بقلم تونسي وأفتخر،

كل المؤشرات في تونس تدعو إلى ثورة ثانية:

بن علي لا زال حرا، رئيس مجلس نواب بن علي هو الرئيس الحالي و وزراء بن علي ينشؤون احزابا جديدة، الحكومة تصر على ان قصة القناصة الذين قتلوا اكثر من مئتي شهيد لا تعدو الا ان تكون اشاعة، تواتر الأدلة على وجود حكومة ظل تدير البلاد،الامر الذي جعل أهداف الثورة لم تتحقق رغم اسقاط الاعتصامات لحكومتين، تأكيد الراجحي، وزير الداخلية السابق، لهذه الشكوك. كل هذه المؤشرات وغيرها جعلتنا نتوقع ثورة ثانية بعد تصريحات الراجحي ، لكن سبقتنا الداخلية بالعودة لممارساتها الدنيئة التي خلنا عصرها ولى:

– فهذه فتاة يضربها حثالة من الداخلية في اماكن حميمية من جسدها


– وهؤلاء صبية يضربهم مجموعة من عصابة الداخلية ضربا مبرحا


احد الاطفال يتيم كان ينوي اصطحاب أخته الصغرى من المدرسة لأن اباه كان في العمل، فيتلقاه زبانية الداخلية ماجعله الآن يهاب حتى الخروج للشارع وينقطع عن دراسته،

– اخيرا وليس آخرا قصة أسامة العاشوري الذي بثت التلفزة الوطنية تصريحا له يعترف فيه بتلقيه تمويلا لاحداث الشغب والاعتداء على رجال الأمن، ينشر أسامة في نفس الليلة اعتذارا للشعب التونسي يفند فيه روايته الأولى ويعتذر للشعب التونسي متحججا كون اعترافه كان تحت الظغط وأي ظغط: الاغتصاب،

الكثير كذب هذه الرواية، لا أدري لماذا وكأن وزارة الداخلية لم تشهد عشرات الحالات المماثلة من قبل، أسامة نشر صورة لتقرير طبي يؤكد تعرضه للاغتصاب وكالعادة يكذب المكذبون قبل ان يؤكد سليم عمامو، كاتب الدولة صدقية التقرير الطبي كون الاخير هو الذي توسط لأسامة للحصول على التقرير بعد رفض اغلب المستشفيات مد أسامة بالتقرير تحت الضغط، ترد الداخلية ببيان حول “مزاعم” “المدعو” أسامة العاشري، يؤكد ابتذال هذه الوزارة،

– ناهيك عن قصة القاعدة التي اخرجتها الداخلية بالفوتوشوب حيث يظهر المطلوب الأول من القاعدة في تونس لابسا نفس القميص الأزرق في ثلاث صور مأخوذة في تسع سنين.

لكم ان تتسائلو اذا ماالذي يحول بيننا وبين الثورة من جديد؟ لن أعلل بتحليل النظريات المضاده للثورة التي تنتهجها الحكومة والتي اثبتت نجاعتها، فهم طبعا جزء من الفساد الذي كان مستشريا في تونس ويحق لهم الدفاع عن مصالحهم. لكني في هذه التدوينة أتناول بالتحليل الاداء السياسي للأحزاب التونسية (النهضه مثالا) في خضم نجاح الثورة المضادة.
عنونت لهذه التدوينة بالدياثة السياسية، فالاعتداء على بناتنا في الشارع وضرب اطفالنا واغتصاب رجالنا في الداخلية جعل الأحزااب السياسية في تونس تحذر من تأخير الانتخابات!!!، وكأن اعراضنا غير ذي قيمة في اللعبة السياسية،

بداية اود التأكيد على ان تناولي لمثال النهضة لا يدخل في اطار الحملة الشعواء التي يشنها عليها العلمانيين. فأنا اتفق مع المبادئ الأساسية للنهضة كون الاسلام هو الحل، لكن تحليلي سيتناول الأداء السياسي للنهضة قبل، أثناء وبعد الثورة وإني انما اركز على النهضة للأسباب التالية:

1. كونها المتغير الأساسي في المشهد السياسي التونسي بأنتقالها من الغائب الحاضر قبل الثورة إلى اهم اللاعبين على الساحة السياسية بعد الثورة،

2. وكوني كنت أتوسم خيرا من عودة قيادات حركة النهضة، رغم بعض التوجس الذي أصبح حقيقة الآن

3. أني أزعم أن النهضة ساهمت عن قصد أو غير قصد في إحباط الثورة الثانية،

النهضة قبل الثورة:

لا احد يزايد على ان النهضة دفعت في سنوات الجمر أكبر ضريبة للقمع والإستبداد من نظام بن علي،
النهضة قبيل الثورة:

الجامعة هي أفضل مكان يعكس الوزن السياسي للأحزاب السياسية، وكشاب ملتزم ومطلع على الحركات الإسلامية في تونس استطيع أن أجزم أن تبني الشباب التونسي لفكر النهضة قبيل الثورة كان محدودا جدا، بل كان أغلب الشباب الملتزم نتيجة للصحوة الإسلامية خال من أي توجه سياسي ويعاني كغيره من الشباب من داء العزوف عن السياسية، وما عاناه الشباب الملتزم في تونس جراء قانون الإرهاب لا يقل عما عاناه النهضويون،

النهضة أثناء الثورة:

يزعم البعض أن النهضة لم تشارك فعليا في الثورة التونسية كون أغلب قياداتها كانوا مهجرين، لكن هذا مجانب للصواب فأعضاء النهضة بالداخل دفعهم غيضهم على نظام بن علي للإنخراط بقوة في الحركات الإحتجاجية، أما القيادات الخارجية فلعبت دورا إعلاميا جيدا للتعريف بالثورة بالإضافة للدور الذي لعبوه طيلة سنوات المهجر لتعرية جرائم نظام بن علي.

النهضة بعيد الثورة التونسية:

بعيد الثورة انبرى جيل الصحوة الاسلامية للدفاع عن النهضة في وجه الهجمة الشرسة للعلمانيين على النهضة وللدفاع عن خياراتها وهذا يعود لسببين:

1. أن الشباب التونسي قد ضاق ذرعا من طبقة فنية تونسية لم تعكس أبدا الواقع المعيش وانما كانت تتمعش على تهويل الخطر الإسلامي على تونس وسائها عودة النهضة فإستحلت الكذب الصريح لنشر دعايات ظاهرها التحذير من النهضة وباطنها عداء للإسلام وقيمه،

2. السبب الثاني أن الشباب التونسي كان يعاني من الإضطهاد الديني في بلد مسلم حسب الدستور، وهو يرى في النهضة ضمانة لحريته الدينية،

أيقنت حينها أن النهضة أمام تحد إستراتيجي فهي كسبت تعاطفا مجانيا من شباب لم يكن في التزامهم للنهضة أي فضل، ما جعلها بالنسبة لي أمام التحدي التالي إما إستعمال هذا الشباب كخزان من الناخبين ثم اهماله وإما احتواء هذا الشباب، أقصد طبعا احتواء تفاعل يجعل النهضة تنسجم مع واقع تونسي جديد مختلف عن التسعينات.

النهضة وبوادر الثورة الثانية:

مع بوادر الثورة الثانية في تونس، بدأت أشعر بفشل النهضة في التحدي:

العقلية القديمة والعقيمة للحركات الإسلامية هي التي ميزت أداء النهضة في المرحلة الأخيرة: “نقد النظام و إجتناب التصادم” هذه العقلية الجبانة التي منعت الحركات الإسلامية في القرن الماضي من القيام بأي تغيير جذري، ولكن دائما تدعم أي تحرك شعبي دون قيادته فإن نجح تدعي أنه لولا مشاركتها لما نجح وإن فشل تبرر للحاكم بأنها لم تكن محرك الإحتجاج.
نسيت النهضة أو تناست اننا في حالة ثورية وجعلت تحذر من الفراغ وعدم وجود البديل في حال إسقاط النظام، وكأن عصابة تغتصب الرجال وتنتهك أعراض البنات وتتستر على من قتل شهدائنا يمكن تسميتها “نظام”، ووقع إستغلال النهضة من طرف الحكومة لعقلنة الإحتجاجات وكأن شباب الثورة ناقص عقل، وحصرت جميع المطالب في عدم تأجيل الإنتخابات،
المشكل الآن في شباب الثورة المتعاطف مع النهضة الذي تبنى نفس الحجج بالتحذير من الفراغ ما إنجر عنه إنقسام عميق فمثلا إتحاد صفحات الثورة بعد أن بدء التنظيم لإعتصام القصبة الرابع بغية إسقاط حكومة السبسي، ألغى الإعتصام وأقصى المشرفين الداعمين للإعتصام وأصبح يحذر من الفراغ وتأجيل الانتخابات،

نصيحة وتحذير:

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يختار لكل مهمة أنسب صحابي وفي المهمات التي تحتاج لروح المغامرة وسرعة التفكير والمراوغة يختار الشباب ويجعلهم يقودون كهولا كأبي بكر وعمر، والثورة تحتاج لروح المغامرة من شباب الثورة أكثر مما تحتاج “لعقلنة” شيوخ النهضة، فنصيحتي للنهضة إذا إما أن تدعمونا وتعطونا ثقة إستحققنها عن جدارة وأما أن تخلوا سبيلنا ننهي ثورتنا كما بدأناها أول مرة دونكم،
ونصيحتي للشباب الملتزم الذي يدعم النهضة فقط للحفاظ على حريته الدينية أننا نحن من يحمي حريتنا وإن خذلت النهضة ثورتنا فلا حاجة لنا بحماية حق نحن أقدر على حمايته،
سبق وأن حذرت المدونة آمنة بن جماعة الأحزاب السياسية من أن يغتروا بقدرتهم على حشد حضور لاجتماعاتهم قائلة أنا نحن الشباب حسابيا من يحكم الانتخابات، لكن يبدو أن النهضة لا زالت تعول على الحشود التي تجمعها وعلى صور تستغل بها تشييع جنازة الشهيد العياري لمزيد من الأشهار، لذا كوني متعاطفا مع النهضة فإني احذرها أن تعاطف شباب الثورة مع ثورتهم أكبر من تعاطفهم مع حزب لم يدرك بعد دور الشباب، لذا قد اصوت لأحزاب جديدة كحزب القراصنة مثلا أو غيره يجعل من مشاغلي كشاب أولوية له،
لا زالت الفرصة امامكم فإما أن تعملو بسنة محمد صلى الله عليه وسلم بتقديم الشباب في هذه الثورة وانما أن تصبحوا مثالا آخر لسياسي لبنان،
أثناء كتابتي لهذا المقال أعلنت اللجنة العليا للإنتخابات إمكناية تأجيل الانتخابات ليتصاعد الجدل من جديد بين داعم للتأجيل ومعارض، متناسين كل إستحقاقات الثورة، كنت أعلق على هذه التكتيكات بسياسة الحكومة المعهودة في إلهاء الرأي العام عن القضايا الجوهرية، لكنها اليوم أصبحت سياسية الحكومة بتواطء من الأحزاب