بقلم د. محسن التليلي، أستاذ محاضر بالجامعة التونسيّة،

من البديهي أن تكون الجامعة التونسيّة مؤسّسةً علميّة أكاديميّة مستقلّة في اختياراتها وتوجّهاتها عن التجاذبات السياسيّة والإيديولوجيّة والعَقَديّة، وأن تكون مهامّها منصبّة على تكوين الإطارات والنخب بكلّ درجاتها وأصنافها، وعلى تطوير البحث العلمي في كلّ ميادين المعرفة الإنسانيّة على أسس منهجيّة، وأن تعمل على التقدّم بالأفكار والنظريّات ومسالك البحث والإبداع، وأن تسعى بكلّ حريّة واقتدار إلى التفاعل الخلاّق مع الآراء والخبرات وسائر الجامعات والمؤسّسات ومراكز البحث المختصّة في العالم. ومن البديهي أيضا أن تتوفّر للجامعة التونسيّة استقلاليّتها الماديّة والمعنويّة في البرامج والميزانيّات وهياكل الإشراف والتسيير، وأن يكون الأساتذة الباحثون هم وحدَهم مَن يُشرف على وضع سياستها وأهدافها في التدريس والتكوين والبحث على أسس أكاديميّة بحتة تستجيب لتطلّعات البلاد الراهنة والمستقبليّة في تحقيق التنمية والتقدّم، بمراعاة الحاجات المجتمعيّة الوطنيّة من الإطارات والنخب والمختصّين وغيرهم من ناحية، ومستجدّات أنظمة الاكتشاف والبحث والتكوين والشهادات في المستوى العالمي من ناحية أخرى.

إنّه من غير المقبول وطنيّا وأخلاقيّا وعلميّا أن نرى الجامعة التونسيّة اليوم تبدأ مرحلة ما بعد الثورة -التي أبهرت العدوّ قبل الصديق، وكانت مثالا للفاعليّة وحسن التصرّف، ونموذجا لسائر المجتمعات العربيّة وغيرها- بنظام انتخابي لهياكلها التسييريّة لا يستجيب للحدّ المطلوب من النزاهة والمساواة وضرورة تطوير العمليّة الانتخابيّة…

كالعادة وكما كانت الأوضاع في العهد البائد يرد على الجامعة نظامٌ مُسقَطٌ يدعو إلى قوانين “رجعيّة” تمّ إدخال “بعض التحسينات” عليها دون طرحها للاستشارة وإبداء الرأي، فضلا عن استخفافها بالرغبة في تحقيق التوافق وحسن القبول والرضاء من الأساتذة الجامعيّين، المعنيّين الأوائل بالشأن الجامعي… نظام قديم مُتجدّد يحرم كثيرا من الدرجات والرتب العلميّة من الترشّح لهياكل التسيير كالإدارة والعمادة ويأمرها بالتصويت فقط، أي أنّه يكتفي بوضعها موضع التابع غير المؤَهَّل لانتخاب من سيُشرف عليه في تسيير الجامعة التي ينتمي إليها، والاقتصار على استخدامه رقما في معادلة قد لا تعنيه بهدف تمرير عمليّة انتخابيّة لا يشمله الترشّح إليها. والغريب حقّا أنّ هؤلاء كفاءات علميّة بشهائد التبريز والماجستير والدكتورا وأغلبهم بتجربة مشهود لهم بها، حتّى أنّ الجامعة نفسها -التي تُقصيهم من الترشّح والانتخاب المباشر لكلّ الهياكل- تدعوهم للبحث والتدريس والتكوين والتأطير ولتمثيلها في الداخل والخارج… إنّه نظام تفكير وعمل مُتآكل يسعى مع الأسف إلى زرع التفرقة بين ما يُعرَف في الجامعة التونسيّة بصنفَيْ أ وب، وها هو اليوم يسعى إلى خلق تفرقة جديدة داخل صنف أ بين المحاضرين والأساتذة بعد أن دعا إلى حصر رئاسة الجامعة في رتبة مُحَدَّدَة.

يعلم كلّ متتبّع لتاريخ الجامعة التونسيّة ولاختيارات النظام الاستبدادي الذي جثم على بلادنا طيلة نصف قرن لم نر فيها تداولا إلاّ نحو الأسوأ أنّ المؤسّسات الجامعيّة ظلّت تحت رقابة السلطة الحاكمة لضمان ولائها وتبعيّتها، وأنّه تمّ بالقانون الانتخابي وبالوسائل غير المشروعة إقصاء الجامعيّين المستقلّين عن السلطة الحاكمة والمعارضين لها، والكلّ يعرف كيف أنّ القانون داخل المؤسّسات الجامعيّة –وباستثناءات قليلة- ظلّ يُكرّس التكتّلات و”اللوبيّات” الانتخابيّة التي قلّما أفلت منها جامعيّون غيرُ موالين للنظام، ورغم ذلك ظلّت الجامعة ساهرةً على تخريج النخب التي عارضت الاستبداد وناضلت جيلا بعد جيل حتّى الإطاحة به، رغم القيود وأساليب القَمع والاضطهاد التي فُرضَت على أساتذتها وطلبتها.

ونحن بهذه المناسبة نطلب في لطف ومودّة من أجيال الأساتذة والطلبة الذين انتمَوْا للنظام السابق وكرّسوا سياسته في الجامعة الاعتذار لزملائهم، بنفس الجرأة التي كانوا ينتمون بها وهم واعون تمام الوعي بما كانوا يفعلون.

إنّ الأهمّ اليوم بالنسبة إلى غالبيّة الأساتذة الباحثين الذين تمثّل الجامعة حياتهم الفكريّة أنّه لم يعُد من الممكن أن تبقى الحياة الجامعيّة كما كانت عليه في السابق رهينة قوى الجذب السياسي، وخاصّة منها تلك التي ثبت تورّطها في إدارة دواليب النظام السابق، وأن يَقبل أساتذُتها بأوامر وإجراءات انتخابيّة معرقلة لانطلاقتها الحرّة ومساهمتها الوطنيّة في تجسيم مبادئ الثورة النبيلة وبلوغ أقصى ما يمكن من أبعادها.

من هذا المنطلق كان رفضنا للمنهج والمضمون اللّذَيْن توخّتهُمَا الوزارة الوقتيّة وبعض الهياكل النقابيّة التي ساندتها في بلورة القانون الانتخابي الجديد للجامعة التونسيّة، هذا القانون الذي يُعيدنا في جملته وتفاصيله إلى المربّع الأوّل زمن “الحرس القديم” لأنّه يحمي بعض “قدماء المتلاعبين” بإدارة المؤسّسات الجامعيّة، بل يشجّعهم على التمادي ويضمن لهم الأسبقيّة للتواجد من جديد، متناسين قيم الثورة ودماء الشهداء واستمرار العمل والنضال على درب الحريّة والكرامة والمساواة والعدالة للجميع.

كان على الوزارة المؤقّتة أن تحترم مبدأ التوافق الذي انتهجته السلطة في المرحلة الانتقاليّة التي لا تتوفّر لها الشرعيّة الكافية لاستصدار قوانين ملزمة لقطاع وطني هامّ كالتعليم العالي، ورهن آماله وآمال الشعب التونسي لسنوات طويلة قادمة، وأن يكون العمل على بناء هذا التوافق مع الجامعيّين مباشرة، أو عن طريق هياكل مُمثّلة تحترم آليّة استشارتهم، وهو ما لم يحصل رغم توفّر كلّ المعطيات والإمكانيّات الموضوعيّة.

وكان على نقابة التعليم العالي أن تلتزم قانونا وأخلاقا بما دعا إليه مجلس إطارات التعليم العالي من توخّي الانتخاب المباشر مبدأ في تسيير الجامعة، وهو مطلب –حتّى لو كان فريدا من نوعه كما رآه بعضُ مَنْ يغيظُهُم أن تتحرّر الجامعة– يليق ببلادنا بل يزينها ويزين جامعتها، لا لشيء إلاّ لأنّ الثورة التونسيّة فريدة من نوعها، ولعلّ من أسطع الأدلّة عل ذلك إقرار مبدأ التناصف بين النساء والرجال في قائمات الترشّح للمجلس التأسيسي الوطني، وهي سابقة متقدّمة قلّ نظيرها في المجتمعات الحديثة.

إنّ مسيرة الألف ميل تبدأ بخطوة لذا أمام الجامعيّين اليوم فرصة تاريخيّة لإرجاع أوضاعهم إلى مبادئها الأصليّة على طريق الحقّ الذي ينشده الجميع، ومن خلال العمل على أسس صلبة توفّر للجامعة الاستقلاليّة التامّة عن كلّ شأن غير جامعي، وتضمن حريّة نشاطها وديمقراطيّته في ضوء قوانين عادلة وشفّافة يضعها الجامعيّون بأنفسهم تراعي في آن المسألتين العلميّة والأكاديميّة من ناحية، وحقّ كلّ الرتب والأصناف الجامعيّة في التسيير الهيكلي للشأن الجامعي من ناحية أخرى، مع الالتزام المبدئي والأخلاقي بالقطع مع كلّ آليّات الماضي، وخاصّة منها تحويل الاختلاف داخل الجامعة من علامة مرغوبة وإيجابيّة إلى عامل فرقة وتشتيت وانقسام.

ولا بديل اليوم في ظلّ مبادئ الثورة ومستحقّاتها الوطنيّّة للأساتذة والطلبة –إذا أرادت الوزارة المؤقّتة إنجاز الانتخابات في موعدها- عن تطبيق مبدأ الانتخاب المباشر، خطوة أولى على درب الإصلاح العميق الذي سينهض به الجامعيّون في المراحل القادمة، وإلاّ عليها تَرْكُ الأمر على ما هو عليه حتّى انتخاب المجلس التأسيسي الذي سينظر لا محالة في ملفّ الجامعة، والامتناعُ عن الزجّ بالجامعيّين في صراعات وتوتّرات هم اليوم في غنًى عنها، وعدمُ تحمّل مسؤوليّة تبعات قد تنجرّ عن انتخابات لا تخلو من خلفيّات حسابيّة واضحة تدخل ضمن تمشّي المناورة على مسار الثورة ومحاولة الالتفاف على مبادئها والحدّ من تطلّعاتها المشروعة.