دون مفاجآت تذكر، اتفق من تفاوض من الحكومة و الاتحاد على نسب لزيادة حفنة من الدنانير للموظّفين و الأجراء و وقّعوا مبتهجين ما اتفقوا عليه. و قبل أن يتمّ صرف الزيادات فعليا في الشهر القادم ربّما ، ابتلعت الأسعار المتضخّمة منذ قيام الثورة و قبلها آمالا منتظرة من تلك الزيادات ما يبقي الموظّف و الأجير -بالزيادة أو بدونها- في نفس الوضعيّة البائسة حيث يسابق الزمن كلّ شهر للموازنة بين دخل ضعيف و مصاريف ثقيلة بل ثقيلة جدا.

و مردّ ذلك الثقل أنّ الزيادات السابقة في عهد “المخلوع” لم تكن أبدا على قاعدة علميّة بدراسة جدّيّة للمعطيات الاقتصاديّة و ما يظهر فيها من تفاوت و خلل، بل كان الأمر كلّه مسرحيّة أبطالها ممثّلون من الحكومة و مثلهم من اتّحاد الشغل يتولّون الحوار لا التفاوض حول نصّ مكتوب سلفا ليصادقوا عليه في النهاية رافعين عبارات الامتنان و الشكر للرئيس الذي ظلّ يمنّ على الشغالين بكرمه و حنانه في موعد يتجدّد كل ثلاث سنوات. و لكنّ الواقع أثبت أنّ الزيادات كانت تسير بسرعتين متناقضتين: ارتفاع جنونيّ للأسعار في جميع مجالات الحياة و ارتفاع ضئيل للأجور يجزّأُ إلى ثلاثة أقساط بما يفقدها التأثير المنتظر لتحسين ظروف العيش للمواطنين. إذ سرعان ما يثبت الحساب الصحيح أنّ ما وقع هو مجرّد غشّ و ذرّ للرماد في العيون. حتّى أصبحت مفاوضات الزيادة في الأجور على امتداد حكم المخلوع مجرّد مناسبة روتينيّة تستفيد منها السلطة سياسيّا و لا تمثّل للمواطن أكثر من “مهبة” تعطى للصغار في العيد.

إنّني لا أبالغ، فأنا شخصيا و باعتباري من رجال التعليم تعرّضت في إحدى المرات إلى السخرية من أحد تلاميذي الأثرياء حين أعلمته أنّ الحكومة تكرّمت علينا بزيادة قدرها ثلاثون دينارا فضحك طويلا ، ليس من المبلغ التافه لتلك الزيادة و لكن من الراتب نفسه فهو يأخذ مثله لقضاء نهاية الأسبوع في إحدى النزل الفاخرة. و يأخذ أضعافه في كلّ عطلة للسفر إلى بلد أوروبيّ للسياحة و التسوّق، بينما أقضي مع آلاف الموظّفين ليلي و نهاري في التفكير و التدبير لدفع معاليم الاستهلاك بأنواعها و تسديد مبالغ القروض التي تراكمت حتّى صارت كابوسا لا ينجلي.

و مع ذلك و بمناسبة الزيادة الجديدة التي لا تختلف في شيء عن الزيادات السابقة ” أجمع المتدخّلون خلال موكب التوقيع على أهمية هذا المنجز لفائدة الشغالين التونسيين بالرغم من الظروف الاستثنائية التي تمر بها تونس وشددوا على ضرورة إرساء الثقة بين طرفي المفاوضات الاجتماعية كشرط أساسي لبناء مجتمع تسوده العدالة والحرية وأكدوا في نفس السياق على أهمية تحسين المناخ الاجتماعي وإرساء الأمن والاستقرار كمسؤولية تتحمّلها جميع الأطراف من حكومة وشغالين وأصحاب مؤسسات”

هكذا قرأنا في وكالة تونس إفريقيا للأنباء و هي تزفّ لنا خبر التوقيع. والنصّ قد يكون منسوخا من أرشيف الوكالة لأنّه يذكّرنا بأساليب اللغة الخشبيّة القديمة التي كانت تستعمل لمثل تلك المناسبات في العهد البائد، عندما كانت الأخبار تحدّثنا عن إنجازات صانع التغيير لفائدة الكادحين و الشغّالين. و حتّى عبارة “الظروف الاستثنائيّة” تعوّدنا عليها و يبدو أنّها سترافقنا إلى الأبد لتبرير تلك الزيادات التي لم ترق أبدا إلى مستوى انتظارات اليد العاملة و لم تواكب النسق السريع لغلاء المعيشة.

و نحن لا ننكر ما في الخبر من الكلمات الجميلة الرنّانة التي تبشر بكلّ الخير، و لكنّنا سنبقى و كالعادة مردّدين لكلمة واحدة في نهاية كلّ شهر. هذه الكلمة هي ببساطة سؤالنا المتعطّش:”صبّوشي ” !