بقلم رضا السمين،

حين ينجح الشعب في تحطيم سلاسل الخوف ويحوّل انتفاضته إلى ثورة، فالواجب الأوّل هو تحقيق “المصالح العليا” للمجتمع الأهلي، واستلام شباب الثورة للسلطة كلّ السلطة، وتغليب قيم العفو مع المخطئ، ومقاومة غرائز الانتقام وردّ الفعل، والرحمة للناس كافة.

Mashup cartoon by nawaat, mixed from hanafi-art and Ecece

أليست واجباتنا الأولى هي، الصّدق ضدّ الكذب، الأمانة ضدّ الخيانة، التّبليغ ضدّ الكتمان، البصيرة ضدّ الجهل، العلم والذّكاء ضدّ التّهوّر، والشكر لله ضدّ الجحود ؟ سلطة الاستبداد دائما ما تقوم بتوظيف التديّن لخدمة أغراضها، مما جعل الدين في أحيان كثيرة في مواجهة مع المصالح المباشرة للناس، في حين أنّ تجربة التأويل وإعادة قراءة القرآن في تاريخنا، أعطت نموذجا فريدا لما يجب أن يكون عليه التديّن كداعم اجتماعي للناس بإيجابية الأثر والتأثير، وعلى عكس توظيف الدين في خدمة الاستبداد استطاع تأويل المعارضة أن يجعل الدين مع الناس وفي خدمة مصالحهم العليا وليس ضدهم، الإسلام ضدّ الفقر وضدّ امتهان كرامة الإنسان، والدين جاء لتحرير عقول الناس، ولكن ما يحدث الآن على العكس من ذلك تماما، حيث يستخدم الدين في كثير من الأحيان كباعث على الجمود والتردي في هاوية التقليد الأعمى، واستخدام الدين كسلاح يشهر في وجه الآخر أيا كان وجعله سببا دائما للشقاق والصراعات، والمشكلة تكمن في الممارسات والتقاليد غير المبرأة عن الهوى في غالب الأحيان، والتي تحجب الرؤية وتمنع الإبصار والتبصر.

التّوحيد هو تحقيق القرآن في حياة الأفراد والجماعات ضدّ الظّلم بأنواعه وضدّ الفساد بأقنعته وأسلحته المختلفة، وإنّ كثيرا من النّاس ليظنّون بالله تعالى ظنّ السّوء !! ولا يسلم من ذلك إلاّ من تدبّر القرآن وتعرّف على آياته. الوحي جاء ليعرّفنا بخالقنا سبحانه وتعالى (لا كما تتحدّث عنه الإسرائيليّات)، وعن تجربة الإنسان كعالَم بكامله مع ربّه ومع محيطه الخارجي ومع نفسه، وعن تجارب الجماعات والأنبياء ضدّ الظالمين والمستكبرين وادّعاءاتهم الاجتماعية والتاريخية، ولم يأت كحزمة حدود ونواهي.

ديننا هو إسلام العمل الصّالح لتغيير ما بأنفسنا وما بواقعنا والجهر بالقول. ليس الإيمان وراثة، فالتّكليف الإلهي هو لفرد عاقل حرّ ومسؤول وليس لصبيّ أو مجنون، أو لتابع آبائه وعشيرته فيكون مثلهم إيمانا أو كفرا، سفيها أو عاقلا، عاجزا أو قادرا. الإنسان لم يُكلّف عبثا وحياته مواقف وامتحان لجهده وفعله. الإنسان حبيب الله وخليله، مخلوقه وكليمه، بدليل إرسال الوحي إليه، وجعله في قلب الكون، وتسخير ما في السّماوات والأرض له، وتكريمه في البر والبحر، هذا وضع الإنسان في الحياة كما بيّن لنا القرآن الكريم ليثق الناس بأنفسهم ويعرفون عظمة مكانتهم. احترام الإنسان روحًا وجسدًا، وضمان حقّه في المأكل والمشرب والملبس والمسكن… منذ الولادة حتى لحظة الموت.

لكن بسبب الاستبداد والفساد صرنا من أكثر المجتمعات التي تُعاني من التفاوت الفاحش بين الفقراء والنّاهبين، بين الجوع وعهر الاستغلال. واجبنا اليوم أن نقدّم للناس رؤية قرآنية بلا غبش، ونذكّرهم بأيّام الله، وأن نتقدّم أمامهم لمواجهة عدوّهم من ظلم وفقر وجهل.

القرآن جاء للإصلاح في الأرض ومواجهة الإفساد فيها… ليحرر الإنسان من الأسر “الطبيعي” أو الاجتماعي أو السياسي، ليحثنا على واجب التعاون والمشاركة في الأفكار والأموال، وليُبيّن لنا وجود قوانين لبقاء أو فناء المجتمعات وتطورها : لا يمكن وجود حياة كريمة في مجتمع مبنيّ على الهلاك، أي غياب أصل العدل فيه.

أهم أصول الإسلام : إقامة علاقة مباشرة بين الإنسان وربّه دون أيّة واسطة، فلا بُدّ من إصلاح الخلل الذي أصاب تلك العلاقة في زمننا المتأخّر، ورفع الوصايا والحواجز، سواء الموروثة أو المبتدعة حديثا. أم على قلوبٍ أقفالها !

لنكسّر الأقفال… ونحطّم كل ما يرسّخ التخلف والمرض والعهر، سواء في التعليم أو السلوك اليومي، سواء في النظر أو العمل، وكل ما يمنع العلم عن الناس أو يهدم العقل، وكل ما يمنع عنهم تعلم المداواة والبرء من الأمراض، وكل ما يمنعهم من النظافة وحسن العيش وطيّب الكلام، والتصدّي بإحسان لكلّ من يفتن بين الناس أو يسعى لتفكيك وحدة المجتمع الأهلي وشق صفوفه، وتفريق عامته وإشعال البغضاء بينهم.

تجب معرفة الإسلام من القرآن بمساعدة معجم جيّد للغة العربية، وممّا صحّ من السنّة بدليل قطعيِّ الدلالة متّصل السند بالله سبحانه وتعالى، ومن معرفة منهجية لسيرة الصالحين ووقائع التاريخ وحوار الأفكار، وإلاّ سرنا ـ والعياذ بالله – في طريق الشيطان ونحن نظن أننا نسير في طريق الرحمان. المعرفة بوسائل الحوار، والجدل بالتي هي أحسن، بالتعقّل والدعوة إلى التفكّر، بتنمية الاستجابة الطوعية… وتقبُّل التساؤل والحيرة، ودعوة النّاس بصبر وعلى بصيرة.

تأكيد الدّعم لحقوق الناس التي يكفلها القرآن الكريم لكلّ إنسان دون نسخ أو مسخ. كرامة الإنسان كإنسان، واستعادة كرامة المرأة المسلوبة ظلما وعدوانا، في مؤاخاة مع كرامة الرجل، وتحرّرنا من هوامات التقاليد اللاإسلامية المكبّلة والغادرة التي كلّستها عادات الآباء والقبائل. واستعادة الأنس بين المساجد وبين التنمية المدنية، بتفعيل دورها في التنمية المحلية والدفاع المدني (إضافة للعبادة)، بدعم المبادرات المحلية الإنتاجية وتنمية الفطنة الاجتماعية وتعلّم القرآن، والنباهة والحسّ بالتاريخ، فتثري مشاركة الفرد والمجتمع الأهلي في الاقتصاد المحلّي وفي النشاط السياسي الأهلي. استعادة النشاط الاجتماعي في كل مسجد، مهما كان بناؤه متواضعا وعدد المصلين فيه قليل، هو أحد أهمّ نقاط القوة لشعبنا، ومن أعظم المكتسبات لبلادنا، وهي من أهم مراكز التقاء المجتمع الأهلي. التوصّل بعد انقطاعٍ طويل إلى “عهد مشترك” يمثّل حدّا أدنى للإجماع ويُؤسّس للولاء، يبدأ بـ “ألاّ نشرك بالله شيئا وألاّ يتّخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله” ويدفع للتعاون في حلّ المشاكل المحلية اقتصادية كانت أم اجتماعية. مساجد تستعيد “الفصحى” لتوحيد لغة التلقين والمعاش، لغة التعليم ولغة الحياة، لغة القرآن ولغة العلم والعمل، فيتوحّد الإنسان، ويُحقّق مزيدا من الحرية الاجتماعية، ويتدرّب محليا على مواجهة المخاطر كالأوبئة والكوارث الطبيعية أو الاقتصادية، دفاعا عن الحياة وحماية لأعراض الناس وثرواتهم وخياراتهم. مواجهة المسائل التي يتحدّانا بها هذا العصر كقضايا المال والتّخريب الاستعماري الجديد، القضايا الجنسيّة ومحاولات تدمير الأسرة، قضايا البيئة وتخريب البرّ والبحر والهواء، وضرورة تثبيت الدّيمقراطيّة بممارستها في كل حال وحين، وحق التّواصل والحوار، والمشاركة مع كل الشعوب في المجابهات العينيّة للظلم العابر للقارات، وتحريم الخوض في مسائل لا تفيد نهضة الأمّة بتجنّب المعارك الجانبيّة أو التي لا تعمّ بها البلوى في هذه المرحلة الأخطر من تاريخنا. والجهر بإنكار المنكر، كُلّ حسب همّته وإمكانيّاته، ومحاربةُ الجيمات الثلاث، الجور والجهل والجوع. ثقافة باسم الله ومن أجل النّاس ومصالحهم العليا، ضدّ فرعون وهامان وقارون والنّاكثين، ضدّ الظلم والإستحمار والاستغلال والتدليس، ضدّ الاستبداد والأحبار والمترفين والمنافقين. إنّ التّاريخ البشري هو تاريخ الصّراع ضدّ الظلم والاستكبار، بأبعاد جديدة في كلّ مرحلة، وأمام كلّ إعادة إنتاج للظّلم ونشر الظلمات يهبّ الصّالحون وأنصار العدل والتوحيد. رؤية للعالم وللوجود، مضادّة للظّلم وللفساد.. تفسّر الكون وسننه وتحمي الفرد روحا وجسدا، تدافع عن المجتمع اﻷهلي وتدفع عنه الظلمات والحصار. التّوحيد والعدل، يعني عمليّا القضاء على الشّرك في السّلوك العملي والخُلقي للأفراد وللجماعة، أي بناء مجتمعات بلا قهر ولا تسلّط ولا استغلال. “لا إله إلاّ الله” تُحرّر شعور الإنسان وواقعه من كلّ القيود والسّلاسل الاجتماعية والسياسيّة والمادّية… تُحرّر الفرد من كلّ أسوار القهر. نقرأ القرآن ونهتدي به لمواجهة مشاكل النّاس كما هم في هذا العالم وهذا العصر (لا مشاكل عالم وعصر آخر) ونستعدّ بالقرآن ليوم الحساب. والقرآن يؤكّد لكلّ قارئ ولكلّ مواطن يتلوه، واجب التّفكّر، التّدبّر، التّعقّل، وهو يدعونا لما يُحيينا (ولن تتكشف معاني الكتاب العظيم وأسراره قطّ للذين يتّخذون القرآن مهجورا.) غاية القرآن هي رفض آليات القهر والنهب، ورفض ثقافة السحر والحظ وإتباع الآباء. يدعونا إلى النظر في أنفسنا وفي كتابنا وفي العالم، ويحثّنا على الاجتهاد ورفض الشرك والتوسّط والأسرار والتقاليد وكل ما يُعارض التحرّر والعدل والعقل من ظلم ووهم وظن ولُبس في الرؤية، ويؤكّد على الوضوح والبيان في النظر والعمل. التكليف قائم على النظر والفهم وبذل المجهود، يعني حرّية الإنسان وضرورة اختياره، بين الخير والشر، بين العدل والظلم، وبين الطيبات والخبائث… وما ينتج عن هذا الاختبار من الجزاء، وكلٌ يأتي ربّه فردا والعاقبة للمتّقين.

واجبنا الجهر بالقرآن ضدّ الظلم وضدّ الفساد، واستعادة التغيير الجذري الذي أتى به القرآن الكريم منذ كلمة “اقرأ” (…) بالإقبال على تفهّم الآيات في الكتاب وفي النفس وفي الآفاق. حضارة “اقرأ” والدهشة النبوية المعرفية أمام هذا “الأمر”، دعوة لقراءة الكتاب ولقراءة آيات الكون وللآيات في أنفسنا، وتحويل هذا الأمر… إلى برنامج عمل يشارك في تحقيقه المجتمع الأهلي كفرض عين على كل رجل وامرأة.

كيف نقيم نظاما عادلا في عالمنا وعلى أرضنا ؟ الأساس الصحيح هو العدل السياسي والعدل الاجتماعي والعدل القضائي والعدل بين الرجل والمرأة، وقد أصابتنا الكارثة، في تاريخنا، عندما أخرج “علم الكلام” العدلَ من مجالات السياسة والاجتماع والقضاء والأسرة (…) وراح يزايد في الحديث عن العدل الأخروي، وهي كلمة حقٍّ أريد بها باطل، أي السكوت لمصلحة الظالم ومن يجلدون ظهرك ويسلبون أموالك، في حين أن العدل هو أساس المجتمع القرآني في هذه الحياة، وشرط النصر في واقعنا الحاضر… هناك في بلادنا إرادة قوية داخلية مرتبطة بإرادة أجنبية قوية، تعمل على إدامة التأزّم والخوف، وتعميق التفكّك الاقتصادي والاجتماعي، وإدامة الفشل السياسي لمجتمعاتنا. الصراع الآن والتدافع بعد ثورة الكرامة، هو بين نخبة الشرّ والمجتمع الأهلي. كيف نستعدّ نفسيا وعقليا وعمليا، لمواجهة “ثالوث الفساد”، عائلات النهب وأجهزة القمع والناقمين على المجتمع الأهلي وثقافته، ثالوث فاسد يُصارع المجتمع الأهلي على أرضنا لنهبه وقهره، بل يعمل وفق خطط الاستعمار الجديد على إلغائه لصالح دويلة “انفتاح” تدّعي لنفسها صورة الدولة وهي في الحقيقة لا تملك إلا السرقة والبوليس. أقلّية الفساد والظلم هذه جماعات اجتماعية صغيرة ولكن تحتل مواقع خطيرة تهيمن و”تتحكّم” في النسيج الاجتماعي والإداري للبلاد، فهي صغيرة ولكن مصمّمة ومُنظّمة، وتخدم في ذات الوقت مصالح أجنبية فاسدة. إنّ إغفال قوة أجهزة الشرّ المسلح، التي تحمي عائلات الفساد والاستبداد، يؤدي إلى مآزق تنظيميّة ونفسية وسياسية في المجتمع الأهلي، إذا جاءت لحظة، بعد الثورة، قد تقرّر فيها الأقلية الفاسدة مهاجمة المجتمع الأهلي من جديد، بالنار والأسلحة والأجهزة الإيديولوجية والإعلامية. فلا بدّ من الاهتمام بالواقع وأولويّته على الماضي، وأولويّة المصالح العليا للمجتمع الأهلي، والانشغال بالمواطن الكريم في حاضره الاجتماعي الثقافي السياسي والتعامل مع قضاياه العملية وإعداده لمواجهة الكوارث الطبيعية أو الخارجية أو الهمجية، في حالات “عدم الاستقرار” و”عدم الاتفاق” و”عدم اليقين”.

إنّ عدم المشاركة السياسية أو السّلبيّة في المرحلة الانتقالية “الحضارية” الخطيرة، تصبح خيانة لله ولرسوله وللمجتمع الأهلي، فالعمل السياسي والمدني واجب على كلّ مواطن ومواطنة بما تتطلّبه الأمانة والمسؤوليّة، ولا يخلو إنسان من “قدرة” معيّنة، والقدرة كما هو معلوم تُتعلّم وتُكتسب.

كيف نتقدّم من جديد نحو القرآن والديمقراطية والعلم، بلا وجلٍ ولا خوف ولا تردّد، فغيابهم في حياتنا السياسية واليومية هو أصل المشاكل وأساسها ؟ كيف نعيد المجتمع الأهلي إلى حركة طلب العلم والتعلّم، وتبادل الخبرات والتعارف في محيط العالمين ؟