هل نتكلم نفس اللغة ؟ هل نقصد نفس الأشياء عندما نتحدث ؟


يقول الرئيس التونسي المنتخب د. المرزوقي نقلا عن فيسبوك السيد عماد محنان: مسألة “رموز الفساد” هي جوهر المشكلة في الواقع السياسي والمالي والإداري في تونس وسائر أقطار الوطن العربي، ولكنّها تطرح طرحا خاطئا… فالسّعي وراء محاربة الرّموز أو الرّؤوس ليس هو المدخل الحقيقي لحلّ المشكلة بصفة حاسمة… القضيّة في “ثقافة الفساد” التي تغلغلت في التّكوين النّفسي للمواطن إلى درجة أنّها “شُرعنت” وأصبحت من علامات النّظرة الواقعيّة إلى الحياة. المواطن التّونسي -إلى حدّ غير مقبول- بنى صورة عن المسئول السياسي والإداري معيارها “واصل” (للسلطة) و”يقضي” (أي يسهّل الحاجات) وعنده “أكتاف” (أي ناس ذوو نفوذ)… ثلاثية الاستبداد في التضليل والقمع والإفساد، وهي ظاهرة مرضية تتيح الفرصة لفيروس الاستبداد لمهاجمة جسم المجتمع والتغلغل فيه، فيخلق حلقة خبيثة من ضعف المناعة واستفحال المرض. “الفيروس” الذي يسبب هذا المرض يجعل المستبد شخصا مريضا نفسيا، تجعله يحيط نفسه بالمنافقين والفاسدين، يستجدي منهم المديح الذي يتحول إلى حالة إدمان، كلما أخذ منها جرعة اشتدت حاجته إلى المزيد من الرداءة، أي اختيار الأعوان من بين الأسوأ على أساس الولاء لا الكفاءة، ودوائر أخرى من المنتفعين والسلبيين… فوجب الحذر من الذين يأكلون على كلّ الموائد كما يقول المثل.

وعموما فإنّ الاستبداد يستند على قاعدة متينة أساسها وجود “الإنسان المستبد”، أي الإنسان العادي الذي يمارس الاستبداد كل في مجاله: الرجل في الأسرة (والمرأة كذلك) والمسئول الصغير والشرطي والمعلم إلى أن يصل الهرم الاستبدادي إلى القمة، دون الغفلة عن التخريب الذهني الذي يلعبه مثقف الربوة ومثقف المستنقع، وضجيج الحداثة الذي لا يسمن ولا يغني مِن جوع ! والإفتاء من وراء نقاب النفط… وكذلك الإعلام الفاسد الذي يدفع المواطنين لاحتقار كل الطبقة السياسية والشك فيها برمتها، وهو ما يمهّد لعودة “الحلم” بالمستبدّ العادل الذي سيخلص البلاد من الفساد والفوضى أي تعبيد الطريق لعودة الدكتاتورية وقد يتناسى الناس آثامها المدمّرة.

ثقافة الفساد التي تغلغلت عند المواطن كانت من تدبير “دولة الفساد الاستبداد”، فنمت عقلية فاسدة توزع مقابل التسليم بالسلطة للمفسدين بعض فتات الفساد العام أي جملة من الامتيازات الفردية ولو على حساب الكرامة وعلى حساب الآخرين، وشيئا فشيئا تكلّست هذه العقلية لتصبح جزءا من ثقافتنا تهدد قيام أي دولة مدنية مبنية على القوانين والمؤسسات، وتفسد مفهوم المواطنة الذي يتطلب قبل كل شيء رفضَ أي مس بالكرامة والحرية مقابل خدمات تُقدَّم على أساس أنها مزايا من وليّ الأمر، وهي في الواقع حقوق غير قابلة للمسخ، وفي ظل المرحلة الانتقالية لا تختفي هذه العقلية فجأة وإنما تتأقلم… فحذار من مكر التاريخ.

الثورة، يقول د. منصف المرزوقي، هي اللحظة التاريخية التي يعيد فيها المجتمع، سلما أو حربا، وبعد تراكمات طويلة، إعادة توزيع السلطة والثروة والاعتبار. ومن يفقدون هذه الثلاثية لا يتبخرون بين عشية وضحاها وإنما يناورون إلى أقصى حدّ لعرقلة إعادة التوزيع هذه، وما يجري اليوم في تونس أمر طبيعي، حيث تصارع قوى الردة التي اكتسبت ثروات هائلة في ظل الدكتاتورية لإعادة نقل السلطة للأحزاب التي تضمن لها بقاء الثروة والقوة بين أيديها… أو السعي للخراب !

لكل تيار نوعين من الخصوم، نوع ينافسها على النفوذ الجماهيري، ونوع تتخذ من قدرتها على هزيمته وتصديها له شرعية لوجودها أمام الناس وأمام النوع الأول.

لا للسلفية التغريبية والعلمانية، ونختلف مع السلفية القائمة على مقولة “خير القرون قرني” أي تكرار ظاهرة الحواشي والشروح وشرح الشروح، ونختلف مع طريقة النهضة في “التجربة والخطأ” وطغيان الليبرالية على تفكير كثير من قياداتها فحياة الناس وكرامتهم لا تحتمل ونذكّرهم وأنفسنا بهذا النداء : ” رَبِّ بما أنعمتَ عليَّ فلنْ أكونَ ظهيراً للمُجرمين “.

ويرغب اليسار الإسلامي في طرح سبعة أسئلة للتفكر والنظر من أجل ثقافة سياسية جديدة:

1 ـ هل الديمقراطية هي حكم الأغلبية أم حماية الأقليات؟
2ـ ما الفرق بين الظن والإيمان ؟
3ـ هل تتأسس الدولة الديمقراطية على السيادة أم على المواطنة ؟
4ـ كيف يوظف المثقف العربي القيم الإنسانية فـي كتاباته وإبداعاته ؟
5ـ ما هي الأسس التي تقوم عليها الصداقة ؟
6ـ الإنساني كيف يتحقق في الإنسان ؟ أيّ شيء أنا ؟ تُرى من أكون ؟ مَن نحنُ ؟ هل تكفي الخطابة للتعبير عن حقيقة الإنسان ؟ هل الإنسانية هي الحياة والنطق والعبادة والموت ؟ لماذا يتعين معاملة الإنسان كغاية لا كوسيلة ؟ كيف أفتح نوافذي على رياح العالم دون أن تقتلعني من جذوري ؟ هل يؤدي فعل التثاقف إلى قيام تعاون بين الحضارات ؟ كيف يكون الآخر هو المختلف والمماثل في نفس الوقت ؟
7ـ كيف نعالج أو نواجه فيروس الفتنة بين الإسلاميين والإسلاميين، وبين الإسلاميين والعلمانيين، وبين الإسلاميين وغيرهم من الفرق الأخرى ؟

تيار اليسار الإسلامي لا يفصح بالضرورة عن نفسه اليوم في حزب أو تنظيم، لكنه يتمثل اليوم على أرض الواقع عبر أفراد يؤثرون في تكوين الرأي العام وتوجيهه من خلال أدوات التفكّر والتظاهر والتواصل الاجتماعي، وينطلقون من توحيد الله ونظرة إنسانية عقلانية تنويرية وتجديد في التفكير الديني لإعادة تأصيل حق الحياة والأمان والصحة والعمل والسكن والتعليم وحرية التعبير.

نشجّع النموذج التعاوني، مدعوما بمزيد من الديمقراطية، والتركيز – أولا وقبل كل شيء – على الاقتصاد الحقيقي واحتياجات الناس. “حين تتّـحد مجموعة من الأشخاص، وفق أسُـس ديمقراطية لإنتاج ثروة تُوَزّع بطريقة عادِلة، فهذا معناه تكوين تعاونية”. التعاونيات ليست مجرد فكرة تجارية بسيطة، بل هي طريقة وسياسة اقتصادية تجارية مؤسّـسة على قواعد وقيم من الديمقراطية والتضامن والمساواة والتكافل، نموذج يجمع بين منطق السوق والروح الاجتماعية، بحيث يجعل من التضامن محورا وهدفا، ومن تحقيق الرّبح الاقتصادي ضرورة يجب احترامها لضمان المصلحة الاجتماعية والاقتصادية للمساهمين، دون أن يكون الهدف هو تضخيم الربح.

تعتبر الجمعيات التي يُنشـئها صغار المنتجين، وسيلة حيوية لإرساء دعائم الديمقراطية، فضلا عن أنها تتيح للطبقة الفقيرة من المواطنين فرصة المساهمة في بناء المستقبل، وإذ لا يمتلك الأفراد في الغالب وسيلة لإسماع أصواتهم فإنّ التعاونيات تلعب دورا هاما في إسماع صوت صغار المنتجين وتمكينهم من حماية أنفسهم ضد منافسة الشركات متعددة الجنسيات.

75٪ من منتجات التجارة العادلة Fair trade تؤمّنه التعاونيات من خلال تعاونيات زراعية صغيرة، يخضع مزارعوها لفترة طويلة من التدريب والتأهيل، تمكِّـنهم من تعلم أساليب الدفاع عن مصالحهم ونقل خبراتهم إلى نظرائهم من أبناء المجتمع، وفي المقابل، يحيلون منتجاتهم إلى أسواق التعاونيات الكبيرة، وحسب مصادر منظمة العمل الدولية، توفّر التعاونيات والتجارة العادلة Commerce équitable في جميع أنحاء العالم، فرص عمل تزيد بنسبة 20٪ عمّا توفره الشركات متعددة الجنسيات.

الأعضاء المساهمين في التعاونيات، هم في نفس الوقت عملاء ومُلاك، وبالتالي، يمارسون رقابة أفضل، ناهيك عن حق الجميع في التصويت، بغضّ النظر عن حصّـة الفرد منهم في رأس المال، وهو ما يُـقوّي حضورهم ويعطيهم فرصة مساهمة أكبر في إنتاج الثروة والقدرة أخذ القرار. مع الوعي بأن العقبات الرئيسية حسب التجارب، تكمن في نقص رأس المال الأساس والخلل في توزيع السلطات، مما يعوق التنمية المستدامة لهذه التعاونيات ويقف دون حُـسن استغلال إمكاناتها بشكل أفضل خاصة حين تميل التعاونيات إلى التغافل عن دورها ومهمّـتها بشأن توعية وتأهيل المساهمين الذين قد يجهلون حقوقهم وواجباتهم، أو تغيب عنهم المبادئ التي تقوم عليها هذه المؤسسات.

وختاما نرفض حصار الديمقراطية الوليدة بين السياسي الفاسد المستعد لكل شيء للوصول للسلطة و”المواطن” المستعدّ لكل المقايضات الوسخة لمن يضمن له مصالحه الآنية، ونعترض على توظيف غير الموجود في طلب غير الممكن.