم أحرارا”.

و في التاريخ الأوروبي، مثلت فلسفة الأنوار فلسفة تقدمية رائدة حيث كرست مبدأ المواطنة و الحريات و قطعت مع الفكر الكنسي البائد القائم على اعتبار الشعب رعايا للكنيسة. كما قامت الثورة الفرنسية بالقطع مع النظام الملكي و تعويضه بنظام جمهوري قوامه الحرية و المساواة و الإخاء.

أما في تاريخ تونس الحديث فيعتبر إلغاء الرق سنة 1846 قرارا تقدميا هاما. فالرق سلب للإنسانية. و في غلق أسواق العبيد في تونس رمزية قوية، فلنا فقط أن نتخيل مدى المهانة التي تلحق بالإنسان في هذه الأسواق من خلال عرضه للبيع، مثله مثل أية بضاعة أو حيوان.

كما يعتبر إصدار مجلة الأحوال الشخصية سنة 1956 قرارا تقدميا رائدا في الوطن العربي إذ ساهم في ترسيخ المساواة بين الرجل و المرأة.

لم تكن لكل هذه المكاسب أن تتحقق لولا إرادة القطع مع الماضي و رفض التكبل بأغلال العادات البالية. و من هذا المنطلق، يقوم الفكر التقدمي على رفض تقديس الماضي و اعتبار أن الحاضر أفضل من الماضي، و أن المستقبل سوف يكون، و يجب أن يكون أفضل من الحاضر.

لذلك وجب على كل من اعتبر نفسه تقدميا أن يرفض تقديس أي مرحلة تاريخية و أن ينظر للماضي نظرة نقدية تجعله قادرا على المضي قدما نحو تكريس مزيد من مبادئ الحرية والمساواة و العدالة الإجتماعية و حرمة الذات البشرية